بعد عرض الآراء التربوية لابن الجوزي تلك التي وثقها بالآيات القرآنية، أو الأحاديث النبوية، أو القواعد الفقهية، أو طريقة الاستقراء. فإن هناك آراء تربوية وثقها بقصص الأنبياء -﵈- أو السلف الصالح، كذلك استشهد بالشعر التربوي الذي يضفي على الرأي قوة ووضوحًا وأصالة، كما أضاف على رأيه التربوي حصيلة تجاربه وخبراته الشخصية في هذا المجال. وسأعرض هذه الآراء:
أ - الآراء التربوية التي وثقها ابن الجوزي بقصص الأنبياء وأقوالهم
١ - استشهد ابن الجوزي على فائدة العقاب بقول لقمان لابنه: "يا بني. ضرب الوالد للولد مثل السماد للزرع" (٢).
٢ - استشهد ابن الجوزي على إشباع دافع الجنس عن طريق الزواج الشرعي الحلال بفعل موسى -﵇- فقال: "وقد أنفق موسى -﵇-، من عمره الشريف عشر سنين في مهر بنت شعيب. فلولا أن النكاح من أفضل الأشياء لما ذهب كثير من زمان الأنبياء فيه" (٣).
٣ - استشهد ابن الجوزي على التربية الإرادية بقصص الأنبياء
_________________
(١) المرجع السابق، ص ٢٥٣.
(٢) مرجع سابق، ابن الجوزي. اللطائف والطب الروحاني. ص ١٣٤. لم أجد له مصدرًا.
(٣) مرجع سابق، ابن الجوزي. صيد الخاطر. ص ٢٦.
[ ٤٧٣ ]
-﵈-، التي تبين ابتلاءاتهم المختلفة فقال: "هذا آدم طاب عيشه في الجنة وأخرج منها. ونوح سأل في ابنه فلم يُعطَ مراده، والخليل ابتلي بالنار، وإسماعيل بالذبح، ويعقوب بفقد الولد، ويوسف بمجاهدة الهوى، وأيوب بالبلاء، وداود وسليمان بالفتنة، وجميع الأنبياء على هذا.
وأما ما لقي نبينا محمد - ﷺ - من الجوع والأذى وكدر العيش فمعلوم" (١).
٤ - كذلك استشهد ابن الجوزي على التربية الإرادية بقصة يوسف -﵇- فقال: "وكذلك الزهد يحتاج إلى صبر عن الهوى. والعفاف لا يكون إلا بكفِّ كفِّ الشرَه. ولولا ما عانى يوسف -﵇- ما قيل له أيها الصديق" (٢).
ب- الآراء التربوية التي وثقها ابن الجوزي بقصص السلف الصالح وأقوالهم
عرض ابن الجوزي في أثناء إبداء بعض آرائه التربوية بعض القصص الواقعية للسلف الصالح حتى يقتدي بهم القارئ في أخلاقهم وسلوكهم وتصرفاتهم، وتكون له حافزًا على التطبيق.
وهذه بعض الآراء التي وثقها بهذه القصص:
١ - استشهد ابن الجوزي عند بيان فضيلة كظم الغيظ بحال السلف الصالح فقال: "وقد كان السلف إذا غضبوا غفروا وصفحوا طلبًا لفضيلة العفو، وكظم الغيظ، ومنهم من يرى السبب في إغضابه ذنوب نفسه، ومنهم من يرى أنه مختَبر" (٣).
٢ - وفي تربية الطفل استشهد بجواب سفيان الثوري لمن سأله بقوله: نضرب أولادنا على الصلاة؟ قال سفيان: بل بشرهم" (٤).
_________________
(١) المرجع السابق، ص ٣٨٨.
(٢) المرجع السابق، ص ٢٦٩.
(٣) مرجع سابق، ابن الجوزي. اللطائف والطب الروحاني. ص ١١١.
(٤) المرجع السابق، ص ١٣٣.
[ ٤٧٤ ]
٣ - وقال ابن الجوزي بشأن مراعاة الفروق الفردية في التربية الجسمية: "ولا ينبغي أن يطالب الإنسان بما يقوى عليه غيره، فيضعف هو عنه؛ فإن الإنسان أعرف بصلاح نفسه. قالت رابعة العدوية: إن كان صلاح قلبك في الفالوذج فكله" (١) فاستأنس بقول رابعة.
