مع اختلاف الحقبة الزمنية التي عاش فيها ابن الجوزي عن عصرنا الحاضر، إلا أن الإلحاد له جذور ممتدة من بداية الدعوة الإسلامية إلى يومنا هذا. لذلك لم يخلُ عصر ابن الجوزي من الملحدين الذين نشروا الأفكار المخالفة للإسلام، وحاولوا بشتى الطرق والأساليب التشكيك في الخالق ﷻ وفي شرعه وأحكامه. وقد ناقش ابن الجوزي أفكارهم في كتابه تلبيس إبليس. ونقدها ودحضها بالحجة والعقل والمنطق. وسأكتفي بعرض أفكارهم ثم ردّ ابن الجوزي عليها، فقد كان رده مقنعًا بخطأ أفكارهم.
_________________
(١) المرجع السابق، ص ١٣٥.
(٢) المرجع السابق، ص ٢١٠.
(٣) المرجع السابق، ص ١٣٦.
(٤) المرجع السابق، ص ٢١١.
(٥) سورة الأعراف، الآية ٩٩.
(٦) سورة الأنبياء، الآية ٩٠.
[ ٣٣٥ ]
قال ابن الجوزي في فكرتهم عن وجود الخالق: "قد أوهم إبليس خلقًا كثيرًا أنه لا إله ولا صانع، وأن هذه الأشياء كانت بلا مكوّن" (١). ثم رد عليهم بقوله: "وهؤلاء لما لم يدركوا الصانع بالحسّ ولم يستعملوا في معرفته العقل جحدوه. وهل يشك ذو عقل في وجود صانع؟! فإن الإنسان لو مر بقاع ليس فيه بنيان ثم عاد فرأى حائطًا مبنيًا علم أنه لابد له من بانٍ بناه، فهذا المهاد الموضوع، وهذا السقف المرفوع، وهذه الأبنية العجيبة والقوانين الجارية على وجه الحكمة، أما تدل على صانع، وما أحسن ما قاله أحد العرب: إن البعرة تدل على البعير، فهيكل علوي بهذه اللطافة، ومركز سفلي بهذه الكثافة، أما يدلان على اللطيف الخبير، ثم لو تأمل الإنسان نفسه لكفت دليلًا، ولشفت غليلًا، فإن في هذا الجسد من الحكم ما لا يسع ذكره في كتاب. . . ." (٢).
الشبهة الثانية فقد قال فيها ابن الجوزي: "لما رأى إبليس قلة موافقته على جحد الصانع لكون العقول شاهدة بأنه لابد للمصنوع من صانع حسّن لأقوام أن هذه المخلوقات فعل الطبيعة وقال ما من شيء يخلق إلا من اجتماع الطبائع الأربع فيه. فدلّ على أنها الفاعلة" (٣). ورد عليهم بقوله. "اجتماع الطبائع دليل على وجودها لا على فعلها، ثم قد ثبت أن الطبائع لا تفعل إلا باجتماعها وامتزاجها. وذلك يخالف طبيعتها، فدلّ على أنها مقهورة. وقد سلموا أنها ليست بحية ولا عالمة ولا قادرة ومعلوم أن الفعل المتسق المنتظم لا يكون إلا من عالم حكيم، فكيف يفعل من ليس عالمًا وليس قادرًا، فإن قالوا ولو كان الفاعل حكيمًا لم يقع في بنائه خلل. ولا وجدت هذه الحيوانات المضرة فعلم أنه الطبع. قلنا ينقلب هذا عليكم بما صدر منه من الأمور المنتظمة المحكمة التي لا يجوز أن يصدر مثلها عن طبع. فأما الخلل المشار إليه فيمكن أن يكون للابتلاء والردع والعقوبة، أو في طيه منافع لا نعلمها، ثم أين فعل الطبيعة من شمس تطلع في نيسان على أنواع من الحبوب فترطب الحصرم والخلالة، وتنشف البرة وتيبسها ولو فعلت طبعًا لأيبست الكل
_________________
(١) مرجع سابق، ابن الجوزي. تلبيس إبليس. ص ٤١.
(٢) المرجع السابق، ص ٤١ - ٤٢.
(٣) المرجع السابق، ص ٤٣.
[ ٣٣٦ ]
أو رطبته، فلم يبق إلا أن الفاعل المختار استعملها بالمشيئة في يبس هذه للادخار، والنضج في هذه للتناول، والعجب أن الذي أوصل إليها اليبس في أكِنّة لا يلقى جرمها، والذي رطبها يلقى جرمها، ثم أنها تبيض ورد الخشخاش، وتحمّر الشقائق، وتحمّض الرمان، وتحلي العنب، والماء واحد" (١)، وقد أشار المولى إلى هذا بقوله ﴿يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ﴾ (٢). وغير ذلك من الأقوال الملحدة التي رد عليها ابن الجوزي، وسيطول بنا هذا المبحث لو فصَّلنا في جميع الأقوال.
والهدف من التبصير بأساليب الإلحاد والملحدين. أن نربي الأجيال الحاضرة على الإيمان العميق بالله تعالى وبأحكامه، ونحصّنه من التيارات الملحدة التي تحاول إخراجه من إسلامه، فيقف في وجهها بكل عقيدته وإيمانه وثقته بالله تعالى، فلا تؤثر فيه ولا تزعزع إيمانه باللهِ تعالى، بل تزيده قوة ورسوخًا وتمسّكًا بدينه.
يمكن تلخيص أهمّ آراء ابن الجوزي في التربية الاعتقادية، في الآتي:
١ - ضرورة التربية الاعتقادية الصحيحة، حتى تؤتى ثمارها في الخُلق والسلوك والعبادة.
٢ - الابتعاد عن التلقينات الصورية التقليدية الجامدة في مجال التربية الاعتقادية.
٣ - استخدام الأساليب القرآنية الكريمة في التربية الاعتقادية.
٤ - التركيز على الجوانب الإيجابية المؤثرة والدافعة إلى السلوكيات الصالحة.
٥ - تنمية عاطفتي الحب والخوف من الله تعالى دائمًا.
٦ - تكوين القناعة التامة بالعقيدة الإِسلامية بالأدلة والحجج العقلية والعلمية.
٧ - تكوين حصانة اعتقادية ضد العقائد الباطلة.
_________________
(١) المرجع السابق، ص ٤٣.
(٢) سورة الرعد، الآية ٤.
[ ٣٣٧ ]