صحب الظواهر الطبيعية الحادثة في المجتمع ارتفاع وانخفاض في أسعار المواد الغذائية، مما أثر على المستوى الاقتصادي للأفراد، فأدى إلى وجود الطبقية في المجتمع، والذي أدى بدوره إلى وجود فئة العيارين والشطار الذين أعلنوا سخطهم على تركز الثروة الهائلة في يد فئة معينة، فاستغلوا هذه الأوضاع وقاموا بالسلب والنهب والقتل (١) طمعًا في الثراء السريع.
كما كانت الضرائب تشكل جانبًا من موارد الدولة الرئيسية، فقد كانت تفرض (٢) أو تخفف أو تلغى (٣) وفقًا لاتجاه كل خليفة والظروف المحيطة به، فمثلًا الخليفة المقتفي لأمر الله كان محتجًا على فرض الضرائب وأخذِ أموال الناس من غير وجه، وقد عبر عن رأيه ذلك للسلطان مسعود عندما تولى الحكم "وما بقي إلا أن نخرج من الدار ونسلّمها" (٤)، والبعض الآخر كان متشددًا في فرض الضرائب لدرجة أنه يجعل أشخاصًا يطوفون "بالألواح التي نقش عليها ترك المكس" (٥) في الأسواق وضربت بين يديها الدبابات والبوقات" (٦).
_________________
(١) المرجع السابق، الجزء العاشر، ص ٥٨ - ٥٩ - ٦٨.
(٢) المرجع السابق، الجزء العاشر، ص ٢٠٠.
(٣) المرجع السابق، الجزء العاشر، ص ١٩٣ - ١٩٤.
(٤) المرجع السابق، الجزء العاشر، ص ٦٦.
(٥) معنى كلمة المكس: "الجباية. والمَكسُ: "دراهم كانت تؤخذ من بائع السلع في الأسواق في الجاهلية. والماكِس: العَشَّار. ويقال للعَشَّار: صاحب مكس. المكس: الضريبة التي يأخذها الماكِسُ وأصله الجباية". ابن منظور، أبو الفضل، جمال الدين، محمد بن مكرم. لسان العرب. بيروت، دار صادر، دار الفكر، دون تاريخ، المجلد السادس، ص ٢٢٠.
(٦) مرجع سابق، ابن الجوزي. المنتظم فى تاريخ الملوك والأمم. الجزء العاشر، ص ١٢٠.
[ ٦٦ ]
ونتيجة تذبذب الأسعار بين ارتفاع وانخفاض، وتفاوت الطبقات الاجتماعية ومستواها الاقتصادي، والضرائب وويلاتها، أدى ذلك إلى انتشار الفوضى الخلقية بشتى صورها، والظلم وما لحقه من طغيان واستبداد، والفقر وما نتج منه من سلب ونهب وقتل لتأمين الضروريات.
وهكذا فإن جميع الأوضاع السياسية والأخلاقية والاجتماعية والاقتصادية المتغيرة أدت إلى ضعف الدولة العباسية وتمزق وحدتها الإسلامية، وتشتت أفرادها وذهاب هيبتها وتكالب القوى الصليبية عليها.
[ ٦٧ ]