سبق أن حددنا في الفصل الأول من الباب الثالث، معنى العاطفة، وفي هذا المبحث، سنوضح أهمية العواطف الإنسانية في تغيير السلوك وتوجيهه وضبطه. وفي ذلك يقول د. مصطفى فهمي: "إن للعواطف أهمية كبرى في توجيه السلوك، فهي في نظرنا عبارة عن وحدة الخلق" (٥). وحتى تكون العواطف قوية إيجابية لتغيير السلوك وتوجيهه، لابد من عاطفتي الحب والخوف من الله -﷿-، باعتبارهما "من أكبر الدوافع والحوافز التي يمكن استخدامها في عمل الخيرات، وتنفيذ المأمورات وترك الشرور والمنهيات" (٦).
وقد استخدم المنهج التربوي الإِسلامي عاطفتي الحب والخوف من الله تعالى بتوازن واعتدال، فالهدف من حب الله طاعته واتباع شرعه.
_________________
(١) المرجع السابق، الجزء الأول، ص ٦٠.
(٢) المرجع السابق، الجزء الأول، ص ٦٠.
(٣) المرجع السابق، الجزء الأول، ص ٦٠.
(٤) المرجع السابق، الجزء الأول، ص ٦٠.
(٥) فهمي، د. مصطفى. الصحة النفسية. القاهرة، مكتبة الخانجي، الطبعة الثانية، ١٤٠٧ هـ - ١٩٨٧ م، ص ٣٤٩.
(٦) مرجع سابق، يالجن. جوانب التربية الإِسلامية الأساسية. ص ١٧١.
[ ٣٣١ ]
قال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ (١). وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ (٢). وقال الرسول - ﷺ -: "ثلاثٌ من كن فيه وجدَ حلاوةَ الإيمانِ، أن يكون اللهُ ورسولُه أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرءَ لا يحبُه إلا للهِ، وأن يكرَه أن يعودَ في الكفرِ كما يكرهُ أن يُقذفَ في النارِ" (٣). والهدف من الخوف من الله تعالى اجتناب نواهيه، وترك معاصيه، وهذه العاطفة تحمي الإنسان من الوقوع في الرذيلة والمعاصي. قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ (٤).
وقد كان لابن الجوزي رأي في عاطفتي الحب والخوف من الله تعالى، لتأثيرهما الفعال في توجيه السلوك وضبطه بطاعة الله تعالى ومحبته والخوف منه. فقال في معنى محبة الله تعالى: "تأملتُ قوله تعالى: ﴿يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ (٥). فإذا النفس تأبى إثبات محبة للخالق توجب قلقًا، وقالت: محبته طاعته، فتدبرتُ ذلك، فإذا بها قد جهلت ذلك لغلبة الحسّ. وبيان هذا: إن محبة الحس لا تتعدى الصور الذاتية، ومحبة العلم والعمل ترى الصور المعنوية فتحبها" (٦).
ثمَّ بيَّن ابن الجوزي كيف تقع المحبة في نفوس الناس، فقال: "فإنا نرى خلقًا يحبون أبا بكر - ﵁ -، وخلقًا يحبون عليًا بن أبي طالب - ﵁ -، وقومًا يتعصبون لأحمد بن حنبل، وقومًا للأشعري، فيقتتلون ويبذلون النفوس في ذلك. وليسوا ممن رأى صور القوم، ولا صور القوم توجب المحبة. ولكن لمّا تصورت لهم المعاني فدلَّتهم على كمال القول في العلوم، وقع الحب لتلك الصور التي شوهدت بأعين البصائر" (٧). ثم يتساءل ابن الجوزي ليصل إلى حقيقة
_________________
(١) سورة آل عمران، الآية ٣١.
(٢) سورة النور، الآية ٥٢.
(٣) مرجع سابق، العسقلاني. فتح الباري بشرح صحيح البخاري. الجزء الأول، ص ٦٠، كتاب الإيمان، باب حلاوة الإيمان، حديث رقم ١٦.
(٤) سورة النساء، الآية ١٤.
(٥) سورة المائدة، الآية ٥٤.
(٦) مرجع سابق، ابن الجوزي. صيد الخاطر. ص ٤٤.
(٧) المرجع السابق، ص ٤٤.
[ ٣٣٢ ]
المحبة لله تعالى: "فكيف بمن صنع تلك الصور المعنوية وابتدأها؟ " (١) ألا يستحق أن يكون الحب كله له. . . ويُقصدُ بكل عمل وجهه ﷻ.
فيردّ على سؤاله، بإجابة تعمق حب الله تعالى في النفوس، فقال: "وكيف لا أحب من وهب لي ملذوذات حسي وعرفني ملذوذات علمي؟ فإن التذاذي بالعلم وإدراك العلوم أَولى من جميع اللذات الحسية، فهو الذي علمني وخلق لي إدراكًا وهداني إلى ما أدركته" (٢). ثم يواصل ابن الجوزي في سرد نعم الله تعالى التي تثمر المحبة في القلوب. فيقول: "ثمَّ إنه يتجلى لي في كل لحظة في مخلوق جديد، أراه فيه بإتقان ذلك الصنع، وحسن ذلك المصنوع. فكل محبوباتي منه، وعنه، وبه، الحسية والمعنوية، وتسهيل سبل الإدراك به، والمدركات منه، وألذ من كل لذةٍ عرفاني له، فلولا تعليمه ما عرفته. وكيف لا أحب من أنا بِهِ، وبقائي منه، وتدبيري بيده، ورجوعي إليه، وكل مستحسن محبوب هو صَنَعَه وحسَّنه وزيَّنه وعطف النفوس إليه. . . ." (٣) ثم بيَّن ابن الجوزي مقامات المحبة، فقال: "وعلى قدر رؤية الصانع يقع الحب له. فإن قوي أوجب قلقًا وشوقًا. وإن مال بالعارف إلى مقام الهيبة أوجب خوفًا. وإن انحرف به إلى تلمح الكرم أوجب رجاءً قويًا" (٤). وقد استقى ابن الجوزي هذه المقامات الثلاثة، التي تعتبر أساس السلوك والسير إلى الله، من قول الله تعالى (وهو لم يستشهد بهذه الآية هنا): ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا * أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا﴾ (٥).
