إن ابن الجوزي كغيره من العلماء المسلمين الذين أشادوا بالعلم والتعليم والعلماء، وذلك من خلال فهمه العميق للمنهج التربوي والتعليمي في الإسلام. وفي هذه السطور، سنعرض لبعض آرائه في هذا المجال.
أ - فضل العلم والعلماء:
إن للعلم والعلماء في الإسلام منزلةً عظيمةً، لا تُدانيها، منزلته في غيره من الأديان. وقد وردت الآيات القرآنية والأحاديث النبوية التي
_________________
(١) مرجع سابق، ابن الجوزي. أخبار الحمقى والمغفلين. ص ٣٢.
(٢) المرجع السابق، ص ٣٣.
(٣) مرجع سابق، ابن الجوزي. الأذكياء. ص ٩.
(٤) مرجع سابق، صالح، عبد الرحمن. ابن الجوزي وتربية العقل. ص ٣٣.
[ ٢٩١ ]
تظهر هذه المكانة، قال الله تعالى: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ (١). وقال - ﷺ -: "فضلُ العلم أحبُ إليَّ من فضلِ العبادةِ، وخيرُ دينِكم الورعُ" (٢). وقال - ﷺ - في فضل العلماء: "فضلُ العَالمِ على العابدِ كفضلي على أدناكم"، ثم قال رسول الله - ﷺ -: "إن الله وملائكته، وأهلَ السمواتِ والأرضين، حتى النملةَ في جحرِها، وحتى الحوتِ، ليصلّونَ على معلّمِ الناسِ الخيرَ" (٣).
وقد استقى ابن الجوزي آراءه في فضل العلم والعلماء من هذا المنهج التربوي الإسلامي، وبيَّن أن "غاية اللذات العقلية العلم" (٤)، وأنه "لا خصيصة أشرف من العلم، بزيادته صار آدم مسجودًا له وبنقصانه صارت الملائكة ساجدةً" (٥) وقال أيضًا: "قد ثبت بالدليل شرف العلم وفضله" (٦).
أما فضل العلماء فقد قال فيه: "من أراد أن يعرف رتبة العلماء على الزهاد، فلينظر في رتبة جبريل وميكائيل، ومن خص من الملائكة بولاية تتعلق بالخلق، وباقي الملائكة قيام للتعبد في مراتب الرهبان في الصوامع .. فأقرب الخلق من الله العلماء" (٧). ثم بيَّن أن العلماء أنواع، فقال: "وأما العلماء فالمبتدئون منهم ينقسمون إلى ذي نيةٍ خبيثة يقصد بالعلم المباهاة لا العمل، ويميل إلى الفسق ظنًا أن العلم يدفع عنه، وإنما هو حجة عليه" (٨).
_________________
(١) سورة المجادلة، آية ١١.
(٢) مرجع سابق، النيسابوري. المستدرك على الصحيحين وبذيله التلخيص للحافظ الذهبي. (إشراف) المرعشلي، د. يوسف، عبد الرحمن، الجزء الأول، ص ٩٣، كتاب العلم، باب فضل العلم أحب من فضل العبادة وخير الدين الورع.
(٣) مرجع سابق، الترمذي. الجامع الصحيح وهو سنن الترمذي. الجزء الخامس، ص ٥٠، كتاب العلم، باب ما جاء في فضل الفقه على العبادة، حديث رقم ٢٦٨٥.
(٤) مرجع سابق، ابن الجوزي. صيد الخاطر. ص ١٧٥.
(٥) المرجع السابق، ص ١٥٧.
(٦) المرجع السابق، ص ٣٠٩.
(٧) المرجع السابق، ص ١٥٧.
(٨) المرجع السابق، ص ٣٤٢.
[ ٢٩٢ ]
والنوع الثاني قال فيهم: "وأما المتوسطون والمشهورون، فأكثرهم يغشى السلاطين، ويسكت عن إنكار المنكر، وقليل من العلماء من تسلم له نيته ويحسن قصده" (١).
والنوع الثالث من العلماء، من قصد وجه الله تعالى بعلمه، وقد قال فيه ابن الجوزي: "فمن أراد الله به خيرًا رزقه حسن القصد في طلب العلم، فهو يحصّله لينتفع به وينفع ولا يبالي بعملٍ مما يدله عليه العلم. فتراه يتجافى عن أرباب الدنيا، ويحذر مخالطة العوام ويقنع بالقليل خوفًا من المخاطرة في الدنيا في تحصيل الكثير، ويؤثر العزلة؛ فليس مذكِّرًا للآخرة مثلُها. وليس على العلم أضرّ من الدخول على السلاطين، فإنه يحسن للعالم الدنيا ويهون عليه المنكر" (٢).
والعزلة التي يحبذها ابن الجوزي، هي التي تجعل "علم العالم مؤنسه، وكتبه محدّثه، والنظر في سير السلف مقومه، والتفكر في حوادث الزمان السابق فرجته" (٣).
فإذا فهم العزلة بهذه الطريقة، فإنه -كما قال ابن الجوزي: "ترقّى بعلمه إلى مقام المعرفة الكاملة للخالق سبحانه، وتشبث بأذيال محبته، فتضاعفت لذّاته، واشتغل بها عن الأكوان وما فيها، فخلا بحبيبه وعمل معه. بمقتضى علمه" (٤).
ب - مفهوم العلم والهدف منه في نظر ابن الجوزي:
إن الهدف من العلم هو العمل به، ولا قيمة للعلم ما لم يترجم إلى سلوكٍ عملي، ويكون له أثر إيجابي في حياة الفرد والمجتمع. ولابن الجوزي في هذا المعنى أقوال عدة منها: "ليس العلم بمجرد صورته هو النافع، بل معناه، وإنما ينال معناه من تعلمه للعمل به" (٥). وقوله:
_________________
(١) المرجع السابق، ص ٣٤٢.
(٢) المرجع السابق، ص ٣٤٢.
(٣) المرجع السابق، ص ٢٦٣.
(٤) المرجع السابق، ص ٢٦٣.
(٥) المرجع السابق، ص ١٥٧.
[ ٢٩٣ ]
"وإنما عندهم صور ألفاظ يعرفون بها ما يحلّ ويحرم، وليس كذلك العلم النافع. إنما فهم الأصول ومعرفة المعبود وعظمته وما يستحقه، والنظر في سير الرسول - ﷺ - وصحابته، والتأدب بآدابهم، وفهم ما نقل عنهم، هو العلم النافع الذي يدع أعظم العلماء أحقر عند نفسه من أجهل الجهال" (١).
وليؤيد ابن الجوزي رأيه في حقيقة العلم، واختلاف الناس في فهمه ومعناه، أورد أمثلةً لبعض العلماء الذين اشتغلوا بصورة العلم دون فهم حقيقته ومقصوده. فقال في المقرئين: "فالقارئ مشغول بالروايات، عاكف على الشواذّ، يرى أن المقصود نفس التلاوة، ولا يتلمح عظمة المتكلم، ولا زجر القرآن ووعده. وربما ظن أن حفظ القرآن يدفع عنه، فتراه يترخص في الذنوب، ولو فهم لَعَلِمَ أن الحجة عليه أقوى ممن لم يقرأ" (٢).
ثم عرض لنموذج ثانٍ من العلماء وهم المحدثون فقال فيهم: "والمحدث يجمع الطرق، ويحفظ الأسانيد، ولا يتأمل مقصود المنقول، ويرى أنه قد حفظ على الناس الأحاديث، فهو يرجو بذلك السلامة، وربما ترخص في الخطايا ظنًا منه أن ما فعل في خدمة الشريعة يدفع عنه" (٣). وأخيرًا عرض لنموذج الفقيه، فقال فيه: "والفقيه قد وقع له أنه بما قد عرف من الجدال الذي يقوى به على خصامه، أو المسائل التي يفتي بها الناس ما يرقع قدره، ويمحو ذنبه فربما هجم على الخطايا ظنًّا منه أن ذلك يدفع عنه. وربما لم يحفظ القرآن ولم يعرف الحديث، ولم يدرِ أنهما ينهيان عن الفواحش بزجرٍ ورفقٍ. وينضاف إليه مع الجهل بهما حب الرياسة، وإيثار الغلبة في الجدل، فتزيد قسوة قلبه" (٤). ونتيجة لهذا الفهم الخاطئ، فإنه يكسبهم الكبر والحماقة كما قال ابن الجوزي: "وعلى هذا أكثر الناس، صور العلم عندهم صناعة، فهي تكسبهم الكبر
_________________
(١) المرجع السابق، ص ٣١٣.