٤ - واستشهد ابن الجوزي في آداب العالم بموقف السلف الصالح من الفتوى فقال: "ثم يُقدِم أحدكم على الفتوى وليس من أهلها، وقد كان السلف يتدافعونها" (٢).
٥ - استشهد ابن الجوزي في آداب طالب العلم بالإمام أحمد بن حنبل في تأخيره الزواج فقال: "وأختارُ للمبتدئ في طلب العلم أن يدافع النكاح مهما أمكن، فإن الإمام أحمد بن حنبل لم يتزوج حتى تمت له أربعون سنة، وهذا لأجل جمع الهم. فإن غلب عليه الأمر تزوج واجتهد في المدافعة بالفعل لتتوافر القوة على إعادة العلم" (٣).
٦ - استشهد ابن الجوزي في التربية الروحية، بأهمية التفكر في معاني الصلاة بفعل السلف الصالح فقال: "وقد كان أرباب التفكر من السلف يشاهدون في كل شيءٍ عبرة، فيذكرون بالأذان نداء العرض، وبطهارة البدن تطهير القلب، وبستر العورة طلب ستر القبائح من عيوب الباطن، وباستقبال القبلة صرف القلب إلى المقلب، فمن لم تكن صلاته هكذا فقلبه غافل" (٤).
٧ - بيَّن ابن الجوزي كيفية وقوف السلف الصالح بين يدي الله تعالى في الصلاة فقال: "إن المقصود بالصلاة إنما هو تعظيم المعبود؛ وتعظيمه لا يكون إلا بحضور القلب في الخدمة. وقد كان في السلف من يتغير إذا حضرت الصلاة ويقول: أترون بين يدي من أريد أن أقف؟! " (٥).
_________________
(١) مرجع سابق، ابن الجوزي. صيد الخاطر. ص ٣٤.
(٢) المرجع السابق، ص ٤٦٩.
(٣) المرجع السابق، ص ١٧٨.
(٤) مرجع سابق، ابن الجوزي. التبصرة. الجزء الثاني، ص ٢٣٥.
(٥) المرجع السابق، الجزء الثاني، ص ٢٣٥.
[ ٤٧٥ ]
٨ - استشهد ابن الجوزي في الوسائل المعينة على الصبر بقصة عن بشر الحافي رحمة الله عليه فقال فيها؛ "سار ومعه رجل في طريق فعطش صاحبه، فقال له: نشرب من هذه البئر؟ فقال بشر: اصبر إلى البئر الأُخرى، فلما وصلا إليها قال له: البئر الأُخرى. فما زال يعلله .. ثم التفت إليه فقال له: هكذا تنقطع الدنيا" (١).
جـ - الآراء التربوية التي وثقها ابن الجوزي بشعره
إن للشعر تأثيرًا فعّالًا في النفس البشرية لتغيير السلوك، وقد اعتبره بعض المربين المسلمين وسيلة تساعد على غرس القيم والأخلاقيات الصالحة. ولم يستخدم ابن الجوزي الشعر باعتباره وسيلة من وسائل التربية الخلقية فقط، وإنما كان ممن يقول الشعر ويتذوقه، ويدرك تمامًا أثره في تقوية وتدعيم المعنى المراد إيصاله للغير، لما له من أثر فعال في النفس البشرية.
وهذه بعض الآراء التربوية التي وثَّقها ابن الجوزي بشعره:
١ - وضَّح ابن الجوزي رأيه في مرحلة الشباب بقوله نثرًا وشعرًا: "وهذا هو الموسم الأعظم الذي يقع فيه جهاد النفس والهوى وغلبة الشيطان. وبصيانة هذا الموسم يحصل القرب من الله، وبالتفريط فيه يقع الخسران العظيم. . . الخ.
ثم قال ابن الجوزي: "ومما قلته من الشعر في هذا المعنى:
أما الشبابُ فظلمة للمهتدي وبه ضلالُ الجاهلِ المتمردِ
فأقمعْه بالصبرِ الجميلِ ودمْ على الصوم الطويلِ فإنه كالمبرَدِ
واكففْ لسانَك عن فضولِ كلامهِ واحفظْه حفظَ الجوهرِ المتبددِ
واغضُضْ لحاظَك عن حرام واقتنعْ بحلالِ ما حصلت تحمد في غدِ
ودع الصَّبا فالله يحمَدُ صَابرًا يا نفسُ هذا موسمٌ فتزوَّدي" (٢). الخ.
