إن طبيعة النفس البشرية -كما سبق ذكرها- طبيعة مزدوجة تجمع بين المادة والروح، ومن خلال امتزاج هذين العنصرين نتجت لدينا دوافع وصفات إنسانية متعددة ومتباينة ومتداخلة، لها وظائفها المختلفة في ربط الكائن البشري بالحياة وعمارة الأرض لتحقيق العبودية لله تعالى.
وقد كان لابن الجوزي رأيه في الطبيعة البشرية كما خلقها الله تعالى، فقال: "جواذب الطبع إلى الدنيا كثيرة، ثم هي من داخل، وذكر الآخرة أمر خارج عن الطبع، ثم هي غيب، وربما ظنّ من لا علم له أن جواذب الآخرة أقوى، لما يسمع من الوعيد في القرآن. وليس كذلك لأن مثل الطبع في ميله إلى الدنيا، كالماء الجاري يطلب الهبوط وإنما رفعه إلى فوق يحتاج إلى التكلّف" (٢).
وتأمُّل قول ابن الجوزي يدلّ على أن الطبيعة البشرية تمتلك طاقات ضخمة وهبها الله تعالى للإنسان، إلا أن هذه الطاقات لم تحفظه من نقطة ضعف أصيلة في تكوينه النفسي وهي حب الشهوات والميل إليها، وهذا الميل والحب للمتع الدنيوية قوي يطلب الهبوط بالإِنسان، فهو يحتاج إلى
_________________
(١) مرجع سابق، السمالوطي، د. نبيل، محمد، توفيق. الإسلام وقضايا علم النفس الحديث. ص ٩٦.
(٢) مرجع سابق، ابن الجوزي. صيد الخاطر. ص ١٢.
[ ١٢٣ ]
جهد، ومجاهدة للإعلاء من هذه الشهوات وتهذيبها حسب المنهج التربوي الإِسلامي، وهنا كما يقول الأستاذ محمد قطب: "تتجلى رحمة الله بعباده .. إنه لا يريدهم على المستحيل. وهو يعلم أن الطلاقة الدائمة الكاملة بالنسبة للبشر مستحيل. فقبضة الطين لها ثقله. ودفعة الشهوة لها قوه. وثقلة المادة لها ضغط" (١). ومن ثم يقول الله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ (٢) ويقول: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ (٣).
أ- الهوى من حيث حقيقته وعلاجه (٤)
من خصائص النفس البشرية الهوى، ويتفرع منه جميع الشهوات الإِنسانية على اختلافها وتعددها وتنوعها.
ويطلق الهوى على مجموع الشهوات البشرية في النفس الإنسانية من حب الدنيا وزينتها وحب المال والجاه والسلطان .. والولد .. وشهوة النكاح .. وعمومًا كل حظوظ الدنيا.
أما معناه اللغوي كما ورد في لسان العرب: "الهوى، العشق، يكون في مداخل الخير والشر. قال اللغويون: الهَوىَ محبةُ الإنسانِ الشيء وغَلَبَهُ على قلبهِ، قال الله -﷿-: ﴿وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى﴾ (٥)، معناه نهاها عن شهواتها وما تدعو إليه من معاصي الله -﷿-" (٦).
وقد عرفه ابن الجوزي بقوله: "الهوى ميل الطبع لما يلائمه" (٧).
وقد عرفه الجرجاني بقوله: "الهوى ميلان النفس إلى ما تستلذه من
_________________
(١) مرجع سابق، قطب، محمد. منهج التربية الإسلامية. الجزء الأول، ص ٤٩.
(٢) سورة التغابن، الآية ١٦.
(٣) سورة البقرة، الآية ٢٨٦.
(٤) سيناقش البحث هذا الموضوع باختصار مفيد، لأن التفصيل فيه سيقود إلى دراسة كتاب ابن الجوزي ذم الهوى. وهو يشمل خمسين بابًا، عالج فيه كل ما يتعلق بالهوى من جميع جوانبه السلبية والإيجابية.
(٥) سورة النازعات، الآية ٤٠.
(٦) مرجع سابق، ابن منظور. لسان العرب. المجلد الخامس عشر، ص ٣٧٢.
(٧) مرجع سابق، ابن الجوزي. اللطائف والطب الروحاني. ص ٩٤.
[ ١٢٤ ]
الشهوات من غير داعية الشرع" (١).
