هناك بعض الآراء التربوية التي استقاها ابن الجوزي من طرق علم
_________________
(١) مرجع سابق، ابن الجوزي. صيد الخاطر. ص ٨٧.
(٢) مرجع سابق، خلّاف. علم أصول الفقه. ص ٢١٦.
(٣) الدمشقي، شهاب الدين، أبو العباس، الحنبلي، الحراني، وآخرون. المسودة في أصول الفقه. (تحقيق) عبد الحميد، محمد، محي الدين، بيروت، دار الكتاب العربي، دون طبعة وتاريخ، ص ٥.
[ ٤٧١ ]
المنطق وعلم الكلام. وهي أربعة طرق هي: القياس، والاستقراء، والتمثيل والحدس.
والاستقراء هو "ملاحظة الظواهر الجزئية والارتفاع منها إلى قانون عام" (١)، أو كما يقول الإمام الغزالي: "أن نتصفح جزئيات كثيرة داخلة تحت معنى كليّ، حتى إذا وجدت حكمًا في تلك الجزئيات حكمت على ذلك الكليّ به" (٢). فهو انتقال من الحقائق المحسوسة الجزئية، إلى التفسير والتعليل" (٣).
قال ابن الجوزي متبعًا منهج الاستقراء، وهو الوصول من الجزء إلى الكل: "وأول ما ينبغي النظر فيه: معرفة الله تعالى بالدليل، ومعلوم أن من رأى السماء مرفوعة، والأرض موضوعة، وشاهد الأبنية المحكمة، خصوصًا في جسد نفسه، علم أنه لابد للصنعة من صانع، وللمبني من بان" (٤).
كذلك استخدم الاستقراء المحسوس (الذي عبر عنه البعض بالمنطق الفطري) فقال: "إن الله -﷿- وضع في النفوس أشياء لا تحتاج إلى دليل، فالنفوس تعلمها ضرورة وأكثر الخلق لا يحسنون التعبير عنها. فإنه وضع في النفس أن المصنوع لابد له من صانع، وأن المبني لابد له من بان، وأن الاثنين أكثر من الواحد، وأن الجسم الواحد لا يكون في مكانين في حالة واحدة" (٥).
وقال ابن الجوزي أيضًا، متبعًا منهج الاستدلال العقلي: "من أكبر
_________________
(١) مرجع سابق، العثمان، عبد الكريم. الدراسات النفسية عند المسلمين والغزالي بوجه خاص. ص ٣٥٢.
(٢) الغزالي، أبو حامد، محمد، محمد، بن محمد. معيار العلم في فن المنطق. (حققه وخرَّج أحاديثه) أبو العلا، محمد، مصطفى، القاهرة، مكتبة الجندي، طبعة عام ١٣٩٢ هـ -١٩٧٢ م، ص ١٢٩.
(٣) مرجع سابق، العثمان، عبد الكريم. الدراسات النفسية عند المسلمين والغزالي بوجه خاص. ص ٣٥٢.
(٤) مرجع سابق، ابن الجوزي. لفتة الكبد إلى نصيحة الولد. ص ٤٤.
(٥) مرجع سابق، ابن الجوزي. صيد الخاطر. ص ٢٤٩.
[ ٤٧٢ ]
الدليل على وجود الخالق سبحانه هذه النفس الناطقة المميزة المحركة للبدن على مقتضى إرادتها، فقد دبرت مصالحها، وترقت إلى معرفة الأفلاك، واكتسبت ما أمكن تحصيله من العلوم، وشاهدت الصانع في المصنوع، فلم يحجبها ستر وإن تكاثف ولا يعرف مع هذا ماهيتها ولا كيفيتها ولا جوهرها ولا محلها. ولا يفهم من أين جاءت، ولا يدري أين تذهب، ولا كيف تعلقت بهذا الجسد؟ وهذا كله يوجب عليها أن لها مدبرًا وخالقًا، وكفى بذلك دليلًا عليه. إذ لو كانت وجدت بها لما خفيت أحوالها" (١).