٢ - كما بيَّن رأيه في مرحلة الكهولة بقوله نثرًا وشعرًا: "وهذا
_________________
(١) مرجع سابق، ابن الجوزي. صيد الخاطر. ص ٩٨ - ٩٩.
(٢) مرجع سابق، ابن الجوزي. "تنبيه النائم الغمر على مواسم العمر". من كتاب التحفة البهية والطرفة الشهية. ص ٦٠ - ٦١.
[ ٤٧٦ ]
الزمان فيه بقية من الشباب وللنفس فيه ميل إلى الشهوة، وفيه جهاد حسن، وإن كانت طاقات الشيب تزعج وترغب في جهاد اللهو، وليكتف الكهل بنور الشيب الذي أضاء له سبيل الرحيل وليعامل بالبقية المائلة إلى الهوى يربح ولكن لا كربح الشاب:
قد رأيتُ المشيبَ نورًا تبدّى نوّرَ الطرقَ ثم ما إن تعدّى
إن نورَ الشباب عاريةٌ عنـ ـدي فجاءَ المعيرُ حتى استردَّا
جاءني ناصحٌ أتاني نذيرٌ ببياض أرانيَ الأمرَ جِدًا
دعْ حديثَ الصِّبا ورامةَ والغو رِ ونجدا يا سعدُ واسعَ لسُعدى
ثم خلِّي حديثَ ليلى ونعم ومساع وكلثم دع دعدا
وتزودْ زادَ الشتاءِ فقد فا ت ربيعٌ ضَيعت به الوردا
قف على الباب سائلًا عفوَ مولا كَ فما إن يزالَ يرحمُ عبدا (١)
٣ - استشهد ابن الجوزي عند بيان سمات العلم النافع بقوله نثرًا وشعرًا: "ثم ينبغي أن يطلب الغاية في معرفة الله تعالى ومعاملته، وفي الجملة لا يترك فضيلة يمكن تحصيلها إلا حصلها. فإن القنوع حالة الأرذال.
فكن رجلًا رجلُه في الثرى وهامةُ همتِه في الثُّرَيَّا (٢)
٤ - كذلك وضح رأيه في مرحلة الشيخوخة بقوله نثرًا وشعرًا: "وقد يكون في أول الشيخوخة بغتة هوى فيثاب الشيخ على قدر صبره، فكلما قوي الكبر ضعفت الشهوة. . . الخ.
غُررنا بالشباب المستعارِ وقعنا بالمشيب عن الخمارِ
أنارَ لنا المشيبُ سَبيلَ رشدٍ وندَّمنا على خَلعِ العذارِ
فوا أسفي على عمير تولّت لذاذتُه وأبقتْ قبحَ عارِ
فنحنُ اليومَ نبكي ما فعلْنا وكيف وكم وقعنا في خَسارِ
وليس لنا سوى حزنٍ وخوفٍ وندب في خضوع وانكسارِ
تعالَوْا نبكِ ما قد كان منَّا وقوموا في الدياجِي باعتذارِ
وما شيءٌ لمحوِ الذنبِ أولى من الأحزانِ والدمعِ الغزارِ
_________________
(١) المرجع السابق، ص ٦٢.
(٢) مرجع سابق، ابن الجوزي. صيد الخاطر. ص ١٦٠.
[ ٤٧٧ ]
ستدري يا مفرِّطُ صدقَ قوليِ إذا غُودرتَ في بطنِ الصحارِي
وخلّاك الصديقُ أسيرَ قفر ترافقُك الندامةُ في القفارِ
وقد فازوا بما حازوا جميعًا وأنت رهينُ ذلٍ وافتقار
فخذ حذرًا وزادًا تكتفيه لرحلته إلى تلك الديارِ" (١)
يلاحظ على شعر ابن الجوزي أنه يتميز بالسهولة وترك التكلف، كما يتميز شعره بوضوح الطابع الأخلاقي والديني الذي يربي في النفس البشرية القيم والآداب الصالحة، ولا يخرج عن الأحكام الشرعية التي أمر بها المنهج التربوي الإسلامي.