(٢) المرجع السابق، ص ٤٣٦.
(٣) المرجع السابق، ص ٤٣٦.
(٤) المرجع السابق، ص ٤٣٦ - ٤٣٧.
[ ٢٩٤ ]
والحماقة" (١)، أما الفهم الصحيح لحقيقة العلم ومقصوده فإنه يزيد من إيمان الفرد لله تعالى، قال ابن الجوزي: "وهؤلاء لم يفهموا معنى العلم، وليس العلم صور الألفاظ، إنما المقصود فهم المراد منه، وذاك يورث الخشية والخوف، ويرى المنة للمنعم بالعلم، وقوة الحجة له على المتعلم" (٢).
وإذا تأملنا رأي ابن الجوزي، أدركنا أنه وصل إلى فهم حقيقة العلم، التي لم ندركها تمامًا في واقع تعليمنا المعاصر، الذي ركز على الكم لا الكيف، وعلى الشهادة العلمية، والدرجة الوظيفية، أكثر من اهتمامه بفهم العلم وحقيقته، والذي نلاحظه أن ابن الجوزي ركز على العلوم الشرعية واعتبرها من العلوم النافعة، وأهمل العلوم الكونية التي عن طريقها تتم عمارة الأرض بما يرضي الله تعالى ما عدا اهتمامه بعلم الطب وذكر فائدته بل ألف فيه، ونتيجة هذا الفهم الذي سار عليه معظم علماء السلف الأجلاء -﵏- ابتعد الناس عن تعلم هذه العلوم المفيدة، فتخلفت الأمة الإسلامية تخلفًا خطيرًا أدى إلى اعتمادها على الغرب، وعجزها عن مواكبة التقدم الحضاري.
جـ - سمات العلم النافع في نظر ابن الجوزي:
قبل أن نحدد سمات العلم النافع، لابد من معرفة المقصود بالعلم النافع، وهو "العلم بالله تعالى وأسمائه وصفاته وأفعاله المقتضي لخشيته ومهابته وإجلاله والخضوع له ومحبته ورجائه ودعائه والتوكل عليه ونحو ذلك، فهذا هو العلم النافع" (٣). وهذا هو العلم الذي يُعرف بعلم القلب. ويرى ابن الجوزي أن العلم النافع هو الذي يؤدي إلى معرفة الله تعالى وأحكامه وتشريعاته في جميع جوانب الحياة، ومن خلال هذه المعرفة، يسعى الإنسان للتمسك بكل فضيلة حثَّ عليها الإسلام والابتعاد عن كل رذيلة نهى عنها. فقال: "ينبغي أن يطلب الغاية في معرفة الله تعالى ومعاملته، وفي الجملة، لا يترك فضيلة يمكن تحصيلها
_________________
(١) المرجع السابق، ص ٤٣٧.
(٢) المرجع السابق، ص ٤٣٨.
(٣) مرجع سابق، البغدادي. زين الدين. جامع العلوم والحكم. ص ٣٠٠.
[ ٢٩٥ ]
إلا حصّلها" (١). وقال: "فليست الفضائل الكاملة إلا الجمع بين العلم والعمل، فإذا حصلا رفعا صاحبهما إلى تحقيق معرفة الخالق ﷾، وحركاه إلى محبته وخشيته والشوق إليه، فتلك الغاية المقصودة" (٢). وقال أيضًا: "ثم ينظر في مقصود العلوم وهو المعاملة لله سبحانه والمعرفة به والحبُّ له" (٣).
ونتيجةً لهذا الفهم الصحيح للغاية من العلم، وهي معرفة الله تعالى بكل مقتضياتها وواجباتها، فقد ورد في بعض أقوال ابن الجوزي تحديد سمات وصفات العلم النافع .. وما ينتجه من ثمرات في نفس المسلم، أهمها:
١ - السمة الأولى: خشية الله تعالى:
مدح الله تعالى العلماء الذين أدت معرفتهم الحقيقية لله تعالى، إلى خوفهم وخشيتهم منه ﷻ فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا (١٠٨) وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا﴾ (٤).
وهذه الثمرة وهي الخوف والخشية من الله تعالى هي من العلم النافع، وفي ذلك يقول ابن الجوزي عن نفسه: "وأثمر ذلك عندي من المعاملة ما لا يدرى بالعلم، حتى أنني أذكر في زمان الصبوة ووقت الغلمة والعزبة قدرتي على أشياء كانت النفس تتوق إليها توقان العطشان إلى الماء الزلال، ولم يمنعني عنها إلا ما أثمر عندي العلم من خوف الله -﷿-" (٥) وقوله: "وليس العلم صور الألفاظ، إنما المقصود فهم المراد منه، وذاك يورث الخشية والخوف، ويرى المنة للمنعم بالعلم، وقوة الحجة له على المتعلم" (٦).
_________________
(١) مرجع سابق، ابن الجوزي. صيد الخاطر. ص ١٦٠.
(٢) مرجع سابق، ابن الجوزي. لفتة الكبد إلى نصيحة الولد. ص ٤٣.
(٣) مرجع سابق، ابن الجوزي. صيد الخاطر. ص ٣١٠.
(٤) سورة الإسراء: الآيات ١٠٧ - ١٠٩.
(٥) مرجع سابق، ابن الجوزي. صيد الخاطر. ص ٢٣٥.
(٦) المرجع السابق، ص ٤٣٨.
[ ٢٩٦ ]
٢ - السمة الثانية: إصلاح السريرة
ويقصد بها أن يكون هدف المتعلم من علمه ابتغاء وجه الله تعالى، ولا يتخذ العلم مغنمًا دنيويًّا، حتى يجد آثاره في نفس وسلوكه. لقوله - ﷺ -: "من طلبَ العلمَ ليجاريَ به العلماءَ أو ليماريَ به السفهاءَ أو يصرفَ به وجوهَ الناس إليه، أدخلَه الله النار" (١)، لأن الله تعالى -كما قال الرسول - ﷺ - "لا يقبل إلا ما كان خالصًا وابتُغِيَ به وجههُ" (٢). والذين صلحت سرائرهم، سلّموا عقولهم وقلوبهم له -﷿-، وأخلصوا لله، فسمت أرواحهم، وطهرت نفوسهم، ورقت قلوبهم، وفيهم يقول ابن الجوزي: "فمن أصلح سريرته فاح عبير فضله، وعبقت القلوب بنشر طيبه" (٣).
٣ - السمة الثالثة: اكتساب الفضائل
العلم النافع هو الذي يدفع بصاحبه للعمل الصالح، واكتساب الفضائل، وفي ذلك يقول ابن الجوزي: "فليست الفضائل الكاملة إلا الجمع بين العلم والعمل" (٤).
وهذه طريقة الرسول - ﷺ -، لقوله: "فطريق المصطفى - ﷺ - العلم والعمل" (٥).
وقوله: "ومن تأمل حالة الرسول - ﷺ -، رأى كاملًا من الخلق يعطي كل ذي حق حقه" (٦).
_________________
(١) مرجع سابق، الترمذي. الجامع الصحيح وهو سنن الترمذي. (تحقيق) عوض، إبراهيم، عطوة، الجزء الخامس، ص ٣٢، كتاب العلم، باب ما جاء فيمن يطلب بعلمه الدنيا، حديث رقم ٢٦٥٤.
(٢) مرجع سابق، النسائي. سنن النسائي. المجلد الثالث، الجزء السادس، ص ٢٥، كتاب الجهاد، باب من غزا يلتمس الأجر والذكر.
(٣) مرجع سابق، ابن الجوزي. صيد الخاطر. ص ٢٠٧.
(٤) مرجع سابق، ابن الجوزي. لفتة الكبد إلى نصيحة الولد. ص ٤٣.
(٥) مرجع سابق، ابن الجوزي. صيد الخاطر. ص ٢٢٢.
(٦) المرجع السابق، ص ٢٢٢.
[ ٢٩٧ ]
د - المقومات الأساسية للعالم والمتعلم في نظر ابن الجوزي:
حتى يتم العلم في جوٍ من الإيمان والأخلاق، وليأتي بثماره المرجوة لكلٍ من العالم والمتعلم حدّد ابن الجوزي مقوماتٍ متعددة لكل واحدٍ منهما، وهي:
أولًا: المقومات الأساسية للعالم في نظر ابن الجوزي.