وعرَّفه ابن قيم الجوزية بقوله: "ميل النفس إلى الشيء. وفعله: هَوِيَ يَهْوَى هوىً، مثل عَمِي يَعمَى عَمّى. وأما هَوَى يَهوِيَ بالفتح فهو السقوط، ومصدره الهُوِيُّ بالضم. ويقال الهوىَ أيضًا على نفس المحبوب، واستشهد بقول الشاعر:
إن التي زعمت فؤادك ملّها خُلِقَتْ هواك كما خُلِقْت هوىً لها
ويقال: هذا هوى فلانٍ وفلانة هواه، أي مهويته ومحبوبته، وأكثر ما يستعمل في الحب المذموم ثم استشهد بقول الله تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى (٤٠) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى﴾ (٢) ثم يضيف. . . . قائلًا إنما سمي هوىّ لأنه يهوي بصاحبه. وقد يستعمل في الحب الممدوح استعمالًا مقيدًا" (٣). ومنه قول النبي - ﷺ -: "لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعًا لما جئت به" (٤).
وقد قصر البعض كلمة الهوى على الحب، وآخرون ومنهم ابن الجوزي أطلقوه على عموم ذم الهوى والشهوات، وفي ذلك يقول ابن الجوزي: "ولما كان الغالب من موافق الهوى أنه لا يقف منه على حد المنتفع، أطلق ذم الهوى والشهوات، لعموم غلبة الضرر، لأنه يبعد أن يفهم المقصود من وضع الهوى في النفس، وإذا فهم تعذر وجود العمل به وندر" (٥).
وعلى ذلك فقد وضح ابن الجوزي حقيقة الهوى بقوله: "مطلق الهوى يدعو إلى اللذة الحاضرة من غير فكر في عاقبة، ويحث على نيل
_________________
(١) مرجع سابق، الجرجاني. كتاب التعريفات. ص ٣٢٠.
(٢) سورة النازعات، الآيتان ٤٠ - ٤١.
(٣) مرجع سابق، ابن قيم الجوزية، شمس الدين، محمد بن أبي بكر. روضة المحبين ونزهة المشتاقين. ص ٢٢ - ٢٣.
(٤) البغدادي، الحنبلي، زين الدين، أبي الفرج عبد الرحمن بن شهاب الدين بن أحمد بن رجب. جامع العلوم والحكم. مؤسسة الكتب الثقافية، دون طبعة وتاريخ، الحديث الحادي والأربعون، ص ٣٣٨.
(٥) مرجع سابق، ابن الجوزي. ذم الهوى. (تحقيق) عبد الواحد، د. مصطفى، ص ١٢.
[ ١٢٥ ]
الشهوات عاجلًا، وإن كانت سببًا للألم والأذى في العاجل، ومنع لذّاتٍ في الآجل" (١).
والسبب فيما ذكر ابن الجوزي من حقيقة الهوى التي تدعو إلى الانسياق وراء الشهوات دون تفكرٍ أو ترو في عواقبه، أن الهوى يعتبر "قيدًا للعقل وعائقًا في سبيل انطلاقه وتحرره. ذلك أنه يجعل صاحبه يتأثر بعواطفه ورغباته في نظرته للأمور فيراها من زاويته الخاصة، فلا تصبح الحقيقة المجردة بغيته ومطلبه، ويجعله يصدر أحكامه على شتى الموضوعات تبعًا لحبه للشيء أو بغضه له، ويجعله يدرك الأشياء من منظور مصلحته الشخصية واعتباراته الذاتية" (٢).
وعلى هذا يمكن اعتبار الهوى هو "جماع الميول الفطرية التي تتجه بالإنسان إلى متاع الحياة الدنيا، فإذا طاوعه واتبع دواعيه أوقعه في أسر اللذات الأرضية المحسوسة حتى يصبح كل همه في أن يأكل ويتمتع كشأن البهائم، وحتى يذبل عنصره الروحي، ويَنْبَتُّ الحبل بينه وبين عالم الغيب. ولا يزال الهوى بصاحبه حتى يبطل سرّ كرامته على سائر الأشياء ويعطل تعلقاته العلوية من فرط شغله بالشهوة السفلية، بل حتى يغشى بصيرته جميعًا فلا يرى إلا ما تحت قدميه، ولا يعنى إلا بالقريب العاجل، لا ينظر في حياته لمآلاتها البعيدة، ولا يقدم شيئًا لآجلته" (٣). لذلك كان لابد من مجاهدة النفس ومخالفة الهوى، والاعتدال في إشباع الحاجات والدوافع الفطرية حتى يسير الإنسان منضبطًا في حياته دون تعثر أو انحراف، وفي ذلك يقول ابن الجَوزي: "فلا يذم هذا المقدار إذا كان المطلوب مباحًا، وإنما يذم الإفراط فيه، فمن أطلق ذم الهوى فلأن الغالب فيه ما لا يحل أو يتأول المباح بإفراطه" (٤).
_________________
(١) المرجع السابق، ص ١٢ - ١٣.
(٢) مرجع سابق، عبد العال، د. حسن. مقدمة فلسفة التربية الإسلامية. ص ١٨٨ - ١٨٩.