ب - وهناك بعض الآراء التربوية التي وثقها بشعر غيره من الشعراء
١ - استشهد ابن الجوزي في تربية الطفل بقوله: "أقوم التقويم ما كان في الصغر، فأما إذا تُرك وطبعَه فنشأ عليه ومرن كان رده صعبًا، قال الشاعر:
إن الغصونَ إذا قَومتَها اعتدلَت ولا يلينُ إذا قومته الخشبُ
قد ينفعُ الأدبُ الأحداثَ في مهلٍ وليس ينفعُ في ذي الشيبةِ الأدبُ" (٢)
٢ - واستشهد ابن الجوزي في أهمية تأديب الطفل حتى وإن شكا ثقل التأديب عليه بقوله: "وما احتمل من العلم يأمرانه به وينهيانه عن القبيح ويحثانه على المكارم، فإنه موسم الزرع. قال الشاعر:
لا تسهُ عن أدب الصغيـ ـرِ وإن بكى ألمَ التعبْ
ودع الكبيَرَ لشأنِه كبُرَ الكبيرُ عن الأدبْ (٣)
٣ - استشهد ابن الجوزي بأثر الصحبة الصالحة في الناشئ بقوله: "وليكن جلساؤك الكتب والنظر في سِيَر السلف، ولا تشتغل بعلم حتى تحكم ما قبله، وتلمّحْ سير الكاملين في العلم والعمل، ولا تقنع بالدون، فقد قال الشاعر:
_________________
(١) مرجع سابق، ابن الجوزي. "تنبيه النائم الغمر على مواسم العمر". ص ٦٣ - ٦٤.
(٢) مرجع سابق، ابن الجوزي. اللطائف والطب الروحاني. ص ١٣٣.
(٣) مرجع سابق، ابن الجوزي. "تنبيه النائم الغمر على مواسم العمر". ص ٥٨.
[ ٤٧٨ ]
ولم أرَ في عيوب الناسِ شيئًا كنقصِ القادرين على التمامِ (١)
٤ - استشهَد ابن الجوزي بالشعر أيضًا على أهمية اغتنام الوقت في التزود بالعلم المفيد فقال: لما علم أن العمر لا يسع الكل أخذ ما يحتاج إليه من الكل زادًا لمسيره، ونهض للعمل بمقتضاه، فتراه ينتهب العمر خوف أن يذهب وما نال المراد، ولا يضيع لحظة في غير مهم، ويناقش (يحاسب) نفسه في زمان المطعم والنوم، لعلمه بقصر المدة، كما قال الشاعر:
فاقضوا مآربكم عجالًا إنَّما أعمارُكم سَفَرٌ من الأسفار
وتراكضوا خيلَ السباقِ وبادروا أن تُستَرَدَّ فإنهن عواري" (٢)
٥ - استشهد ابن الجوزي عند إبداء رأيه في من ضيع عمره فيما لا يفيد من العلوم بقوله؛ "وقد صده اشتغاله بذلك عن المهم من العلم، فهم كما قال الحطيئة:
زواملُ للأخبارِ لا علمَ عندها بمثقلِها إلا كعلم الأباعر
لعَمرك ما يدري البعيرُ إذا غدا بأوساقهِ أوراحَ ما في الغرائرِ" (٣)
٦ - وقد بيَّن ابن الجوزي رأيه بأهمية الجدّ والمثابرة لطالب العلم بقوله: "وعليكم بملاحظة سِيَرِ السلف، ومطالعة تصانيفهم وأخبارهم، فالاستكثار من مطالعة كتبهم رؤية لهم، كما قال:
فاتني أن أرى الديارَ بطرفي فلعلي أرى الديارَ بسمعي" (٤)
٧ - وقد بيَّن ابن الجوزي رأيه في التربية الأخلاقية بقوله: "نيل الشرف بالكرم والجود، فإنه يفتقر إلى جهاد النفس في بذل المحبوب، وربما آل إلى الفقر. وكذلك الشجاعة، فإنها لا تحصل إلا بالمخاطرة بالنفس، قال الشاعر:
لولا المشقةُ سادَ الناسُ كلُهمُ الجودُ يفقرُ والإقدامُ قتَّالُ" (٥)
_________________
(١) مرجع سابق، ابن الجوزي. لفتة الكبد إلى نصيحة الولد. ص ٥٣.
