قال الله تعالى: ﴿وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا﴾ (٢)، وهذا الضعف البشري من خصائص النفس البشرية التي خلقها الله به. والإنسان ضعيف أمام خالقه -﷿-، وأمام من هو أقوى منه من البشر، وأمام دوافعه وشهواته، وأمام المسؤوليات والواجبات المكلف القيام بها من قِبَل الله تعالى.
ومع هذا الضعف البشري، فإن الإِنسان يتسلط ويتجبر إذا تيسرت له أسباب السلطة والقوة، فإذا أصابته ضرّاء لجأ إلى الله تعالى، حتى إذا كشف عنه ضره رجع إلى عصيانه وطِغيانه، قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّ النَّاسَ ضُرٌّ دَعَوْا رَبَّهُمْ مُنِيبِينَ إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا أَذَاقَهُمْ مِنْهُ رَحْمَةً إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ﴾ (٣). وقوله: ﴿وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنْبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَسَّهُ كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (٤).
لذلك جاء المنهج التربوي الإسلامي بواقعيته، لتقوية الإرادة ثم تربيتها للتغلب على ضعف الإنسان أَمام رغباته وشهواته قبل السقوط في الرذائل والمعاصي، ثم بعد الوقوع فيها إن وقع فيها، وقد كان لابن الجوزي رأيُ مشتق من هذا المنهج التربوي الإِسلامي.
_________________
(١) المرجع السابق، ص ٣٩٣.
(٢) سورة النساء، الآية ٢٨.
(٣) سورة الروم، الآية ٣٣.
(٤) سورة يونس، الآية ١٢.
[ ٣٨٥ ]
أ - تربية الإرادة للوقاية من ارتكاب المعاصي
إن الإنسان نتيجة ضعفه البشري الفطري، معرض لارتكاب المعاصي والآثام، لذلك استخدم الإسلام أسلوب تربية الإرادة الخيرة في جميع تصرفات الإِنسان وسلوكياته، بل شمل ما توسوس به النفس البشرية، يقول الرسول - ﷺ -: "إن الله تجاوزَ لأمتي ما حدثت به أنفُسها ما لم يتكلُموا أو يعملُوا به" (١). وكذلك إذا همَّ بالمعصية، لقوله - ﷺ -: فيما يروى عن ربه ﵎، قال: "إن اللهَ كتبَ الحسناتِ والسيئاتِ. ثم بين ذلك: فمن همّ بحسنةِ فلم يعملْها كتبَها اللهُ عنده حسنةَ كاملةً. وان همَّ بها فعملَها كتبَها الله -﷿- عنده عشرَ حسنات إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة. وإن همَّ بسيئةٍ فلم يعملْها كتبها اللهُ عنده حسنة كاملةً، وإن هم بها فعملَها كتبَها اللهُ سيئة واحدة" (٢).
ومن خلال هذا المنهج التربوي الإسلامي القويم في تعديل السلوك، وتقويم الاعوجاج، وتصحيح المسار، تقوى الإرادة الخيرة الصالحة على الإرادة الشريرة الداعية إلى المعصية، وتحث النفس المؤمنة على التمهل قبل الوقوع فيها.
ولم يكن لابن الجوزي رأي في هذا الجانب فيما اطلعتُ عليه ولكن كتبت فيه حتى ننتقل إلى النقطة الثانية التي تعرض لها ابن الجوزي وهي:
ب - تربية الإرادة بعد الوقوع في المعصية:
إن الله تعالى -أعلم- بطبيعة النفس البشرية، وضعفها أمام الشهوات، لذلك نبَّه الجانبَ العاطفي للتنفير من المعصية، قال في ذلك د. مقداد يالجن. "إن الإِنسان إذا اشمأز من فعل الأشياء [السيئة] وتقززت نفسه منها، تدفع عاطفته إرادته إلى عدم فعلها والابتعاد عنها
_________________
(١) مرجع سابق، النيسابوري. صحيح مسلم. الجزء الأول، ص ١١٦، كتاب الإيمان، باب تجاوز الله عن حديث النفس والخواطر بالقلب إذا لم تستقر، حديث رقم ٢٠١ - (١٢٧).
(٢) المرجع السابق، الجزء الأول، ص ١١٨، كتاب الإيمان، باب إذا هم العبد بحسنة كتبت وإذا هم بسيئة لم تكتب، حديث رقم ٢٠٧ - (١٣١).
[ ٣٨٦ ]
نهائيًّا" (١)، ثم استشهد بقوله تعالى: ﴿وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ﴾ (٢).