لقد ورد الكثير من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية التي تؤكد منزلة العلماء الرفيعة في الإسلام، لذلك على العالم أن يتحلى بالكثير من الصفات والآداب والأخلاقيات التي تتناسب مع شرف العلم الذي يبلغه، والمنزلة التي ينالها. وهذه أهم المقومات الأساسية التي ينبغي أن يتحلى بها:
١ - المقومات الروحية
إن المنهج التربوي الإسلامي يحدد وجهة الإنسان المؤمن في كل حياته، قال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ (١). والعالم لابد أن يخلص في علمه ونشر تعليمه لوجه الله تعالى، حتى ينال الأجر والثواب، لقوله - ﷺ -: "من تعلمَ علمًا مما يبتغى به وجهُ الله، لا يتعلمهُ إلا ليصيبَ به عرضًا من الدنيا، لم يجد عرفَ الجنةِ يومَ القيامةِ" (٢). وفي هذا المعنى يقول ابن الجوزي "هو [العالم] الذي يراعي حدود الله، وهي ما فرض عليه وأُلزم به، والذي يحسن القصد، ويكون عمله وقوله خالصًا لله تعالى، ولا يريد به الخلق ولا تعظيمهم له" (٣).
٢ - المقومات الشخصية:
أ - اهتمام العالم بمظهره الخارجي:
لقد ضرب رسول الله - ﷺ - المثل والقدوة في الاهتمام بالمظهر
_________________
(١) سورة الأنعام، الآيتان ١٦٢ - ١٦٣.
(٢) مرجع سابق، الأزدي. سنن أبي داود. الجزء الثالث، ص ٣٢٣، كتاب العلم، باب في طلب العلم لغير الله تعالى، حديث رقم ٣٦٦٤.
(٣) مرجع سابق، ابن الجوزي. صيد الخاطر. ص ٤٢٠.
[ ٢٩٨ ]
المناسب الذي يجمل بالفرد، ويحببه إلى الناس. وقد نصح ابن الجوزي العالم أن يهتم بمظهره ونظافته وزينته مقتديًا بالرسول - ﷺ - في ذلك فقال: "ويطلب غاية النظافة ونهاية الزينة. وقد كان النبي - ﷺ - يعرف مجيئه بريح الطيب فكان الغاية في النظافة والنزاهة" (١).
ب - أن يكون العالم قدوةً:
ينبغي للعالم أن يترفع عن الأعراض الدنيوية، ويجعل همه في تعلم العلم وتعليمه، وأن يجعل قدوته الرسول - ﷺ -، وقد قال ابن الجوزي في ذلك: "من آداب العالم: أن يترك فضول الدنيا ليتبعه الناس، فإن الاستدلال بالفعل أقوى من الاستدلال بالقول، فإن الطبيب إذا أمر بالحمية ثم خلّط لم يُلتفت إلى قوله" (٢). وقوله: "ومن تأمل خصائص الرسول - ﷺ - رأى كاملًا في العلم والعمل، فبه يكون الاقتداء وهو الحجة على الخلق" (٣).
جـ - موقف العالم من جمع المال:
بيَّن ابن الجوزي موقف العالم من جمع المال فقال: "ليس في الدنيا أنفع للعلماء من جمع المال للاستغناء عن الناس، فإنه إذا ضُمّ إلى العلم حِيز الكمال. وإن جمهور العلماء شغلهم العلم عن الكسب، فاحتاجوا إلى ما لابد منه. وقل الصبر فدخلوا مداخل شانتهم وإن تأولوا فيها، إلا أن غيرها كان أحسن لهم" (٤) ثم بيَّن لهم الطريق إلى ذلك فقال: "ينبغي له أن يجتهد في التجارة والكسب ليفضل على غيره ولا يفضل غيره عليه. وليبلغ من ذلك غاية لا تمنعه عن العلم، ثم ينبغي له أن يطلب الغاية في العلم" (٥).
وقد بيَّن ابن الجوزي أمثلة من العلماء الذين ركنوا للدنيا فقال فيهم: "فالزهري مع عبد الملك، وأبو عبيدة مع طاهر بن الحسين، وابن
_________________
(١) المرجع السابق، ص ١٥٩.
(٢) مرجع سابق، ابن الجوزي. التبصرة. الجزء الثاني، ص ٢٠٤.
(٣) مرجع سابق، ابن الجوزي. صيد الخاطر. ص ٩٠.
(٤) المرجع السابق، ص ١٦١.
(٥) المرجع السابق، ص ١٦٠.
[ ٢٩٩ ]
أبي الدنيا مؤدب المعتضد، وابن قتيبة صدَّر كتابه بمدح الوزير. وما زال خلف من العلماء والزهاد يعيشون في ظل جماعة من المعروفين بالظلم. وهؤلاء وإن كانوا سلكوا طريقًا من التأويل فإنهم فقدوا من قلوبهم وكمال دينهم أكثر مما نالوا من الدنيا" (١). أما الصنف الثاني فقد قال فيهم: "فعلمنا أن كمال العز وبعد الرياء إنما يكون في البعد عن العمال الظلمة. ولم نر من صح له هذا إلا في أحد رجلين. إما من كان له مال كسعيد بن المسيب كان يتجر في الزيت وغيره، وسفيان الثوري كانت له بضائع، وابن المبارك. وإما من كان شديد الصبر قنوعًا بما رزق وإن لم يكفه كبشر الحافي، وأحمد بن حنبل. ومتى لم يجد الإنسان كصبر هذين، ولا كمال أولئك، فالظاهر تقلبه في المحن والآفات، وربما تلف دينه" (٢).
د - حسن استغلال الوقت:
على العالم أن يكون حريصًا على وقته منتفعًا به، يقضي كل وقته بين العلم والعمل به ونشره بين الناس، إلا ما اقتضته ضرورة الأكل والشرب والنوم والراحة. وهذا ابن الجوزي يبين إلى أي مدى كان حرصه على الاستفادة من الوقت وحسن استغلاله، حتى في أثناء زيارة الناس له، فقال: "فصرت أدافع اللقاء جهدي، فإذا غُلبت قصرت في الكلام لأتعجل الفراق. ثم أعددت أعمالًا لا تمنع من المحادثة لأوقات لقائهم لئلًا يمضي الزمان فارغًا. فجعلت من الاستعداد للقائهم قطع الكاغد (الورق) وبَري الأقلام، وحزم الدفاتر، فإن هذه الأشياء لابدّ منها، ولا تحتاج إلى فكر وحضور قلب، فأرصدتها لأوقات زيارتهم لئلا يضيع شيء من وقتي" (٣).
وقد استند ابن الجوزي في حرصه على الوقت إلى قول الرسول - ﷺ -، (وإن لم يستشهد به): "لا تزولَ قدمًا عبدِ يومَ القيامةِ حتى يُسأل عن عمره فيم أفناه، وعن علمه فيم فعلَ، وعن مالِه من أين اكتسبَه
_________________
(١) المرجع السابق، ص ١٦١.
(٢) المرجع السابق، ص ١٦٢.
(٣) المرجع السابق، ص ٢٢٨.
[ ٣٠٠ ]
وفيمَ أنفقَه، وعن جسمِه فيم أبلاهُ" (١).
٣ - المقومات العلمية:
أن يكون العالم عاملًا بعلمه لقول الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ (٢) كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ (٢). قال في ذلك ابن الجوزي: "إن تصفح العلم كل يومِ يزيد في علم العالم، ويكشف له ما كان خفي عنه، ويقوي إيمانه ومعرفته ويريه عيب كثير من مسالكه، خصوصًا إذا تصفح منهاج الرسول - ﷺ - والصحابة" (٣)، وللعلم أثر عظيم في إصلاح النفس البشرية وتزكيتها والسمو بها، وقد قال في ذلك ابن الجوزي: "فعليك بالعلم. وانظر في سير السلف. . وإنما تشاغلوا بالقرآن والعلم فدلهم على إصلاح البواطن وتصفيتها" (٤).
٤ - المقومات التعليمية:
على العالم أن لا يتردد في بذل العلم وتعليمه لمن شاء، حتى ينال الأجر والمثوبة من الله تعالى، لقول الرسول - ﷺ -. "من دعا إلى هدى، كان له من الأجرِ مثلُ أجور من تبعه، لا ينقص ذلك من أجورهم شيئًا. ومن دعا إلى ضلالةٍ، كان عليه من الإثم مثلُ آثام من تبعه، لا ينقُص ذلك من آثامِهم شيئًا" (٥).