(٢) مرجع سابق، ابن الجوزي. اللطائف والطب الروحاني. ص ١٣٩.
(٣) مرجع سابق، ابن الجوزي. صيد الخاطر. ص ١٦٨.
(٤) المرجع السابق، ص ٤٤٠.
(٥) المرجع السابق، ص ٢٦٩.
[ ٤٧٩ ]
٨ - كما بيَّن ابن الجوزي رأيه في التربية الإرادية بقوله: "فالدنيا وضعت للبلاء، فينبغي للعاقل أن يوطن نفسه على الصبر، وأن يعلم أن ما حصل من المراد فلطف، وما لم يحصل فعلى أصل الخلق والجبلة للدنيا كما قيل:
طُبعت على كدرٍ وأنت تريدُها صفوًا من الأقذاءِ والأكدار
ومكلّفُ الأيام ضدَ طباعِها متطلبٌ في الماءِ جذوةَ نارِ" (١)
٩ - استشهد ابن الجوزي بالشعر في حديثه عن الوسائل المعينة على الصبر فقال: "فرأيت الصواب قطع طريق الصبر بالتسلية والتلطف للنفس، كما قال الشاعر:
فإن تشكَّت فعلَّلها المجرةَ من ضوءِ الصباح وعدها بالرواحِ ضُحى" (٢)
يلاحظ على أشعار ابن الجوزي التي نظمها "أنها غنية بالمعاني الأخلاقية، والتوجيهات التربوية. أما إذا وزناها بميزان النقد والتذوق الجمالي نجدها لا تستند في جملتها إلى أصول جمالية فنية، فهي تفتقر إلى التراكيب الفنية، والفنون القولية، وعمق الخيال الذي يولد لنا الصور الفنية البارعة التي تثير الإحساس في النفس، وتزيد من دلالات التراكيب، فشعره شعر تعليمي أشبه ما يكون بشعر النظَّامين الذي يرصفون الكلمات بجوار بعضها بعض لتؤدي معنى معينًا من غير احتفاءٍ بالناحية الجمالية الفنية" (٣).
هـ - الآراء التربوية التي وثقها ابن الجوزي بتجربته الذاتية
إن حياة الإنسان وما فيها من سراء وضراء، وما يعيش فيها من بؤس وشقاءٍ، أو ترفٍ ونعيم، وما يواجهه من مصاعب ومشاق، تكسبه صلابةً وقوةً، فتغني حياته العلمية والعملية بالتجارب المفيدة، والخبرات المثمرة، التي تكون حصيلة عمره الزمني كله، الذي يقدمه لغيره ليستفيد منه.
_________________
(١) المرجع السابق، ص ٣٨٨.
(٢) المرجع السابق، ص ٩٨.
(٣) علقت على ذلك، د. نجاح أحمد الظهار أستاذة الأدب في الكلية المتوسطة بجدة.
[ ٤٨٠ ]
وابن الجوزي كغيره من الناس -وبوصفه عالمًا من علماء المسلمين- عاش حياته بكل ما فيها من شقاء ونعيم، وخاض غمارها بكل ما لديه من إيمانٍ وصبرٍ وعلم ويقين بالله تعالى، فكانت حصيلة عمره خبرات وتجارب، قدمها لغيره حتى يستفيد منها، ويواجه بنجاح ما قد يعترضه من عقبات وصعوبات.
بالإضافة إلى أن ابن الجوزي أدرك الأثر العظيم الذي يكون في النفس البشرية، بعد معرفة تجارب الغير، وما فيها من خير أو شر، وهو من الذين تأثروا بتجارب غيرهم، وحاول أن يستفيد منها فقال في هذا الشأن: "ولقد تأملت نفسي بالإضافة إلى عشيرتي الذين أنفقوا أعمارهم في اكتساب الدنيا، وأنفقت زمن الصُّبوَّة والشباب في طلب العلم، فرأيتني لم يفتني مما نالوه إلا ما لو حصل لي ندمت عليه" (١).
هناك الكثير من المواقف الحياتية، والتجارب الشخصية التي عاشها ابن الجوزي، ولمس ثمرتها الروحية والعلمية والعملية في حياته، فشعر بسعادة الدنيا، ورجا حسن الجزاء من الله تعالى.
