نشأ ابن الجوزي يتيمًا، فقد "مات أبوه وعمره ثلاث سنين" (٦) وأمه لم تلتفت (٧) إلى تربيته وتوجيهه، وإنما قامت بذلك عمته التي أرسلته إلى مسجد محمد بن ناصر الحافظ (٨) ليتلقى جميع العلوم منه ومن
_________________
(١) مرجع سابق، ابن رجب. كتاب الذيل على طبقات الحنابلة. الجزء الأول، ص ٤٠٠.
(٢) البغدادي، إسماعيل باشا. هدية العارفين أسماء المؤلفين وآثار المصنفين. بيروت، دار العلوم الحديثة، ١٩٨١ م، المجلد الأول، ص ٥٢٠.
(٣) معنى كلمة جوزة: "جَوْزُةُ: وسطه. وجوز كل شيء: وسطه، والجوزة: ضرب من العنب ليس بكبير، ولكنه يصغر جدًا إذا أينع. والجوز: الذي يؤكل، فارسي معرب واحدته جوزة والجمع جوزات". مرجع سابق، ابن منظور، أبو الفضل جمال الدين، محمد بن مكرّم. لسان العرب. المجلد الخامس، ص ٣٢٩ - ٣٣٠.
(٤) مرجع سابق، الذهبي. تذكرة الحفاظ. الجزء الرابع، ص ١٣٤٢.
(٥) مرجع سابق، ابن رجب. الذيل على طبقات الحنابلة. الجزء الأول، ص ٤٠٠.
(٦) مرجع سابق، ابن كثير. البداية والنهاية. الجزء الثالث عشر، ص ٢٨.
(٧) مرجع سابق، ابن الجوزي. صيد الخاطر. ص ٢٣٦.
(٨) محمد بن ناصر بن محمد بن علي الحافظ، أبو الفضل البغدادي ولد سنة (٤٦٧ هـ)، وسمع الكثير، وتفرد بمشايخ، وكان حافظًا ضابطًا مكثرًا من السُنة كثير الذكر، سريع الدمعة، وقد تخرج به جماعة منهم أبو الفرج، ابن الجوزي، وسمع بقراءته مسند أحمد وغيره من الكتب الكبار، وكان يثني عليه كثيرًا، توفي في سنة (٥٥٠ هـ). انظر، ابن كثير. البداية والنهاية. الجزء الثاني عشر، ص ٢٣٣.
[ ٧٢ ]
غيره من الشيوخ.
وعلى الرغم من أنه كان يتيمًا مبكرًا، إلا أنه عاش مرفهًا، فقد قال عن نفسه "وقد ربيت فى نعيمها وغذيت بلبانها، ولطف مزاجي فوق لطف وضعه بالعادة" (١)، وهذا الترف ناتج من أن أباه كان "موسرًا وخلف ألوفًا من المال" (٢) جعلته كما ذكر "لا يذل في طلب العلم قط ولا يخرج يطوف في البلدان كغيره من الوعاظ، ولا بعث رقعة إلى أحد يطلب منه شيئا قط " (٣). والغالب على تنشئة ابن الجوزي التدين ذلك أنه كان "صبيًا ديِّنًا مجموعًا على نفسه لا يخالط أحدًا ولا يأكل ما فيه شبهة، ولا يخرج من بيته إلا للجمعة، وكان لا يلعب مع الصبيان" (٤) كما ذكر عن نفسه قائلًا "فما أذكر أني لعبت في طريق الصبيان قط ولا ضحكت ضحكًا عاليًا" (٥). وكانت اهتماماته الأولية مركزة على طلب العلم، كما عبر عن ذلك بقوله "وكان الصبيان ينزلون إلى دجلة ويتفرجون على الجسر وأنا في زمن الصغر آخذ جزءًا وأقعد حجزة من الناس إلى جانب الرقة فأتشاغل بالعلم" (٦)، وقد ظهرت علامات النبوغ وحبه للعلم في وقت مبكر، فقد "رُزق عقلًا وافرًا في الصغر يزيد على عقل الشيوخ" (٧) يضاف إلى ذلك أن الله تعالى "حبب إليه العلم من زمن طفولته فتشاغل به" (٨)، وتلقى العلم على عدد كبير من المشايخ، ذكر منهم قائلًا "وسمعت من أبي بكر الدينوري (٩) الفقه وعلى أبي منصور الجواليقي (١٠) اللغة وتتبعت
_________________
(١) مرجع سابق، ابن الجوزي. صيد الخاطر. ص ٣٩.
(٢) ابن الجوزي، أبو الفرج، عبد الرحمن. لفتة الكبد إلى نصيحة الولد. القاهرة، المطبعة السلفية ومكتبتها، دون طبعة وتاريخ، ص ٥٤.
(٣) المرجع السابق، ص ٥٥.
(٤) مرجع سابق، ابن كثير. البداية والنهاية. الجزء الثالث عشر، ص ٢٩.
(٥) مرجع سابق، ابن الجوزي. لفتة الكبد إلى نصيحة الولد. ص ٤٦.
(٦) المرجع السابق، ص ٤٦.
(٧) المرجع السابق، ص ٤٦.
(٨) مرجع سابق، ابن الجوزي. صيد الخاطر. ص ٣٧ بتصرف.
(٩) سبق ترجمته في الباب الثاني، الفصل الأول، ص ٥٦.
(١٠) سبق ترجمته في الباب الثاني، الفصل الأول، ص ٥٦.
[ ٧٣ ]
مشايخ الحديث وانقطعت مجالس أبي علي ابن الراذاني (١)، وقد تلقى العلم في حلقات المسجد فكان يقول "ولقد وفق لي شيخنا أبو الفضل بن ناصر -﵀-، وكان يحملني إلى الشيوخ فأسمعني المسند وغيره من الكتب الكبار، وأنا لا أعلم ما يراد مني، وضبط لي مسموعاتي إلى أن بلغت فناولني ثبتها ولازمته إلى أن توفي -﵀-، فنلت منه معرفة الحديث والنقل" (٢). وقد حفظ القرآن وقرأه على جماعة من القراء بالروايات وسمع بنفسه الكثير وعني بالطلب في جميع الفنون وألف فيها" (٣)، وقد أمضى ابن الجوزي عهد صباه وشبابه في طلب العلم، ولقي في سبيل الحصول عليه الكثير من المصاعب والشدائد، التي جعلته يحس بحلاوة الطلب ومتعة العلم، فكان يخرج إلى نهر عيسى ومعه أرغفة يابسة لا يقدر على أكلها إلا بالماء، فهو يقول "فكلما أكلت لقمة شربت عليها، وعين همتي لا ترى إلا لذة تحصيل العلم، فأثمر ذلك عندي أني عُرفت بكثرة سماعي لحديث الرسول - ﷺ - وأحواله وآدابه، وأحوال أصحابه وتابعيهم" (٤) وقد أمضى فترة شبابه في الوعظ الذي تمرس فيه من صغره "وقد فاق فيه الأقران" (٥)، ثم حصلت له
_________________
(١) هو الحسن بن محمد بن الحسين الراذاني الأواني، ثم البغدادي، الفقيه الواعظ أبو علي الزاهد، ابن الزاهد أبي عبد الله. ولد أبو علي بأوانا، وسمع ببغداد من أبي الحسين ابن الطيوري، ومن بيان وابن شهاب وابن خشيش، ومن الحافظ بن ناصر ولازمه إلى أن مات وتفقه على أبي سعد المخرمي، ووعظ. ولما توفى ابن الزاغوني أخذ حلقته بجامع المنصور في النظر والوعظ، وطلبها ابن الجوزي فلم يعطها لصغر سنه، وقد توفى سنة (٥٤٦ هـ) انظر، ابن رجب. الذيل على طبقات الحنابلة. ص ٢٢٠.
(٢) مرجع سابق، ابن الجوزي. لفتة الكبد إلى نصيحة الولد. ص ٤٦.
(٣) الحنبلي، أبو الفلاح، عبد الحي بن العماد. شذرات الذهب فى أخبار من ذهب. بيروت، المكتب التجاري للطباعة والنشر والتوزيع، دون طبعة وتاريخ، الجزء الثالث، ص ٣٢٩.
(٤) مرجع سابق، ابن الجوزي. صيد الخاطر. ص ٢٣٥.
(٥) المكي، أبو محمد، عبد الله بن أسعد بن علي بن سليمان، اليافعي، اليمني. مرآة الجنان وعبرة اليقظان معرفة ما يعتبر من حوادث الزمان. بيروت، مؤسسة الأعلمي للمطبوعات، الطبعة الثانية، ١٣٩٠ هـ - ١٩٧٠ م، الجزء الثالث، ص ٤٨٩.
[ ٧٤ ]
في شبابه من "الحظوة في الوعظ ما لم يحصل لأحد قط وحضر مجالسه ملوك ووزراء بل وخلفاء من وراء الستر، ويقال في بعض المجالس حضره مائة ألف" (١)، وقد أكسبته تنشئته الاجتماعية والعلمية الكثير من الصفات الخلقية، فقد كان "لطيف الصوت، حلو الشمائل، رخيم النغمة، موزون الحركات، لذيذ المفاكهة، وكان يراعي حفظ صحته وتلطيف مزاجه وما يفيد عقله قوة، وذهنه حدة، يعتاض عن الفاكهة بالأشربة والمعجونات، لباسه الأبيض الناعم المطيب" (٢).
وقد نالت ابن الجوزي محنة في أواخر عمره، ملخصها: "أن الوزير ابن يونس الحنبلي (٣) كان في ولايته قد عقد مجلسًا للركن عبد السلام بن عبد الوهاب بن عبد القادر الجيلي. وأحرقت كتبه، وكان فيها من الزندقة وعبادة النجوم ورأي الأوائل شيئًا كثيرًا، وذلك بمحضر من ابن الجوزي وغيره من العلماء، وانتزع الوزير منه مدرسة جده، وسلَّمها إلى ابن الجوزي. فلما ولي الوزارة ابن القصاب -وكان رافضيًا- سعى في القبض على ابن يونس، وتتبع أصحابه فقال له الركن: أين أنت عن ابن الجوزي فإنه ناصبي، ومن أولاد أبي بكر، فهو من أكبر أصحاب ابن يونس، وأعطاه مدرسة جدي، وأحرقت كتبي بمشورته؟ فكتب ابن القصاب إلى الخليفة الناصر، وكان الناصر له ميل إلى الشيعة ولم يكن له ميل إلى الشيخ أبي الفرج، بل قد قيل: إنه كان يقصد أذاه، وقيل: إن الشيخ ربما كان يعرِّض في مجالسه بذم الناصر فأمر بتسليمه إلى الركن عبد السلام، فجاء إلى دار الشيخ وشتمه، وأغلظ عليه وختم على كتبه
_________________
(١) مرجع سابق، الذهبي. تذكرة الحفاظ. الجزء الرابع، ص ١٣٤٤.
(٢) مرجع سابق، الحنبلي. شذرات الذهب فى أخبار من ذهب. الجزء الثالث، ص ٣٢٩ - ٣٣٠.
(٣) الوزير ابن يونس الحنبلي: "هو عبد الله بن يونس بن أحمد بن عبيد الله بن هبة الله البغدادي الأزجي، الفقيه الفرضي الأصولي المتكلم الوزير، وزير الخليفة الناصر جلال الدين أبو المظفر بن منصور بن أبي المعالي. كان والده وكيلًا لأم الخليفة الناصر، وكان ذا صدقات وإفضال على العلماء، سمع من ابن الحصين، وأبي منصور القزاز، وحدث، وحج في آخر عمره، وعاد ولزم بيته ونابه ولده هذا، وتوفي في محرم سنة ٥٨١ هـ". مرجع سابق، ابن رجب. الذيل على طبقات الحنابلة. الجزء الأول، ص ٣٩٢.
[ ٧٥ ]
وداره، وشتت عياله" (١) "ثم أخذه -الركن- في سفينة إلى واسط فحبس بها في بيت، فبقي يغسل ثوبه ويطبخ، ودام على ذلك خمس سنين ما دخل فيها حمامًا. ثم كان السبب في خلاص الشيخ أن ابنه يوسف نشأ واشتغل وعمل في الوعظ وتوصل، فشفعت أم الخليفة في الشيخ فأطلق" (٢). وكان له من الأولاد عشرة، "خمسة ذكور وخمس إناث، فمات من الإناث اثنتان ومن الذكور أربعة، فلم يبق من الذكور سوى ولده أبي القاسم" (٣).
"وكانت جنازته مشهودة، شيعه الخلائق يوم الجمعة ثالث عشر شهر رمضان إلى مقبرة باب حرب سنة (٥٩٧ هـ) " (٤).
_________________
(١) مرجع سابق، ابن رجب. الذيل على طبقات الحنابلة. المجلد الأول، ص ٤٢٥ - ٤٢٦.
(٢) مرجع سابق، الداودي. طبقات المفسرين. الجزء الأول، ص ٢٧٤.
(٣) مرجع سابق، ابن الجوزي. لفتة الكبد إلى نصيحة الولد. ص ٤١.
(٤) مرجع سابق، الذهبي. تذكرة الحفاظ. الجزء الرابع، ص ١٣٤٧.
[ ٧٦ ]