وقد استخدم ابن الجوزي هذا الأسلوب العاطفي للتنفير من المعصية، حتى يبتعد العاصي عنها. فقال في التنفير من الزنى: "إنه يفسد الفرش، ويغير الأنساب، وهو بالجارة أقبح" (٣)، وقال: "فكم يتعلق بالزنى من محن لا يفي معشار عشرها بلذة لحظة، منها هتك العرض بين الناس وكشف العورات المحرّمة. وخيانة الأخ المسلم في زوجته إن كانت متزوجة، وفضيحة المزني بها وهي كأخت له أو بنت. فإن علقت منه ولها زوج ألحقته بذلك الزوج، وكان هذا الزاني سببًا في ميراث من لا يستحق ومنع من يستحق. ثم يتسلسل ذلك من ولد إلى ولد. وأما سخط الحق سبحانه فمعلوم" (٤). قال تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ (٥). وقال ابن الجوزي في التنفير من شرب الخمر: "فإنه تنجيس للفم والثوب، وإبعاد للعقل، وتأثيراته معلومة عند الخالق والمخلوق. فالعجب ممن يؤثر لذة ساعةٍ تجني عقابًا وذهابَ جاه، وربما خرج بالعربدة إلى القتل" (٦).
ثم إن ابن الجوزي بيّن أن سبب انغماس العاصي في المعاصي، وعدم إحساسه بها، هو شهواته التي تحجب عنه ما فيها من عيوب ونقائص، فإذا انجلت هذه الغشاوة رأى الشهوات على حقيقتها، فوجّهها بما يرضي الله تعالى. وفي هذا المعنى قال: "ومن رأى المعصية بعيني الشهوة فما رآها؛ إذ فيها من العيوب ما شئت ثم ثمرتها عقوبة آجلة، وفضيحة عاجلة" (٧).
وقد بيَّن ابن الجوزي أن المعصية لها مراتب، فقال: "كلّ المعاصي
_________________
(١) مرجع سابق، يالجن. جوانب الترببة الإسلامية الأساسية. ص ٤٧٤.
(٢) سورة الحجرات، الآية ١٢.
(٣) مرجع سابق، ابن الجوزي. صيد الخاطر. ص ٢٨٠.
(٤) المرجع السابق، ص ٤١٦.
(٥) سورة الإسرء، الآية ٣٢.
(٦) مرجع سابق، ابن الجوزي. صيد الخاطر. ص ٤٢٦.
(٧) المرجع السابق، ص ٤١٥.
[ ٣٨٧ ]
قبيحة، وبعضها أقبح من بعض" (١). ثم عدّد بعضًا من المعاصي وفق درجتها فقال: "فإن الزنى أقبح الذنوب، فإنه يفسد الفرش، ويغير الأنساب، وهو بالجارة أقبح" (٢)، وقد استشهد بهذا الحديث فقال: "فقد روي في الصحيحين من حديث ابن مسعود قال: قلت يا رسول الله: أيُ ذنبٍ أعظمُ؟ قال: أن تجعلَ للهِ ندًّا وهو خلقَك. قلت: ثم أيُ، قال: أن تقتلَ ولدَك من أجلِ أن يطعمَ معك؟ قلت: ثم أيُّ، قال: أن تزاني حليلةَ جارِك" (٣).
وقد بيَّن ابن الجوزي الحكمة من تشديد عقوبة الزنى مع الجارة، بقوله: "وإنما كان هذا، لأنه يضمُّ إلى معصية الله -﷿- انتهاك حقّ الجار" (٤). ثم يلي ذلك في قبائح الذنوب أن يزني الشيخ"، وقد استشهد بحديث رسولنا الكريم - ﷺ -: "إن اللهَ يبغضُ الشيخَ الزاني" (٥). وذلك "لأن شهوة الطبع قد ماتت، وليس فيها قوة تغلب، فهو يحركها ويبالغ، فكانت معصيته عنادًا" (٦). وذكر بعض المعاصي أيضًا. فقال: "ومن المعاصي التي تشبه المعاندة لبس الحرير والذهب، خصوصًا خاتم الذهب الذي يتحلّى به الشيخ، وأنه من أبرد الأفعال وأقبح الخطايا" (٧). وقال: "وكذلك المعاملة بالربا الصريح، خصوصًا من الغني الكثير المال" (٨)
_________________
(١) المرجع السابق، ص ٢٨٠.
(٢) المرجع السابق، ص ٢٨٠.