تجاربه العلمية
أ - ومن المواقف التي حكى فيها ابن الجوزي معاناته، وما لقي فيها من صعوبات، وما أثمرت من الثمرات، تجربته العلمية، قال فيها: "كنت في زمان الصبا آخذ معي أرغفة يابسة، فأخرج في طلب الحديث، وأقعد على نهر عيسى فلا أقدر على أكلها إلا عند الماء. فكلما أكلت لقمة شربت عليها، وعين همتي لا ترى إلا لذة تحصيل العلم. فأثمر ذلك عندي أني عُرفت بكثرة سماعي لحديث الرسول - ﷺ - وأحواله وآدابه، وأحوال أصحابه وتابعيهم، فصرت في معرفة طريقه كابن أجود (٢).
وأثمر ذلك عندي من المعاملة ما لا يدرى إلَّا بالعلم، حتى إنني أذكر في زمان الصبوة، ووقت الغلمة والعزبة قدرتي على أشياء كانت
_________________
(١) مرجع سابق، ابن الجوزي. صيد الخاطر. ص ٢٣٥.
(٢) ابن أجود: بحثت ولم أصل بعدُ إلى معرفة هذا الرجل.
[ ٤٨١ ]
النفس تتوق إليها توقان العطشان إلى الماء الزلال، ولم يمنعني عنها إلا ما أثمر عندي العلم من خوف الله -﷿-.
ولولا خطايا لا يخلو منها البشر، لقد كنت أخاف على نفسي من العجب. غير أنه -﷿- صانني، وعلَّمني، وأطلعني من أسرار العلم على معرفته، وإيثار الخلوة به، حتى إنه لو حضر معي معروف وبشر لرأيتهما زحمة.
ثم عاد فغمسني في التقصير والتفريط حتى رأيت أقل الناس خيرًا مني.
وتارة يوقظني لقيام الليل ولذة مناجاته، وتارة يحرمني ذلك مع سلامة بدني.
ولولا بشارة العلم بأن هذا نوع تهذيب وتأديب لخرجت إما إلى العجب عند العمل، وإما إلى اليأس عند البطالة. . . الخ" (١).
ويمكن استخلاص الفوائد التربوية من تجربته العلمية:
١ - الصبر عند طلب العلم على الشدائد، والتغلب على الصعوبات.
٢ - المثابرة على طلب العلم تكسب والإنسان حب العلم والعمل به.
٣ - الإخلاص لله تعالى عند طلب العلم يفتح مغاليق العقول والقلوب.
٤ - طلب العلم لوجه الله تعالى يورث الخشية والخوف منه.
٥ - عناية الله تعالى لطالب العلم، تحفظه وتصونه وتقربه وتحبب الله إليه، فيؤثره على كل شيء.
٦ - طلب العلم لوجه الله تعالى يجعل المؤمن بين الخوف والرجاء، كما يجعله متواضعًا راغبًا في مرضاته تعالى.
_________________
(١) مرجع سابق، ابن الجوزي. صيد الخاطر. ص ٢٣٥ - ٢٣٦.
[ ٤٨٢ ]
ب - أما تجربته الثانية فهي معاناته من أهل الفراغ، الذين لا يعرفون معنى الحياة، وقيمة الوقت فهم يضيعونه فيما لا يفيد.
فهو يحكي تجربته مع أهل الفراغ، وتضييع الزمان، وما ألهمه الله تعالى لاغتنام الأوقات، قال ابن الجوزي: "لقد رأيت خلقًا كثيرًا يجرون معي فيما قد اعتاده الناس من كثرة الزيارة، ويسمُّون ذلك التردد خدمة، ويطلبون الجلوس ويجرون فيه أحاديث الناس وما لا يعني، وما يتخلله غيبة ..،
فلما رأيت أن الزمان أشرف شيء، والواجب انتهابه بفعل الخير، كرهت ذلك وبقيت منهما بين أمرين. إن أنكرت عليهم وقعت وحشة لموضع قطع المألوف، وإن تقبَّلته منهم ضاع الزمان.
فصرت أدافع اللقاء جهدي فإذا غُلبت قصرت في الكلام لأتعجل الفراق.
