يرى ابن الجوزي أن للأذكياء والحمقى صفات يستدل بها عليهم، وقد قسمها قسمين:
١ - القسم الأول: من حيث الصورة.
٢ - القسم الثاني: من حيث الخصال والأفعال.
١ - القسم الأول: من حيث الصورة:
ويقصد بها الصفات التي يتصف بها كل من الأحمق والذكي، وقد استشهد ابن الجوزي بأقوال الحكماء، الذين ربطوا بين شكل الإنسان والحمق، فقال: "إذا كان الرأس صغيرًا رديء الشكل دل على رداءةٍ في هيئة الدماغ. . . وحسن الصوت دليل على الحمق وقلة الفطنة، واللحم الكثير الصلب دليل على غلظ الحِس والفهم، والغباوة والجهل في الطوال أكثر. ومن العلامات التي لا تخطئ طول اللحية، فإن صاحبها لا يخلو من الحمق" (٥).
_________________
(١) مرجع سابق، ابن الجوزي. صيد الخاطر. ص ٤١٩.
(٢) المرجع السابق، ص ٤١٩.
(٣) مرجع سابق، ابن الجوزي. أخبار الحمقى والمغفلين. ص ١٦.
(٤) المرجع السابق، ص ٢٥.
(٥) المرجع السابق، ص ٢٨ - ٢٩.
[ ٢٨٩ ]
أما الصفات الجسمية التي يستدل بها على الأذكياء، فقد استشهد بشأنها بأقوال الحكماء قائلا: "الخلق المعتدل والبنية المتناسبة دليل على قوة العقل وجودة الفطنة، وإذا غلظت الرقبة دلت على قوة الدماغ، ووفوره، ومن كانت عينه تتحرك بسرعةٍ وحدةٍ فهو مكّار محتال لص، وأحمد العيون الشُّهل، وإذا لم تكن الشهلاء شديدة البريق، ولا يظهر عليها صفرة ولا حمرة دلت على طبعٍ جيدٍ، وإذا كانت العين صغيرةً غائرةً فصاحبها مكار حسود، ومن كان نحيف الوجه فهو فهيم بالأمور، واللطف في النِّحاف والقصار أظهر، والمعتدلون في الطول صالحو الحال" (١).
إن استشهاد ابن الجوزي بهذه الصفات، يؤكد على أن هناك علاقةً بين الذكاء والصفات الجسمية في رأيه، وهذا مخالف لما أثبتته الدراسات النفسية التجريبية، التي حاول فيها الباحثون "بحث قضية ذكاء الإنسان وقياسه، فحاول البعض الربط بين الذكاء وتضاريس الجمجمة أو اتساع الجبهة، وحاول البعض الآخر قياسه عن طريق قياس بعض السمات الشخصية، مثل درجة الحساسية للألم، والقدرة على التمييز الحسي، ثم ما لبث العلماء أن كشفوا عن خطأ هذه الاعتبارات" (٢). كذلك "دلت نتائج الأبحاث التجريبية الإحصائية التي أجراها جولتون على فراسة الجمجمة وبيرسون على مقاييس فراسة الوجه، وجورنج على التشوهات الخلقية بين المجرمين على خطأ هذه الوسيلة وفشلها في قياس الذكاء والمواهب العقلية الأخرى" (٣).
وقبل أن تؤكد هذه الأبحاث والدراسات النفسية ذلك، فإنه لم ترد آيات قرآنية أو أحاديث نبوية، تبين أن هناك علاقةً وارتباطًا وثيقين بين القدرات العقلية والصفات الجسمية.
٢ - القسم الثاني: من حيث الخصال والأفعال:
وقد ذكر فيها ابن الجوزي الصفات السلوكية والخلقية، التي يستدل
_________________
(١) مرجع سابق، ابن الجوزي. الأذكياء. ص ٨.
(٢) مرجع سابق، السمالوطي. الإسلام وقضايا علم النفس الحديث. ص ١٦٨.
(٣) مرجع سابق، السيد، فؤاد، البهي. الذكاء. ص ١٠٨.
[ ٢٩٠ ]
بها على الأحمق فقال: "ترك نظره في العواقب، وثقته بمن لا يعرفه ولا يخبره، ومنها أنه لا مودة له، ومنها العجب وكثرة الكلام" (١)، كذلك من "علامات الأحمق خلوّه عن العلم أصلًا، فإن العقل لابد أن يحرك إلى اكتساب شيءٍ من العلم وإن قلَّ، فإذا علا السن ولم يحصِّل شيئًا من العلم دلّ على الحمق" (٢).
أما العلامات التي يستدل بها على عقل العاقل من خلال تصرفاته وأفعاله وأحواله فقال ابن الجوزي بشأنها "يستدل على عقل العاقل بسكونه وسكوته وخفض بصره، وحركاته في أماكنها اللائقة بها، ومراقبته للعواقب، فلا تستفزّه شهوة عاجلة عقباها ضرر، وتراه ينظر في القضاء فيخير الأعلى والأحمد عاقبة من مطعم ومشرب وملبس وقولٍ وفعلٍ، ويترك ما يخُاف ضرره، ويستعد لما يجوز وقوعه" (٣).
وتأكيدًا لرأي ابن الجوزي، نقول قد وافقه د. عبد الرحمن صالح بقوله: "إن الأقوال والأفعال الصادرة عن المرء معايير صادقة للحكم على مدى رجحان عقله؛ فالذي يدرك العوامل الماثلة في الموقف والنتائج المترتبة عليها، ويتصرف وفقًا لذلك إنسان عاقل بخلاف من يغتر بظواهر الأمور ولا يتريث عند اختيار الحلّ المناسب للمشكلة الراهنة" (٤).