(٣) مرجع سابق، العسقلاني. فتح الباري بشرح صحيح البخاري. الجزء الثامن، ص ١٦٣، كتاب التفسير، باب قوله تعالى: ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾، حديث رقم ٤٤٧٧. وقد ورد بلفظ: "حديث عبد الله بن مسعود قال: سألت النبي - ﷺ - أي الذنب أعظم عند الله؟ قال: "أن تجعل الله نِدًا وهو خلقك". قلت: إن ذلك لعظيم، قلت. ثم أي؟ قال: وأن تقتل ولدك تخاف أن يطعم معك. قلت: ثم أي؟ قال: أن تزاني حليلة جارك".
(٤) مرجع سابق، ابن الجوزي. صيد الخاطر. ص ٢٨١.
(٥) المرجع السابق، ص ٢٨١.
(٦) المرجع السابق، ص ٢٨١.
(٧) المرجع السابق، ص ٢٨١.
(٨) المرجع السابق، ص ٢٨١.
[ ٣٨٨ ]
وقال: "ومن أقبح الأشياء أن يطول المرض بالشيخ الكبير، ولا يتوب من ذنب، ولا يعتذر من زلةٍ، ولا يقضي دينًا، ولا يوصي بإخراج حقٍّ عليه" (١). وقال أيضًا: "ومن قبائح الذنوب أن يتوب السارقُ أو الظالم ولا يردّ المظالم، والمفرِّطُ في الزكاة أو في الصلاة ولا يقضي. ومن أقبحها أن يحنث في يمين طلاقه ثم يقيم مع المرأة" (٢).
وبعد أن عدّد ابن الجوزي بعض المعاصي، التي يعتبرها من قبائح الذنوب، بيَّن معنى المغفرة، فقال: "من هفا هفوةً لم يقصدها ولم يعزم عليها قبل الفعل ولا عزم على العود بعد الفعل، ثم انتبه لما فعل فاستغفر الله، كان فعله وإن دخله عمدًا في مقام خطأ" (٣). ثم مثَّل لهذا المعنى بقوله: "مثل أن يعرض له مستحسن فيغلبه الطبع، فيطلق النظر ويتشاغل في حال نظره بالتذاذ الطبع عن تلمُّح معنى النهي، فيكون كالغائب أو كالسكران، فإذا انتبه لنفسه ندم على فعله، فقام الندم بغسل تلك الأوساخ التي كانت كأنها غلطة لم تُقصد. فهذا معنى قوله تعالى: ﴿إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ﴾ (٤). فأما المداوم على تلك النظرة المردّد لها، المصرّ عليها، فكأنه في مقام متعمد للنهي، مبارز بالخلاف، فالعفو يبعد عنه بمقدار إصراره. ومن البعد أن لا يرى الجزاء على ذلك" (٥).
ويرى ابن الجوزي أن عقوبة الإصرار على المعاصي "أن لا يحس المعاقب بالعقوبة. وأشد من ذلك أن يقع السرور بما هو عقوبة كالفرح بالمال الحرام، والتمكن من الذنوب" (٦).
ثم عدَّد ابن الجوزي الأسباب التي تدعو الإنسان إلى المعصية، وترك المبادرة إلى التوبة من هذه المعاصي، فذكر ثلاثة أسباب وعلاجها، فقال فيها:
_________________
(١) المرجع السابق، ص ٢٨١.
(٢) المرجع السابق، ص ٢٨١.
(٣) المرجع السابق، ص ١٧٩.
(٤) سورة الأعراف، الآية ٢٠.
(٥) مرجع سابق، ابن الجوزي. صيد الخاطر. ص ١٧٩.
(٦) المرجع السابق، ص ١٤.
[ ٣٨٩ ]
"أحدها: رؤية الهوى العاجل فإن رؤيته تشغل عن الفكر فيما يجنيه.
والثاني: التسويف بالتوبة، فلو حضر العقل لحذّر من آفات التأخير، فربما هجم الموت ولم تحصل التوبة. والعجب ممن يجوز سلب روحه قبل مضي ساعة ولا يعمل على الحزم، غير أن الهوى يطيل الأمد، وقد قال صاحب الشرع - ﷺ -: "صل صلاةَ مودع". وهذا نهاية الدواء لهذا الداء؛ فإنه من ظن أنه لا يبقى إلى صلاة أخرى جدّ واجتهد".
والثالث: رجاء الرحمة فيُرى العاصي يقول: ربي رحيم، وينسى أنه شديد العقاب. ولو علم أن رحمته ليست رقة؛ إذ لو كانت كذلك لما ذبح عصفورًا ولا آلم طفلًا، وعقابه غير مأمون، فإنه شَرَّعَ قطع اليد الشريفة بسرقة خمسة دراهم، لجدَّ وأناب" (١).
وقد بيَّن ابن الجوزي أن للمعاصي آثارًا مذمومةً مضرةً بالقلب والبدن في الدنيا والآخرة، فقال: "الذنوب تغطّي على القلوب، فإذا أظلمت مرآة القلب لم يبِنْ فيها وجه الهدى" (٢) وقال: "كم من معصيةٍ لا يزال صاحبها في هبوطٍ أبدا مع تعثير أقدامه، وشدة فقره وحسراته على ما يفوته من الدنيا، وحسده لمن نالها" (٣). وقوله: "من العجب إلحاحك في طلب أغراضك، وكلما زاد تعويقها زاد إلحاحك. وتنسى أنها قد تمتنع لأحد أمرين: إما لمصلحتك فربما معجل آذى، وإما لذنوبك فإن صاحب الذنوب بعيد من الإجابة" (٤).
والعلاج التربوي لهذه المعاصي والآثام، هو التوبة الصادقة النصوح، التي تقوي الإرادة الخيرة، وتقمع النفس المحبة للشهوات، وتطهر القلب والجوارح من الآثام، فتندفع النفس لمرضاة الله تعالى، والتقرب منه بالطاعات.
_________________
(١) المرجع السابق، ص ٣٥١.
(٢) مرجع سابق، ابن الجوزي. التبصرة. الجزء الأول، ص ٢٥.
(٣) مرجع سابق، ابن الجوزي. صيد الخاطر. ص ١٩٣.
(٤) المرجع السابق، ص ١٩١.
[ ٣٩٠ ]
قال ابن الجوزي في التوبة، موثقًا كلامه بالآيات القرآنية، والأحاديث النبوية: "قد أمر الله ﷾ بالتوبة، فقال: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا﴾ (١). ووعد بالقبول فقال: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ﴾ (٢). وفتح باب الرجاء (٣) فقال: ﴿لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ (٤). واستشهد ابن الجوزي بقوله - ﷺ -: "للهُ أفرحُ بتوبةِ عبدهِ المؤمنِ من رجل نزلَ بأرض دَويّةٍ (مهلكة) معه راحلتُه، فطلبَها حتى إذا أدركهُ الموتُ. قال: أرجعُ إلى مكاني الذي أضللتُها فيه فأموتُ فيه، فأتى مكانَه فغلبتْه عيناه، فاستيقظَ فإذا راحلتُه عند رأسِه عليها طعامُه وشرابُه وزادُه وما يصلِحُه، فاللهُ أشدُ فرحًا بتوبةِ عبدهِ المؤمنِ من هذا براحلتِه وزاده" (٥).
ثم وضح ابن الجوزي معنى التوبة النصوح من خلال عرضه للأقوال التالية: "قال عمر بن الخطاب: التوبة النصوح أن يتوب العبد من الذنب وهو يحدِّث نفسه أن لا يعود. وسئل الحسن البصري عن التوبة النصوح فقال: ندم بالقلب، واستغفار باللسان، وترك الجوارح، وإضمار أن لا يعود. وقال ابن مسعود: التوبة النصوح تكفر كلَّ سيئة" (٦). وقرأ الآية: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا﴾ (٧).
أما حقيقة التوبة في نظر ابن الجوزي، فهي كما قال: "ليست التوبة نطق اللسان، إنما هي ندم القلب، وعزمه أن لا يعود" (٨). وقد قال أيضًا في حقيقتها: "أتعتقد أن التوبة قول باللسان، إنما التوبة نار تحرق الإنسان. جرد قلبك من الأقذار، ثم ألبسه الاعتذار، ثم حَلهِ حُلة الانكسار، ثم أقمه على باب الدار" (٩).
_________________
(١) سورة النور، الآية ٣١.
(٢) سورة الشورى، الآية ٢٥.
(٣) مرجع سابق، ابن الجوزي. التبصرة. الجزء الأول، ص ٢٤.
(٤) سورة الزمر، الآية ٥٣.
(٥) مرجع سابق، العسقلاني. الباري بشرح صحيح البخاري. الجزء الحادي عشر، ص ١٠٢، كتاب الدعوات، باب التوبة، حديث رقم ٦٣٠٨.
(٦) مرجع سابق، ابن الجوزي. التبصرة. الجزء الأول، ص ٣٥٩ - ٣٦٠.
(٧) سورة التحريم، الآية ٨.
(٨) مرجع سابق، ابن الجوزي. التبصرة. الجزء الأول، ص ٣٢٩.
(٩) المرجع السابق، الجزء الأول، ص ٣٦٢.
[ ٣٩١ ]
وحتى تُقبل التوبة، لابد لها من شروط لصحتها، قال ابن الجوزي في ذلك: "ومن شروط صحتها: أن تكون قبل معاينة أمور الآخرة، فمن باشره العذاب أو عاينه فقد فات موسم القبول، فاستدرِكوا قبل المفاجأة بالفوات الذي لا يؤمنَ" (١).
وتختلف النفس البشرية في درجة معصيتها ثم توبتها من فرد لآخر. وقد صنف ابن الجوزي التائبين إلى فريقين من الناس، الأول قال فيه: "إن التائب الصادق كلما اشتد ندمه زاد مقته لنفسه على قبح زلته، فمنهم من قوي مقته لها، ورأى تعريضها للقتل مباحًا في بعض الأحوال فعرَّضها له، كما فعل ماعز والغامدية" (٢). وقد وثق ابن الجوزي كلامه بقصة زنى ماعز واعترافه بذلك، ثم رجمه حتى الموت، وقول الرسول - ﷺ - في توبته: "لقد تابَ توبة لو قُسِمتْ بين أمةٍ لوسعتْهم" (٣). وقوله - ﷺ - في الغامدية عندما اعترفت بالزنى فرجمت: "لقد تابتْ توبةً لو تابها صاحب مكس لغفر له" (٤).
فمدح ابن الجوزي هذه الفئة من التائبين بقوله: "فانظر إلى مقت هؤلاء أنفسهم حتى أسلموها إلى الهلاك غضبًا عليها لما فعلت" (٥).
أما الفئة الأُخرى من التائبين، فقد قال فيهم: "ومن التائبين من لم يجز له التعريض بقتلها، فكان ينغص عيشها" (٦). وقد قص ابن الجوزي هذه القصة لتأكيد قوله، فقال: "قال بعض السلف: رأيت ضيغمًا
_________________
(١) المرجع السابق، الجزء الأول، ص ٣٢٩.
(٢) المرجع السابق، الجزء الأول، ص ٣٦٠.
(٣) المرجع السابق، الجزء الأول، ص ٣٦١ وكذلك، مرجع سابق، النيسابوري. صحيح مسلم. الجزء الثالث، ص ١٣٢٢، كتاب الحدود، باب من اعترف على نفسه بالزنى، حديث رقم (٢٢ - ١٦٩٥).
(٤) مرجع سابق، ابن الجوزي. التبصرة. الجزء الأول، ص ٣٦١ وكذلك، مرجع سابق، النيسابوري. صحيح مسلم. الجزء الثالث، ص ١٣٢٤، كتاب الحدود، باب من اعترف على نفسه بالزنى حديث رقم (٢٤ - ١٦٩٦).
(٥) مرجع سابق، ابن الجوزي. التبصرة. الجزء الأول، ص ٣٦١.
(٦) المرجع السابق، الجزء الأول، ص ٣٦١.
[ ٣٩٢ ]
العابد، قد أخذ كوزًا من ماءٍ بارد، فصبه في الحبّ واكتال غيره، فقلت له في ذلك، فقال: نظرت نظرةً وأنا شاب، فجعلت على نفسي ألا أذيقها الماء البارد، أنغص عليها أيام الحياة" (١).
يؤخذ على ابن الجوزي قَصِّهِ لهذه القصة التي تخالف المنهج التربوي الإِسلامي، الذي لا يجيز تحريم الطيبات التي أباحها الله تعالى، لزجر النفس البشرية وعقابها، إلى حدّ الحرمان من المباحات التي جعل الله فيها عونًا للعبد على عبادته وطاعته. قال الله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ (٢). وكان الأحرى به وهو عالم جليل، سبق أن وضحنا رأيه السديد في تهذيب النفس البشرية وتربيتها على مبدأ الاعتدال، أن يرشد إلى أن تنغيص العيش، ينبغي أن يكون عن طريق المحاسبة والمجاهدة لهذه النفس العاصية، الأمّارة بالسوء، حتى تصل إلى النفس اللوامة ثم إلى النفس المطمئنة، بدلًا من حرمانها من المباحات، فلا تقوى على الطاعات.