ثم أعدد أعمالًا لا تمنع من المحادثة لأوقات لقائهم لئلا يمضي الزمان فارغًا. فجعلت من المستعدِّ للقائهم قطع الكاغد وبري الأقلام، وحزم الدفاتر، فإن هذه الأشياء لابدَّ منها، ولا تحتاج إلى فكر وحضور قلب، فأرصدتها لأوقات زيارتهم لئلا يضيع شيء من وقتي" (١).
ويمكن استخلاص الفوائد التربوية الآتية من هذه التجربة:
١ - الإحساس بقيمة الوقت وشرفه.
٢ - أهمية التفكير الجدي لإيجاد الحلول والبدائل فيما يعترض الإنسان من مشكلات اجتماعية وغيرها.
٣ - الاستفادة من كل لحظة من لحظات العمر فيما يفيد.
٤ - شغل الأوقات كلها بما يناسبها من أعمال لا تُضَيِّع حقًّا، ولا تفوِّت واجبًا.
جـ - تجربة شخصية أُخرى لابن الجوزي في مجال التحصيل
_________________
(١) المرجع السابق، ص ٢٢٧ - ٢٢٨. المرجع السابق (تحقيق) الطنطاويان، ص ٢٠٦.
[ ٤٨٣ ]
العلمي؛ فهو يقول عن نفسه: "وإني أخبرُ عن حالي، ما أشبع من مطالعة الكتب، وإذا رأيت كتابًا لم أره، فكأني وقعت على كنز.
ولقد نظرت في ثَبَت الكتب الموقوفة في المدرسة النِّظَامية، فإذا به يحتوي على نحو ستة آلاف مجلد، وفي ثَبَت كتب أبي حنيفة وكتب الحميدي، وكتب شيخنا عبد الوهاب بن ناصر، وكتب أبي محمد بن الخشاب، وكانت أحمالًا، وغير ذلك من كل كتاب أقدر عليه.
ولو قلت: إني طالعت عشرين ألف مجلد كان أكثر وأنا بعدُ في الطلب. فاستفدت بالنظر فيها من ملاحظة سِيَر القوم وقدر هممهم وحفظهم وعباداتهم وغرائب علومهم ما لا يعرفه من لم يطالع. فصرت أستزري ما الناس فيه، واحتقر همم الطلاب ولله الحمد" (١).
إن الفوائد التربوية التي يمكن استخلاصها من هذه التجربة العلمية، تفيد طالب العلم وتحفزه على البحث الجاد، والاطلاع الواسع على أمهات الكتب.
وأهم الفوائد التربوية هي:
١ - إخبار العالم عن نفسه، يحفز همم طالب العلم للتحصيل والجد والمثابرة.
٢ - أهمية الاطلاع الواسع لطالب العلم من أجل زيادة ثقافته، وتعديل سلوكه، وإتقان عبادته.
٣ - تواضع طالب العلم مهما بلغ من العلم والمعرفة.
د - كذلك هناك تجربة لابن الجوزي في إطلاق فكره للتدبر والتأمل في الكون، وما أثمر عنده من تعظيم وتقدير كبير لقدرة الله تعالى ﷿. وفي ذلك يقول ابن الجوزي: "عرض لي في طريق الحج خوف من العرب فسرنا على طريق خيبر، فرأيت من الجبال الهائلة والطرق العجيبة ما أذهلني، وزادت عظمة الخالق -﷿- في صدري، فصار يعرض لي عند ذكر تلك الطرق نوع تعظيم لا أجده عند ذكر غيرها.
_________________
(١) المرجع السابق، ص ٤٤٠ - ٤٤١.
[ ٤٨٤ ]
فصحت بالنفس: ويحكِ اعبري إلى البحر وانظري إليه وإلى عجائبه بعين الفكر، تشاهدي أهوالا هي أعظم من هذه، ثم اخرجي عن الكون والتفتي إليه، فإنك ترينه بالإضافة إلى السموات والأفلاك كذرة في فلاة. ثم جولي في الأفلاك وطوفي حول العرش، وتلمّحي ما في الجنان والنيران. . . الخ" (١). وتجربة ابن الجوزي الذاتية في مجال التفكر والتدبر في الكون، تفيد في التربية العقلية والإيمانية.