ثمَّ بين ابن الجوزي الطريقة التربوية السليمة لغرس محبة الله تعالى في القلوب، عن طريق التفكر في مخلوقات الله تعالى، وعجائب قدرته
_________________
(١) المرجع السابق، ص ٤٤.
(٢) المرجع السابق، ص ٤٤.
(٣) المرجع السابق، ص ٤٥.
(٤) المرجع السابق، ص ٤٥.
(٥) سورة الإسراء، الآيتان ٥٦ - ٥٧.
[ ٣٣٣ ]
العظيمة، والاشتغال بالعلم والعمل لله وحده، وذلك بالإضافة إلى حفظ الحدود الشرعية، والتكاليف الإلهية التي أمر بها ﷻ، مع دوام ذكره ودعائه واللجوء إليه في كل الأحوال. فهذه أقواله في ذلك: "كلما أوغلت المفهوم في معرفة الخالق، فشاهدت عظمته ولطفه ورفعته، تاهت في محبته فخرجت عن حد الثبوت" (١). وقوله: "ولينظر في سير الكاملين من السلف، وليتشاغل بالعلم فإنه الدليل. فحينئذ يحمله الأمر على الخلوة بربه، والاشتغال بحبه، فيكون ما ظهر منه ثمرة نضجةً لا فجّة" (٢). وقال: "ينبغي أن يكون العمل كله لله ومعه ومن أجله. وقد كفاك كل مخلوق وجلب لك كل خير. وإياك أن تميل عنه بموافقة هوى وإرضاء مخلوق، فإنه يعكس عليك الحال ويفوتك المقصود، وفي الحديث: "من أرضى الناسَ بسخطِ اللهِ عاد حامدُه من الناسِ ذامًا". وأطيب العيش عيش من يعيش مع الخالق سبحانه" (٣). ثمَّ يتابع ابن الجوزي في عرض الأسباب الجالبة لمحبة الله تعالى فيقول: "فإن قيل: كيف يعيش معه؟ قلت: بامتثال أمره، واجتناب نهيه، ومراعاة حدوده، والرضى بقضائه، وحسن الأدب في الخلوة، وكثرة ذكره، وسلامة القلب من الاعتراض في أقداره. فإن احتجت سألته، فإن أعطى وإلا رضيت بالمنع، وعلمت أنه لم يمنع بخلًا، وإنما نظرًا لك. ولا تنقطع عن السؤال لأنك تتعبد به، ومتى دمت على ذلك رزقك محبتهُ وصدق التوكل عليه، فصارت المحبة تدلك على المقصود، وأثمرت لك محبته إياك، فتعيش عيشة الصدّيقين" (٤).
وابن الجوزي في آرائه لمحبة الله تعالى، يستخدم الأسلوب الاستفهامي، الذي يثير في النفس حب المعرفة للطرق والوسائل التربوية المفيدة لتعميق هذه المحبة الدافعة إلى الالتزام بكل ما أمر، والابتعاد عن كل ما نهى. وهذا الأسلوب فعّال في إثارة النفس، ومخاطبة الوجدان، وإقناع العقل بضرورة محبة الخالق ﷻ.
_________________
(١) مرجع سابق، ابن الجوزي. صيد الخاطر. ص ٤١٧.
(٢) المرجع السابق، ص ٤٣٣.
(٣) المرجع السابق، ص ٤٥١.
(٤) المرجع السابق، ص ٤٥١.
[ ٣٣٤ ]
ثم بيَّن ابن الجوزي رأيه في الخوف من الله تعالى، مؤكدًا أن معرفة الله تعالى، هي التي تولد الخوف منه في النفس البشرية. فقال في ذلك: "ما عرفه إلا من خاف منه، فأما المطمئن فليس من أهل المعرفة" (١) وقال: "ولو أنهم تأملوا عظمته وهيبته ما انبسطت كفُّ بمخالفته" (٢). ثمَّ أرشد ابن الجوزي للطريقة التي تولّد هذا الخوف من الله تعالى فقال: "وليكن المتيقظ على انزعاج، محتقرًا للكثير من طاعاته، خائفًا على نفسه من تقلباته، ونفوذ الأقدار فيه" (٣). ثمَّ ينصحه قائلًا: "وملاحظة أسباب الخوف أدنى إلى الأمن من ملاحظة أسباب الرَّجاء. فالخائف آخذٌ بالحزم، والراجي متعلق بحبل طمع، وقد يخلف الظن" (٤).
وقد استقى ابن الجوزي رأيه من قول الله تعالى (وإن لم يستشهِد بذلك فيما أطلعت عليه): ﴿أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ﴾ (٥). وقول الله تعالى فيمن دفعه خوفه إلى سلوك طريق المتقين: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾ (٦).