وقد بيَّن ابن الجوزي أهمية ذلك بقوله: "وأما تعليم الطالبين وهداية المريدين، فإنه عبادة العالم، وإن من الخطأ الذي وقع فيه بعض العلماء إيثاره التنفل بالصلاة والصوم، عن تصنيف كتاب، أو تعليم علم
_________________
(١) مرجع سابق، الترمذي. الجامع الصحيح. وهو سنن الترمذي. الجزء الرابع، ص ٦١٢، كتاب صفة القيامة والرقائق والورع عن رسول الله - ﷺ -، باب في القيامة، حديث رقم ٢٤١٧.
(٢) سورة الصف الآيتان ٢ - ٣.
(٣) مرجع سابق، ابن الجوزي. صيد الخاطر. ص ٩٧.
(٤) المرجع السابق، ص ٣٤٤.
(٥) مرجع سابق، النيسابوري. صحيح مسلم. الجزء الرابع، ص ٢٠٦٠، كتاب العلم، باب من سن سنة حسنة أو سيئة، ومن دعا إلى الهدى أو ضلالة، حديث رقم ١٦ - (٢٦٧٤).
[ ٣٠١ ]
ينفع، لأن ذلك بذر يكثر ريعه، ويمتد زمان نفعه" (١).
٥ - المقومات الوعظية:
إن للوعظ والإرشاد وتعليم الناس، آدابًا ينبغي مراعاتها في أثناء إعداد الدرس وإلقائه، وهذه الآداب أخذت من آداب القُصاص والمذكرين، وهي تقريبًا آداب العلماء نفسها. ويقضى ذلك بأن على المعلم تعليم المتعلمين آداب التعلم، وآداب المعاشرة الاجتماعية، والتأدب مع الأساتذة والإداريين:
أ- اختيار الموضوع المناسب:
ينبغي للعالم أن يختار الموضوع الذي يتناسب والحاضرين، ويبدأ بالأمور المهمة ثم الأقل أهميةَ، مع ربطها بواقعهم ومشكلاتهم الحياتية، وفي ذلك يقول ابن الجوزي: "ينبغي أن ينظر في اللازم الواجب، وأن يعطيهم من المباح في اللفظ قدر الملح في الطعام، ثمَّ يجتذبهم إلى العزائم، ويعرفهم الطريق الحق" (٢).
ب- ذكر الله تعالى:
يستحب للعالم أن يبدى مجلسه بذكر الله تعالى والثناء عليه، والصلاة على نبينا محمد - ﷺ -، لقوله: "ما اجتمعَ قومٌ فتفرقوا عن غيرِ ذكرِ الله، إلا كأنما تفرقوا عن جيفةِ حمارٍ، وكان ذلك المجلسُ عليهم حسرةً" (٣). وفي ذلك يقول ابن الجوزي: "فإذا فرغ القراء، حمد الواعظ الله -﷿- وأثنى عليه وعلى رسوله - ﷺ - وأصحابه" (٤). وكان من عادة صحابة رسول الله - ﷺ - أن يقرأ أحدهم شيئًا من القرآن الكريم، قبل الموعظة، وقد استقى ابن الجوزي منهجه في الوعظ من ذلك، فقال: "أما كيفية وعظه فيعلم أن أصحاب النبي - ﷺ -، كانوا إذا أرادوا الموعظة أمروا رجلًا أن يقرأ عليهم سورة" (٥).
_________________
(١) مرجع سابق، ابن الجوزي. صيد الخاطر. ص ٤٢.
(٢) المرجع السابق، ص ١٠٠.
(٣) مرجع سابق. ابن حنبل، أحمد. المسند. الجزء الثاني. ص ٣٨٩.
(٤) مرجع سابق، ابن الجوزي. كتاب القصاص والمذكرين. ص ٣٦١.
(٥) المرجع السابق، ص ٣٦٠.
[ ٣٠٢ ]
جـ- الموازنة في الصوت:
على العالم أن يتأسى بالرسول - ﷺ -، في أن يرفع صوته أو يخَفِضَه حسب الحاجة لذلك، وفي ذلك يقول ابن الجوزي: "ولا بأس أن يرفع صوته ويظهر الجِد في تحذيره ووعظه" (١). وقد استشهد ابن الجوزي بالرسول - ﷺ - عند خطبه وما ينتابه من رفع صوته أو احمرار عينيه، أو اشتداد غضبه، فقد ورد عن جابر بن عبد الله أن رسول الله - ﷺ - كان إذا خطب الناسَ احمرت عيناه ورفع صوتُه واشتد غضبُه وكأنه منذر جيشٍ يقول: صبَّحكم أو مسّاكم" (٢).
د- مراعاة الفروق الفردية:
على العالم أن يراعي المستوى العقلى للسامعين، فيخاطبهم بما يفهمونه. لقول علي - ﵁ -: "حدثوا الناس بما يعرفون، أتحبون أن يُكذبَ اللهُ ورسولهُ؟ " (٣) وقول عبد الله بن مسعود: "ما أنت بمحدث قومًا حديثًا لا تبلغهُ عقولهم إلا كان لبعضهم فتنةً" (٤) وفي هذا المعنى قال ابن الجوزي: "من المخاطرات العظيمة تحديث العوام بما لا تحتمله قلوبهم، أو بما قد رسخ في نفوسهم ضده" (٥). وقوله أيضًا: "لا ينبغي أن يُكلَّمَ كل قوم إلا بما يفهمون" (٦).
هـ - الاقتصاد في الموعظة:
من الأساليب المتعلقة بالوعظ والإرشاد، أسلوب الاقتصاد في
_________________
(١) المرجع السابق، ص ٣٦٣.
(٢) مرجع سابق، النيسابوري. صحيح مسلم. الجزء الثاني، ص ٥٩٢، كتاب الجمعة، باب تخفيف الصلاة والخطبة، حديث رقم ٤٣ - (٨٦٧).
(٣) مرجع سابق، العسقلاني. فتح الباري بشرح صحيح البخاري. الجزء الأول، ص ٢٢٥، كتاب العلم، باب من خص بالعلم قومًا دون قوم كراهية أن لا يفهموا، حديث رقم ٤٩.
(٤) مرجع سابق، النيسابوري. صحيح مسلم. الجزء الأول، ص ١١، المقدمة، باب النهي عن الحديث بكل ما سمع.
(٥) مرجع سابق، ابن الجوزي. صيد الخاطر. ص ٤١٩.
(٦) مرجع سابق، ابن الجوزي. أخبار الحمقى والمغفلين. ص ١٢٥.
[ ٣٠٣ ]
الموعظة وجعلها في أيام محددةٍ حتى لا تمل النفس البشرية، وقد اقتدى الصحابة الكرام بالرسول - ﷺ -، فكان عبد الله بن مسعود يذكر الناس في كل خميس، فقال له رجل: يا أبا عبد الرحمن! لوددت أنك ذكرتنا كل يوم. قال؛ أما إنه يمنعني من ذلك أني أكره أن أملَّكم. وإني أتخولُكم بالموعظة كما كان النبي - ﷺ - يتخولُنا بها، مخافةَ السآمةِ علينا" (١). ومن هذا المعنى اشتق ابن الجوزي قوله: "وليتقصر على مجلس واحد في الأسبوع، فإن رأى الهمم متشوقةً إلى الزيادة جعلها مجلسين ولا يزيد على هذا" (٢). لأنه لو زاد على ذلك تستجيب النفس البشرية ثم لا تلبث أن تملّ فتنصرف عن هذه المجالس الوعظية.
٦ - مقومات الإفتاء:
من مقومات الإفتاء اجتناب الفتوى دون علم، فعلى العالم أن يتأكد من صحة معلوماته ودقتها قبل أن يفتي، وإذا لم يعرف الإجابة فعليه أن يقول: لا أدري حتى يتأكد من الإجابة لأن هذا أسلم من الوقوع في وزر الفتوى. وفي هذا المعنى قال ابن الجوزي: "إذا صح قصد العالم استراح من كلف التكلف، فإن كثيرًا من العلماء يأنفون من قول لا أدري، فيحفظون بالفتوى جاههم عند الناس، لئلا يقال: جهلوا الجواب، وإن كانوا على غير يقين مما قالوا. وهذا نهاية الخذلان" (٣)، ثم بيَّن ابن الجوزي حال كثيرٍ من العلماء فقال: "ثم يُقدم أحدكم على الفتوى وليس من أهلها، وقد كان السلف يتدافعونها" (٤).