وهذه أهم الفوائد التربوية التي يمكن استخلاصها من هذه التجربة:
١ - أهمية إطلاق الفكر في ملكوت السموات والأرض في زيادة عظمة الله تعالى وقدرته في النفس البشرية.
٢ - تعليم العالم للناس كيفية التفكر فيما خلقه الله تعالى من سماء وأرض، وجبال، وبحار. . . الخ، حتى تتربى نفوسهم على حب الله تعالى وعظمته.
هـ - ويبين ابن الجوزي من خلال تجربته الشخصية أثر القدوة الحقيقية في النفس البشرية، فيقول: "ولقيت عبد الوهاب الأنماطي، فكان على قانون السلف لم يُسمع في مجلسه غيبة، ولا كان يطلب أجرًا على سماع الحديث، وكنت إذا قرأت عليه أحاديث الرقائق بكى واتصل بكاؤه. فكان -وأنا صغير السن حينئذ- يعمل بكاؤه في قلبي، ويبني قواعد الأدب في نفسي، وكان على سمت المشايخ الذين سمعنا أوصافهم في النقل. ولقيت الشيخ أبا منصور الجواليقي، فكان كثير الصمت، شديد التحرّي فيما يقول، متقنًا محققًا. وربما سئل المسألة الظاهرة التي يبادر بجوابها بعض غلمائه، فيتوقف فيها حتى يتيقن. وكان كثير الصوم والصمت، فانتفعت برؤية هذين الرجلين أكثر من انتفاعي بغيرهما. ففهمت من هذه الحالة أن الدليل بالفعل أرشد من الدليل بالقول" (٢).
ويمكن استخلاص أهم الفوائد التربوية من هذه التجربة:
١ - أهمية القدوة وأثرها ودورها في تربية النشء.
_________________
(١) المرجع السابق، ص ١٥٤.
(٢) المرجع السابق، ص ١٤٣ - ١٤٤.
[ ٤٨٥ ]
٢ - الميل الفطري في الإنسان يدفعه للاقتداء بالصالحين.
٣ - التأثر بالفعل أقوى من التأثر بالقول.
و- كذلك عرض ابن الجوزي تجربته الشخصية في مجال التربية الجسمية، فقال: "فمن ألف الترف فينبغي أن يتلطف بنفسه إذا أمكنه.
وقد عرفت هذا من نفسي، فإني ربيتُ في ترف، فلما ابتدأت في التقلل وهجر المشتهى أثر معي مرضًا قطعني عن كثير من التعبد. حتى أني قرأت في أيام كل يوم خمسة أجزاء من القرآن، فتناولت يومًا ما لا يصلح، فلم أقدر في ذلك اليوم على قراءتها. فقلت: إن لقمة توفر قراءة خمسة أجزاء بكل حرف عشر حسنات، إن تناولها لطاعة عظيمة. وإن مطعمًا يؤذي البدن فيفوته فعل خير ينبغي أن يهُجَر" (١).
ويمكن استخلاص الفوائد التربوية الآتية من هذه التجربة:
١ - كل فرد يختار ما يناسبه من المطعم والمشرب -في حدود الشرع- ولا يعتبر ذلك من الإسراف.
٢ - معاملة الفرد لبدنه معاملة معتدلة لا تقتير ولا إسراف، حتى يتقوى على طاعة الله.
٣ - الفهم الصحيح لمقاصد الشريعة الإسلامية عند تغذية البدن.
وبعد فإن جميع هذه التجارب والخبرات الشخصية التي عاشها ابن الجوزي، لا تخرج عن المنهج التربوي الإسلامي، الذي تربى عليه علماء الأمة الإسلامية.
لذلك فإننا نستطيع الاستفادة منها في تعليمنا وتربيتنا الإسلامية المعاصرة.
وهناك مجموعة من الآراء التربوية التي لم يرد ذكرها فيما سبق وهي لا تخرج عن دائرة الفكر التربوي الإسلامي، وإن لم يوثقها ابن الجوزي بالآيات القرآنية أو الأحاديث النبوية أو القواعد الفقهية، كما أن
_________________
(١) المرجع السابق، ص ٤٤٦.
[ ٤٨٦ ]
هناك مجموعة من الآراء التربوية مخالفة للمنهج الإسلامي- سأذكرها هنا: