إن الانغماس في الشهوات، يشتت فكر الإِنسان، ويبدد طاقاته، ويقتل ملكاته، وقد أوجز ابن الجوزي أسباب الانغماس في الشهوات في أمرين:
أولهما: "أن تطاع النفس في طلب كل شيءٍ تشتهيه وذلك لا يوقف على حدٍ فيه، فيذهب الدين والدنيا ولا يُنال كل المراد. مثل أن تكون الهمة في المستحسنات أو في جمع المال أو في طلب الرياسة وما يشبه هذه الأشياء" (١).
من المعروف أن النفس البشرية جُبلت على حب الشهوات، وقد جاء المنهج التربوي الإسلامي لتهذيب هذه الشهوات والإعلاء منها، بطريقةٍ معتدلةٍ متوازنةٍ دون إفراطٍ أو تفريطٍ وفي حدود ما أباحه الله تعالى، ولكن انحراف الإنسان عن تطبيق المنهج الصحيح في إشباع الشهوات، والإفراط والطاعة في إشباع هذه الشهوات دون قيودٍ وحدود، يضر الإنسان في دينه ودنياه وآخرته، لقول الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ (٢).
لذلك لابد من ضبط الدوافع والشهوات بالضوابط الشرعية الملائمة لفطرة الإِنسان، مع الاعتدال في إشباع المباحات، والتقليل من كماليات الدنيا.
أما الأمر الثاني: فهو "مخالطة الناس خصوصًا العوام، والمشي في الأسواق، فإن الطبع يتقاضى بالشهوات، وينسى الرحيل عن الدنيا، ويحب الكسل عن الطاعة والبطالة والغفلة والراحة. فيثقل على من ألف مخالطة الناس التشاغل بالعلم أو بالعبادة، ولا يزال يخالطهم حتى تهون عليه الغيبة وتضيع الساعات في غير شيء" (٣).
_________________
(١) مرجع سابق، ابن الجوزي. صيد الخاطر. ص ٣٩٥.
(٢) سورة المنافقون، الآية ٩.
(٣) مرجع سابق، ابن الجوزي. صيد الخاطر. ص ٣٩٥.
[ ١٨٠ ]
والمقصود من هذ العبارة مجالسة الصالحين والابتعاد عن مجالس الدنيا وأهلها، وذلك لتأثير الصحبة الصالحة والصحبة الشريرة في النفس، وقد ضرب النبي - ﷺ - مثلًا فقال: "مثل الجليس الصالح والسوء كحامل المسك ونافخ الكير، فحامل المسك: إما أن يحذيك، وإما أن تبتاع منه، وإما أن تجد منه ريحًا طيبة. ونافخ الكير: إما أن يحرق ثيابك، وإما أن تجد منه ريحًا خبيثة" (١). لذلك فإن مصاحبة الإِنسان لإِنسانٍ آخر تنحصر اهتماماته في متاع الدنيا، واللهو واللعب وقضاء الوقت فيما لا يفيد، تشغل النفس البشرية بالمعاصي والذنوب التي تجرها هذه الأمور، لأنها لم تقيد بالقيود والضوابط الشرعية الصحيحة، لذلك نهى القرآن الكريم عن مصاحبة قرناء السوء، ﴿وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾ (٢)، ورغَّب في صحبة الأخيار ومجالستهم: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ (٣)، وذلك لأن في مصاحبتهم أثرًا واضحًا في تهذيب الأخلاق، وسلامة القلب، ونقاء السريرة، وطلب العلوم ونشرها بين الناس.
إن السببين اللذين ذكرهما ابن الجوزي: وهما: طاعة النفس لإشباعها بما تشتهيه، ومصاحبة أهل الدنيا وما تجلبه من معاصي عليهم، يؤكدان أهمية تدريب النفس البشرية وتربيتها على الاعتدال في إشباع الشهوات، وضبطها بالضوابط الإِسلامية الصحيحة، مع أهمية وجود القدوة أو الصحبة الصالحة للفرد لتساعده وتعينه على مجاهدة نفسه، والأخذ بيده بالرفق والمودة والمحبة، لتصحيح مسار شهواته، وجعل دوافعه وسائل مقويةً على طاعة الله تعالى ورضاه.