من هذه المقومات، نستطيع أن نستخلص آراءٍ تربوية عدة تخدم برنامج الإعداد العلمي والتربوي للمعلّم، وأهم هذه الآراء هي:
١ - إخلاص العلم والعمل به لوجه الله تعالى.
_________________
(١) مرجع سابق، العسقلاني. فتح الباري بشرح صحيح البخاري. الجزء الأول، ص ١٦٣، كتاب العلم، باب من جعل لأهل العلم أيامًا معلومة، حديث رقم ٧٠.
(٢) مرجع سابق، ابن الجوزي. كتاب القصاص والمذكرين. ص ٣٦٩.
(٣) مرجع سابق، ابن الجوزي. صيد الخاطر. ص ٢٠٦.
(٤) المرجع السابق، ص ٤٦٩.
[ ٣٠٤ ]
٢ - الاهتمام بالمظهر الخارجي في اللباس ونظافته وبساطته لأن ذلك له أثر في شخصية العالم والمتعلم.
٣ - أهمية القدوة في مجال العلم والتعليم.
٤ - الاهتمام بالكسب للعالم مع طلب العلم ونشره بين الناس وذلك حتى لا يذل نفسه.
٥ - أهمية استغلال الوقت فيما يفيد، والحرص على العلم والتعلم في كل وقت.
٦ - أثر العلم في تهذيب السلوك، وتقويم الأخلاق.
٧ - الاهتمام ببذل العلم وتعليمه لمن شاء.
٨ - أهمية اختيار موضوع الدرس المناسب للحاضرين، حتى يحقق الاستفادة المطلوبة.
٩ - ضرورة الاقتداء بالرسول - ﷺ - في الموعظة وأساليبها.
١٠ - ضرورة مراعاة الفروق الفردية بين الأفراد.
١١ - ضرورة التأدب بآداب الفتوى وضوابطها الشرعية.
ويمكن إضافة ضرورة التخلق بالأخلاق الإِسلامية للعالم، والتجمل بآدابه الاجتماعية، وهذه ذكرها ابن الجوزي في مواضع أخرى من تراثه.
ثانيًا: المقومات الأساسية للمتعلم في نظر ابن الجوزي
ينبغي للمتعلم أن يتحلى بالصفات الكريمة، والفضائل الكاملة، حتى يكون علمه مثمرًا، وهناك بعض الآداب الخاصة بالمتعلم في نظر ابن الجوزي، سأوردها على الوجه الآتى:
١ - المقومات الروحية
وتتمثل في:
الإخلاص لله تعالى في طلب العلم ينبغي للمتعلم أن يبتغي بعلمه وجه الله تعالى، ولا يجعله مغنمًا دنيويًا، لأن العلم النافع هو الطريق إلى
[ ٣٠٥ ]
الجنة. وفي هذا المعنى قال ابن الجوزي: "وينبغي لطالب العلم أن يصحح قصده، إذ فقدان الإخلاص يمنع قبول الأعمال" (١).
٢ - المقومات الشخصية:
أ- الانتفاع بالوقت وتنظيمه
يرى ابن الجوزي أهمية استغلال الوقت، واستثماره فيما يفيد طالب العلم، ويزيد من تحصيله. وقد وضع برنامجًا زمنيًا للمتعلم، حتى يستفيد من وقته، من بداية اليوم إلى نهايته، جامعًا بين العلم والعمل به. فقال: "فألزِم نفسك يا بني الانتباه عند طلوع الفجر، ولا تتحدث بحديث الدنيا، فقد كان السلف الصالح -﵏- لا يتكلمون في ذلك الوقت بشيء من أمور الدنيا. فإذا أعدت درسك إلى وقت الضحى الأعلى، فصل الضحى ثماني ركعات، ثم تشاغل بمطالعة أو نسخ إلى وقت العصر، ثم عد إلى درسك من بعد العصر إلى وقت المغرب، وصل بعد المغرب ركعتين بجزئين، فإذا صليت العشاء، فعد إلى دروسك، ثم اضطجع على شقك الأيمن، فسبّح ثلاثًا وثلاثين، واحمد ثلاثًا وثلاثين، وكبّر أربعا وثلاثين، وقل: "اللهم قني عذابك يوم تجمع عبادك".
وإذا فتحت عينيك من النوم، فاعلم أن النفس قد أخذت حظها، فقم إلى الوضوء، وصل في ظلام الليل ما أمكن، واستفتح بركعتين خفيفتين، ثم بعدهما ركعتين بجزئين من القرآن. ثم تعود إلى درس العلم، فإن العلم أفضل من كل نافلة" (٢).
ب- تخصيص وقت للكسب:
يرى ابن الجوزي أن انشغال طالب العلم بتحصيل العلم، ينبغي أن لا ينسيه كسب معيشته ورزق أهله، حتى لا يعرضهم للسؤال، فقال في ذلك: "فعليك يا طالب العلم بالاجتهاد في جمع المال للغنى عن الناس، فإنه يجمع لك دينك. . . فما رأينا في الأغلب منافقًا في التدين والتزهد والتخشع، ولا آفة طرأت على عالم إلا بحب الدنيا، وغالب
_________________
(١) المرجع السابق، ص ٣١١.
(٢) مرجع سابق، ابن الجوزي. لفتة الكبد إلى نصيحة الولد. ص ٥١ - ٥٢ - ٥٣.
[ ٣٠٦ ]
ذلك الفقر. فإن كان له مال يكفيه، ثم يطلب بتلك المخالطة الزيادة، فذلك معدود في أهل الشره، خارج عن حيِّز العلماء" (١).
ثم يبين له طريقة الاكتساب بقوله: "وينبغي له بالتلطف أن يجعل جزءًا من زمانه مصروفًا إلى توفير الاكتساب والتجارة مستنيبًا فيها، غير مباشر لها مع التدبير في العيش الممتنع من الإسراف والتبذير" (٢).
ولنا وقفة في نصيحة ابن الجوزي لطالب العلم بالاكتساب؛ فإنه لم يوص الحُكام والأغنياء بتخصيص منح دراسية لطلاب العلم بدلًا من الاشتغال بالكسب الذي يكون على حساب طلب العلم وتقدم العلوم، لعله لم يوص ابن الجوزي الحكام والأغنياء بذلك حتى لا يعتمد عليهم طالب العلم في معيشته فيفتن بالدنيا وزينتها بحجة طلب العلم.
جـ- مدافعة النكاح
ولا يقصد من ذلك ابن الجوزي أن يهمل طالب العلم الزوجة والأولاد والرزق، بل يريد ألا تشغله هذه الأمور عن تحصيل العلم، ويصرف كل وقته فيها. فقال: "وأختار للمبتدئ في طلب العلم أن يدافع النكاح مهما أمكن، فإن أحمد بن حنبل لم يتزوج حتى تمت له أربعون سنة، وهذا لأجل جمع الهمّ. فإن غلب عليه الأمر تزوج واجتهد في المدافعة بالفعل لتتوافر القوة على إعادة العلم. ثم لينظر ما يحفظ من العلم، فإن العمر عزيز، والعلم غزير" (٣).
٣ - المقومات التعليمية:
أ- المثابرة على طلب العلم بجدٍ:
يحث ابن الجوزي طالب العلم على السعي الدائب للتحصيل المستمر بهمة عالية، وعزيمة قوية عن طريق الاطلاع المستمر في أمهات الكتب المفيدة، فقال في ذلك: "فسبيل طالب الكمال في طلب العلم،
_________________
(١) مرجع سابق، ابن الجوزي. صيد الخاطر. ص ١٦٢.
(٢) المرجع السابق، ص ١٧٦.
(٣) المرجع السابق، ص ١٧٨.
[ ٣٠٧ ]
الاطلاع على الكتب التي قد تخلفت من المصنفات. فليكثر من المطالعة، فإنه يرى من علوم القوم، وعلوّ هممهم ما يشحذ خاطره، ويحرّك عزيمته للجِدّ، وما يخلو كتاب من فائدة" (١). ثم ينصح ابن الجوزي طلاب العلم قائلًا: "وعليكم بملاحظة سير السلف ومطالعة تصانيفهم وأخبارهم، فالاستكثار من مطالعة كتبهم رؤية لهم. ." (٢) ثم ضرب بنفسه مثلًا في سعة الاطلاع، فقال: "ولو قلت: إني طالعت عشرين ألف مجلد كان أكثر وأنا بعدُ في الطلب" (٣)، وكان حصيلة هذا الاطلاع الواسع من ابن الجوزي، ما عبر عنه بقوله: "فاستفدت بالنظر فيها من ملاحظة سير القوم، وقدر هممهم وحفظهم وعباداتهم وغرائب علومهم ما لا يعرفه من لم يطالع. فصرت أستزري ما الناس فيه، واحتقر همم الطلاب" (٤). .
ب- الإلمام من كل علم بطرف:
يرى ابن الجوزي أن يأخذ طالب العلم من كل علم بطرف، فقال في ذلك: "الشاب المبتدئ في طلب العلم، ينبغي له أن يأخذ من كل علم طرفًا، ويجعل علم الفقه الأهم، ولا يقصر في معرفة النقل، فبه تبين سير الكاملين. وإذا رزق فصاحة من حيث الوضع، ثم أضيف إليها معرفة اللغة والنحو فقد شُحذت شفرة لسانه على أجود مسنِّ" (٥).
وبعد، فقد ركّز ابن الجوزي في آداب المتعلم على المقومات الروحية والشخصية والتعليمية، وأهمل المقومات الأخلاقية والاجتماعية. ويمكن أن نستخلص أهم الآراء التربوية التي تفيد طالب العلم وهي:
١ - وجوب قصد طالب العلم وجه الله -﷿- من طلبه العلم.
٢ - وجوب تنظيم الوقت للمتعلم وحسن استغلاله.
_________________
(١) المرجع السابق، ص ٤٤٠.
(٢) المرجع السابق، ص ٤٤٠.
(٣) المرجع السابق، ص ٤٤١.
(٤) المرجع السابق، ص ٤٤١.
(٥) المرجع السابق، ص ١٧٦.
[ ٣٠٨ ]
٣ - وجوب تنظيم وقت المتعلم بين طلب العلم وكسب الرزق.
٤ - وجوب المثابرة والجد في طلب العلم.
٥ - ضرورة الأخذ بطرفٍ من كل علم، مع العلم أن ذلك لا يؤدي إلى التعمق والتخصص في العلم.
ج- طريقة تعلم أنواع العلوم في نظر ابن الجوزي:
سأجمل رأي ابن الجوزي في أنواع العلوم، لأنه سبق ذكرها في الفصل الثاني عند الحديث عن المنهج التعليمي للأطفال. وقد ركّز ابن الجوزي على العلوم الإسلامية المتعلقة بالقرآن الكريم والسُّنة النبوية المطهرة، واللغة العربية، فقال فيها: "وقد علم قصر العمر وكثرة العلم، فيبتدئ بالقرآن وحفظه، وينظر في تفسيره نظرًا متوسطًا لا يخفى عليه بذلك منه شيء، وإن صح له قراءة القراءات السبعة، وأشياء من النحو وكتب اللغة، وابتدأ بأصول الحديث من حيث النقل كالصحاح والمسانيد والسنن، ومن حيث علم الحديث كمعرفة الضعفاء والأسماء، فلينظر في أصول ذلك. . . ولينظر في التواريخ ليعرف ما لا يستغنى عنه كنسب الرسول - ﷺ - وأقاربه وأزواجه وما جرى له. ثم ليقبل على الفقه، فلينظر في المذهب والخلاف وليكن اعتماده على مسائل الخلاف، فلينظر في المسألة وما تحتوي عليه، فيطلبه من مظانه كتفسير آية وحديث وكلمة لغة. ويتشاغل بأصول الفقه وبالفرائض، وليعلم أن الفقه عليه مدار العلوم" (١).
د- رأي ابن الجوزي في طريقة الحفظ:
إن "التعلم عملية معقدة، تدخل فيها عمليات عقلية مختلفة، هذه العمليات تختلف في تعقيدها تبعًا للمستوى النفسي الذي تحدث فيه عملية التعلم، ولا شك في أن الحفظ ضروري في أنماط التعلم الدنيا" (٢). وهذا بالإضافة إلى العمليات العقلية الأُخرى مثل التذكر والتفكير والتعرف والاستدعاء. وابن الجوزي ركز فقط على الحفظ على
_________________
(١) المرجع السابق، ص ١٦٩.
(٢) مرجع سابق، صالح، د. أحمد، زكي. علم النفس التربوي. ص ٥٠٨.
[ ٣٠٩ ]
أنه عملية عقلية، وأهمل العمليات العقلية الأُخرى، وربما كان ذلك لعدم تحديد نظرته إلى التعلم على أنه مستقل، فإنه ذكر قدرة الحفظ من حيث هي قدرة من القدرات على حفظ المعلومات وتثبيتها في الذهن.
والآراء التربوية التي ذكرها ابن الجوزي ليست شاملة، بل هي محددة في نقاط معينة. وأنا أقوم بتصنيفها حسب مقتضى الدراسة.
هـ- مراعاة الفروق الفردية في القدرة على الحفظ:
أثبت علم النفس التربوي أنه "توجد فروق فردية في مدى ما يحفظه الأفراد المختلفون، حسب الشروط المختلفة التي تحيط بكل منهم" (١)، وهذا ما أكده ابن الجوزي بقوله: "والناس يتفاوتون في ذلك: فمنهم من يثبت معه المحفوظ مع قلة التكرار. ومنهم من لا يحفظ إلا بعد التكرار الكثير، فينبغي للإنسان أن يعيد بعد الحفظ، ليثبت معه المحفوظ" (٢) وبناء على هذا التفاوت في القدرة على الحفظ، فقد حدد ابن الجوزي بعض الآراء التربوية العامة التي تساعد المتعلم على التعلم الجيد، والتحصيل المثمر. وهذه الآراء صنفت إلى نواح عدة هي:
أ- العوامل المساعدة على التعلم الجيد:
معرفة هذه العوامل، تساعد المتعلم على توفير الوقت والجهد في تعلم صحيح وسريع، وتحصيل مثمر فعَّال، بدلًا من التخبط والتشتت الذهني. وأهم هذه العوامل من خلال آراء ابن الجوزي هي:
١ - تحقيق الصحة العامة للمتعلم، عن طريق الاهتمام بنوعية الغذاء الجيد المتكامل، المحتوي كل ما يحتاجه الجسم البشري، حتى يقوى العقل، وينشط الذهن، ويسهل التحصيل، قال ابن الجوزي: "وإصلاح المزاج من الأصول العظيمة، فإن للمأكولات أثرًا في الحفظ" (٣).
٢ - استغلال الأعمار الزمنية المناسبة للحفظ، حتى تثبت المعلومات في ذهن المتعلم، قال ابن الجوزي: "وللحفظ أوقات من العمر، فأفضلها
_________________
(١) المرجع السابق، ص ٤٩٩.
(٢) مرجع سابق، ابن الجوزي. الحث على حفظ العلم وذكر كبار الحفاظ. ص ٢١.
(٣) مرجع سابق، ابن الجوزي. صيد الخاطر. ص ١٧٨.
[ ٣١٠ ]
الصبا وما يقاربه من أوقات الزمان" (١) وقوله أيضًا: "ينبغي للعاقل أن يكون جل زمانه للإعادة خصوصًا الصبي والشاب، فإنه يستقر المحفوظ عندهما استقرارًا لا يزول" (٢). وقد وافقه في ذلك د. فؤاد البهي السيد وهو من علماء النفس المعاصرين بقوله: "يخضع الذكاء في اطراد نموه لسرعة النمو العقلي المعرفي لاعتماده على نمو العمليات العقلية المختلفة، ويخضع أيضًا للسرعة الكلية للنمو، فهو لذلك ينمو سريعًا في الطفولة وخاصة في سني المهد. ثم تبطؤ سرعته عند المراهقة، وتستقر على مستوى ثابت معين في الرشد، ويظل كذلك إلى بدء الشيخوخة فينحدر عن مستواه الذي ظل ثابتًا طوال الرشد" (٣).
٣ - تنظيم أوقات الحفظ، لما له من أثر كبير في التحصيل، وقد حدد ابن الجوزي الأوقات المناسبة للحفظ وهي: في الساعات الأُولى والأخيرة من اليوم، وفي منتصف الليل، قال: وقد مدح الحفظ في السحَر (الساعات الأخيرة من الليل) لموضع جمع الهمّ، وفي البكر (بعد الفجر)، وعند نصف الليل" (٤). والسبب في تخصيص هذه الأوقات للحفظ ولاسيما وقت الفجر، كما وضحه د. يالجن فقال: "تكون الدنيا هادئة خالية من ضوضاء الحياة وثرثرتها ويكون الذهن صافيًا متفتحًا، ومستريحًا يقبل المعلومات بسهولة، وترسخ فيه بسرعة" (٥).
٤ - مراعاة الأحوال النفسية التي يكون فيها المتعلم، حتى يسهل تحصيله، ولا يعاق حفظه، بسبب انشغال البال، وقلق النفس. قال ابن الجوزي: "ومتى رأى نفسه مشغول القلب ترك التحفظ" (٦). كذلك يبتعد عن بعض الأمور التي تشغله عن التركيز في أثناء الحفظ، مثل الشبع، والأماكن الخضراء، وشواطئ الأنهار، فقال في ذلك ابن الجوزي:
_________________
(١) المرجع السابق، ص ١٧٧.
(٢) المرجع السابق، ص ٢٦٢.
(٣) مرجع سابق، السيد، فؤاد، البهي. الأسس النفسية للنمو. ص ١٦٧.
(٤) مرجع سابق، ابن الجوزي. الحث على حفظ العلم وذكر كبار الحفاظ. ص ٢٢.
(٥) يالجن، د. مقداد. توجيه المتعلم في ضوء التفكير التربوي الإسلامي. الرياض، دار المريخ، الطبعة الأولى، ١٤٠٢ هـ - ١٩٨٢ م. ص ٧٣.
(٦) مرجع سابق، ابن الجوزي. الحث على حفظ العلم وذكر كبار الحفاظ. ص ٢٢.
[ ٣١١ ]
"وأوقات الجوع خير من أوقات الشبع، ولا يحمد الحفظ بحضرة خضرة وعلى شاطئ نهر، لأن ذلك يلهي. والأماكن العالية للحفظ خير من السوافل، والخلوة أصل، وجمع الهم أصل الأصول" (١) وقد أكد د. يالجن ضرر الشبع عند الحفظ، فقال ينبغي: "أن تكون المعدة قد خفت من ثقل الطعام وكثرته، فيشعر الإنسان عند ذلك بالخفة والنشاط في جسمه وعقله" (٢).
٥ - الاستفادة من طاقاته العقلية المختلفة في حفظ العلوم المهمة أولًا، ثم الأقل أهمية، وذلك حتى لا يبدد المتعلم هذه القدرات فيما لا يفيد. قال ابن الجوزي: "ثم لينظر ما يحفظ من العلم، فإن العمر عزيز، والعلم غزير. وإن أقوامًا يصرفون الزمان إلى حفظ ما غيره أولى منه، وإن كان كل العلوم حسنًا، ولكن الأولى تقديم الأهم والأفضل (٣).
٦ - عدم الانتقال من مادة إلى أُخرى، حتى يتقنها ويتأكد من ثبوتها في ذهن المتعلم، قال ابن الجوزي: "وأن لا يشرع في فن حتى يحكم ما قبله" (٤).
٧ - تقسيم المادة العلمية إلى أجزاء مناسبة حسب قدرة المتعلم، وهذه تسمى بالتمرين الموزع، وقد "دلت التجارب على أن توزيع فترات التمرين أكثر فائدة من تركيزها في كثير من أنواع التعلم، وعلى الأخص في تعلم المهارات والخبرات التي لا ترتكن كثيرًا على عامل المعنى، وذلك لأن التمرين المتصل قد يؤدي إما إلى تعب المتعلم، وإما إلى ملله ونقص رغبته في التحصيل، وإما إلى حدوث ظاهرة الكفّ الرجعي، حيث تتداخل عناصر الخبرات المتعلَّمة بعضها في البعض الآخر، فيعرقل بعضها البعض" (٥). وفي هذا المعنى يقول ابن الجوزي: "والصواب أن
_________________
(١) مرجع سابق، ابن الجوزي. صيد الخاطر. ص ١٧٨.
(٢) مرجع سابق، يالجن. توجيه المتعلم في ضوء التفكير التربوي الإسلامي. ص ٧٤.
(٣) مرجع سابق، ابن الجوزي. صيد الخاطر. ص ١٧٨.
(٤) المرجع السابق، ص ١٧٨.
(٥) مرجع سابق، الغريب، د. رمزية. التعلم. ص ٥٢٨ - ٥٢٩.
[ ٣١٢ ]
يأخذ قدر ما يطيق ويعيده في وقتين من النهار والليل" (١)، وقوله: "ويحفظ قدر ما يمكن فإن القليل يثبت والكثير لا يحصل" (٢)، وقوله أيضًا: "وتقليل المحفوظ مع الدوام أصل عظيم" (٣).
٨ - التكرار من العوامل المساعدة على التعلم الجيد، وذلك لأنه يكسب "الأداء نوعًا من الثبوت والنمو والاستقرار عند الشخص المتعلم، فالممارسة تيسر نوعًا من الآلية، وبالتالي تساعد على أداء الأعمال بطريقة سريعة دقيقة صحيحة" (٤).
وقد بين ابن الجوزي أهمية التكرار وتفاوت الناس فيه. فقال: "الطريق في إحكامه [للمحفوظ]. كثرة الإعادة، والناس يتفاوتون في ذلك: فمنهم من يثبت معه المحفوظ مع قلة التكرار، ومنهم من لا يحفظ إلا بعد التكرار الكثير. فينبغي للإنسان أن يعيد بعد الحفظ، ليثبت معه المحفوظ" (٥). وقد استشهد ابن الجوزي بقول الرسول - ﷺ -: "تعاهدوا القرآنَ فإنه أشدّ تفصيًا من صدورِ الرجالِ من النعمِ من عقلِها" (٦).
وقد بيَّن طريقة الحفظ فقال: "فينبغي أن يحكم الحفظ ويكثر التكرار ليثبت قاعدة الحفظ" (٧) وذلك لصعوبة التكرار على النفس البشرية، فقال: "ما رأيت أصعب على النفس من الحفظ للعلم والتكرار له" (٨). وصعوبة هذا الأمر تتفاوت حسب المادة العلمية التي يحفظها الإنسان، وقد قال في ذلك: "خصوصًا تكرار ما ليس لها في تكراره وحفظه حظ، مثل مسائل الفقه، بخلاف الشعر والسجع، فإن لها لذة
_________________
(١) مرجع سابق، ابن الجوزي. صيد الخاطر. ص ١٧٧.
(٢) مرجع سابق، ابن الجوزي. الحث على حفظ العلم وذكر كبار الحفاظ. ص ٢٢.
(٣) مرجع سابق، ابن الجوزي. صيد الخاطر. ص ١٧٨.
(٤) مرجع سابق، صالح، د. أحمد، زكي. علم النفس التربوي. ص ٤٥٩.
(٥) مرجع سابق، ابن الجوزي. الحث على حفظ العلم وذكر كبار الحفاظ. ص ٢١.
(٦) مرجع سابق، العسقلاني. فتح الباري بشرح صحيح البخاري. الجزء التاسع، ص ٧٩، كتاب فضائل القرآن، باب استذكار القرآن وتعاهده، حديث رقم ٥٠٣٣.
(٧) مرجع سابق، ابن الجوزي. صيد الخاطر. ص ٢٦٢.
(٨) المرجع السابق، ص ٢٦١.
[ ٣١٣ ]
في إعادته وإن كان صعبًا، لأنها تلتذ به مرة ومرتين" (١).
ب - الأسباب التي تؤدي إلى النسيان في نظر ابن الجوزي:
ذكر ابن الجوزي الأسباب التي تؤدي إلى النسيان في كتابه الحث على حفظ العلم وذكر كبار الحفاظ، تحت عنوان "في الأدوية المعينة على الحفظ"، وهذا العنوان مخالف للذي ذكره من الأسباب.
وقبل عرض آراء ابن الجوزي في هذا الموضوع، سنعرِّف معنى النسيان، وهو "عجز الإنسان عن استرجاع، أو تعرفٍ على ما قد اكتسبه في الماضي من معلومات أو أفكار أو ذكريات أو مهارات. إنه فقدان كلي أو جزئي لما سبق ذكره في الوقت الذي يحتاج إليه الفرد" (٢). والنسيان نوعان:
١ - نسيان طبيعي. وهذا النسيان بحكم كون الإنسان إنسانًا.
٢ - نسيان مرضي. ناتج من صدمة انفعاليةٍ أو مرضٍ أصابه في دماغه. ففقد الذاكرة.
وللنسيان أسباب عديدة -لا داعي لذكرها- وقد حصرها ابن الجوزي في أربعة أسباب هي:
١ - أسباب مرضية ناتجة من أمراض الدماغ.
٢ - أسباب غذائية ناتجة من التركيز على أكل أنواع معينة من الأطعمة.
٣ - أسباب نفسية مثل الهمّ.
٤ - أسباب أُخرى مثل قراءة ألواح القبور، والنظر في الماء الدائم والبول فيه، والنظر إلى المصلوب ونبذ القمل، والمشي بين جملين مقطورين، وأكل سؤر الفأر.
وسأقوم بعرض رأي ابن الجوزي في أسباب النسيان ثم مناقشته،
_________________
(١) المرجع السابق، ص ٢٦٢.
(٢) الهاشمي، د. عبد الحميد، محمد. أصول علم النفس العام. جدة: دار الشروق. الطبعة الثانية، ١٤٠٧ هـ - ١٩٨٦ م، ص ٢١٦.
[ ٣١٤ ]
لمعرفة مدى صحة أو خطأ ما عدّه من الأسباب:
١ - أسباب مرضية ناتجة من أمراض الدماغ، وقد قال فيها ابن الجوزي: "إن نسيان المحفوظ من أمراض الدماغ، وذلك يكون غالبًا من سوء مزاج بارد، رطب، يرطب الدماغ، وذلك يكون من كل ما يولد خلطًا بلغميًا وفيه تبخير، ويتولد كثيرًا من أكل البصل والتخم وكثرة أكل الفواكه. وسبب فساد الذكر البرد، فإن كان من رطوبة فصاحبه لا يحفظ ما يطبع فيه، وإن كان من يبوسة فإنه لا يحفظ الأمور الماضية دون الحادثة، وإن كان من يبس مع حركان مع اختلاط الذهن، وأكثر ما يعرض النسيان عن برد ورطوبة. وقد يكون عن يبس مفرط، يجفف الدماغ، ويجعله كالصخرة التي لا تقبل أن ينطبع فيها شيء" (١).
وهذا السبب يخالف ما أثبته الطب الحديث من أن النسيان "ناتج من إصابة عضوية عصبية كضربة دماغية، أو صدمة انفعالية، أو كبت مزمن قوي، فهذه الحالات يحدث معها نسيان مفاجئ ويفقد صاحبها الذاكرة. وقد يكون النسيان تدريجيًا كما هو الحال مع بعض الأمراض العقلية كالذهان، أو نسيانًا فجائيًا، كمن صدمته سيارة برأسه وأغمي عليه. . . ." (٢) أما ما ذكره ابن الجوزي من أمراض الدماغ، فهذا من الطب اليوناني القديم (٣)، الذي فرض نفسه في عصر ابن الجوزي.
أما الأطعمة التي تسبب النسيان، فقد ذكرها ابن الجوزي بقوله: "وأكل الكزبرة الرطبة والتفاح الحامض" (٤). فأعتقد أن هذه الفواكه لا تسبب النسيان، وإن كانت بعض الأطعمة تنشط العقل وتزيل الإعياء. أما الأسباب الناتجة من الحالة النفسية كالهمّ، فإن لها تاثيرًا سيئًا في الشخص فإنها تمنعه من التركيز، وتكون سببًا في صعوبة الاسترجاع. "فالإنسان الذي يعاني من الصراع الداخلي والاكتئاب النفسي، والاضطراب العصبي يلاقي من الصعوبة في التحصيل أكثر من الإنسان
_________________
(١) مرجع سابق، ابن الجوزي. الحث على حفظ العلم وذكر كبار الحفاظ. ص ١٨.
(٢) مرجع سابق، الهاشمي. أصول علم النفس العام. ص ٢١٧.
(٣) أفادني بهذه المعلومة د. محمد علي البار.
(٤) مرجع سابق، ابن الجوزي. الحث على حفظ العلم وذكر كبار الحفاظ. ص ١٨.
[ ٣١٥ ]
المتزن الشخصية" (١). أما الأسباب الأُخرى فأعتقد أنها غير مقبولة منطقيًا، وهي من تأثير الخرافات (٢).
جـ - الطرق المتبعة في مقاومة النسيان:
يعتبر النسيان من العوائق التي تعترض التحصيل، وتحول دون ثبات المعلومات في ذهن المتعلم وهناك العديد من المبادئ التي ذكرها ابن الجوزي لمقاومة النسيان وهي: استمرارية ودوام المذاكرة، حتى لا ينسى المتعلم العلم. قال ابن الجوزي: "إن المتعلم يفتقر إلى دوام الدراسة" (٣) وقال: "فكم ممن ترك الاستذكار بعد الحفظ فضاع زمن طويل في استرجاع محفوظٍ قد نُسي" (٤). وهذه الاستمرارية، لابد أن يتوافر فيها الآتي:
١ - تنظيم أوقات الإعادة بطريقة لا ترهق المتعلم ولا تضرّه. قال ابن الجوزي: "ومن الغلط الانهماك في الإعادة ليلًا ونهارًا، فإنه لا يلبث صاحب هذه الحال إلا أيامًا ثم يفتر أو يمرض" (٥).
٢ - تحديد القدر الذي يحفظه، حتى لا يثقل على القلب، فلا يستوعب ما يحفظه. قال ابن الجوزي: "ومن الغلط تحميل القلب حفظ الكثير أو الحفظ من فنون شتى، فإن القلب جارحة من الجوارح، وكما أن من الناس من يحمل المائة رطل، ومنهم من يعجز عن عشرين رطلًا، فكذلك القلوب. فليأخذ الإنسان على قدر قوته ودونها، فإنه إذا استنفدها في وقت ضاعت منه أوقات" (٦).
٣ - مراعاة الحفظ في أوقات النشاط، حتى يستوعب العقل المعلومات ويتقبلها بسهولة، وترك الحفظ أثناء التعب الجسمي والنفسي
_________________
(١) مرجع سابق، يالجن. توجيه المتعلم في ضوء التفكير التربوي الإسلامي. ص ٩٢.
(٢) سأبين مدى صحة هذه المعلومات في باب التقويم.
(٣) مرجع سابق، ابن الجوزي. صيد الخاطر. ص ١٧٧.
(٤) المرجع السابق، ص ١٧٧.
(٥) المرجع السابق، ص ١٧٧.
(٦) المرجع السابق، ص ١٧٧.
[ ٣١٦ ]
حتى لا ينساها، قال ابن الجوزي: "ومن لم يجد نشاطًا للحفظ فليتركه، فإن مكابرة النفس لا تصلح" (١).
٤ - إعطاء المتعلم مدة زمنيه للراحة بمعدل يوم أو يومين في الأسبوع، يساعد على تثبيت المعلومات في ذهن المتعلم، بالإضافة إلى أن "مثل هذه الراحة تعيد للأعصاب وللذاكرة النشاط، وتبعده عن الإرهاق والملل" (٢). وقد قال ابن الجوزي في هذا المعنى: "وترفيه النفس من الإعادة يومًا في الأسبوع ليثبت المحفوظ، وتأخذ النفس قوةً كالبنيان يترك أيامًا حتى يستقر، ثم يبنى عليه" (٣).
وهذه الآراء المتعلقة بالتعلم واتباع الطرق الصحيحة للحفظ الجيد، تدل على علم وفهم ابن الجوزي لهذا العلم، رغم أنه -كما سبق أن ذكرنا- لم يكن لدى العلماء المسلمين القدماء، هذا التحديد الدقيق لمسمى العلوم التربوية والنفسية. وهذا يؤكد سبقه لعلماء النفس في معرفة هذه الآراء.
ويمكن استخراج أهم الآراء التربوية التي ذكرها ابن الجوزي في هذا المجال وهي:
١ - مراعاة الفروق الفردية في القدرات العقلية فطريةً كانت أو مكتسبةً.
٢ - وجوب الاهتمام بالمقومات الأساسية عند إعداد المعلم له الأثر الفعال في إعداد الرجال.
٣ - توجيه المتعلم إلى طرق التعلم الجيد يساعد على المتقدم في التحصيل.
٤ - وجوب إرشاد الطلاب إلى أساليب مقاومة النسيان في التعليم.
_________________
(١) المرجع السابق، ص ١٧٨.
(٢) مرجع سابق، يالجن. توجيه المتعلم في ضوء التفكير التربوي الإسلامي. ص ٧٥.
(٣) مرجع سابق، ابن الجوزي. صيد الخاطر. ص ١٧٨.
[ ٣١٧ ]