(٣) الترابي، حسن. الإيمان. أثره في حياة الإنسان. الكويت، دار القلم، الطبعة الأولى، ١٣٩٤ هـ- ١٩٧٤ م، ص ٥٤.
(٤) مرجع سابق، ابن الجوزي. اللطائف والطب الروحاني. ص ٩٤.
[ ١٢٦ ]
وقد وضع الله تعالى شهوة النكاح في الإِنسان لحكمة بليغة، ألا وهي استمرار تناسل وتكاثر الجنس البشري، لاستمرار الحياة الدنيوية حسب تقدير الله تعالى لها، وفي ذلك يقول ابن الجوزي: "وهذا الميل قد خُلق في الإنسان لضرورة بقائه، فإنه لولا ميله إلى المطعم ما أكل، وإلى المشرب ما شَرب، وإلى المنكح ما نكح، وكذلك كل ما يشتهيه، فالهوى مستجلب له ما يفيد، كما أن الغضب دافع عنه ما يؤذي، فلا يصلح ذم الهوى على الإطلاق، وإنما يذم المفرط من ذلك، وهو ما يزيد على جلب المصالح ودفع المضارّ" (١).
ولما كان الغالب على النفس البشرية الهوى واتباع الشهوات، فلابد من تحكيم العقل في ضبط وتوجيه الشهوات .. ومخالفة الهوى وجعل العقل واعظًا وحائلًا دون ارتكاب المعاصي .. التي تمنح الإنسان لذةً موقتة .. ومتعةً عاجلة .. يعقبهما ألمُ وحسرةً وندمُ آجل، وفي ذلك يقول ابن الجوزي: "وإذا عرف العاقل أن الهوى يصير غالبًا، وجب عليه أن يرفع كل حادثة إلى حاكم العقل، فإنه سيشير عليه بالنظر في المصالح الآجلة، ويأمره عند وقوع الشبهة باستعمال الأحوط في كفّ الهوى، إلى أن يتيقن السلامة من الشر في العاقبة" (٢).
وما من مفرط في اتباع الهوى دون تفكير وتدبر فيما يصيبه من عاجل اللذة والسعادة، وآجل العاقبة والشقاء، إلا ظلم نفسه ظلمًا عظيمًا، وخرج من دائرة الإِنسانية إلى الحيوانية المحضة، وفي ذلك يقول ابن الجوزي: "ولو زال رين الهوى عن بصر بصيرته، لرأى أنه قد شقي من حيث قدَّر السعادة، واغتَّم من حيث ظن الفرح، وألم من حيث أراد اللذة. فهو كالحيوان المخدوع بحَبِّ الفخ، لا هو نال مَا خُدع به، ولا أطاق التخلص مما وقع فيه" (٣).
وحتى يجد المفرط في اتباع الهوى، خلاصه من أسر ذله وهواه، فعليه بالعلاج التربوي الذي رآه ابن الجوزي في قوله: "فعليه بالعزم
_________________
(١) مرجع سابق، ابن الجوزي. ذم الهوى. (تحقيق) عبد الواحد، د. مصطفى، ص ١٢.
(٢) المرجع السابق، ص ١٣.
(٣) المرجع السابق، ص ١٣ - ١٤.
[ ١٢٧ ]
القوي في هجران ما يؤذي، والتدرج في ترك ما لا يؤمَن أذاه" (١).
وقد جعل ابن الجوزي علاج الهوى على مرحلتين:
الأولى: العزم الصادق في ترك ما يؤذي، ومجاهدة النفس في مخالفة الهوى.
الثانية: التدرج في الإقلاع. وقد أكّد هذا المعنى الذي اشتقه ابن الجوزي من المنهج التربوي الإِسلامي، د. مقداد يالجن الذي نوه بأهمية استخدام "التدريب المتدرج على كل مبدأ من المبادئ الأخلاقية، سواء كان ذلك عند التحلي بالفضائل أو التخلي عن الرذائل: التدرج في تكوين كل فضيلة والتدرج أيضًا في ترك كل رذيلة" (٢).
وتبرز ضرورة استخدام هذا المبدأ في حال المدمن؛ فإنه لا يمكن لمدمن الشهوات أن يتركها دفعة واحدة .. وإنما لابد من التدرج في مجاهدة النفس وتطويعها بالصبر والعزم والإرادة القوية على التقليل من الشهوات، وفي أثناء هذه المجاهدة والمصابرة، لابد من تذكّر أمور سبعة أوجزها ابن الجوزي للمساعدة على علاج الهوى وهو يتم فيما يأتي:
الأول: "التفكر في أن الإِنسان لم يخُلق للهوى، وإنما هُيئ للنظر في العواقب والعمل للآجل، ويدل على هذا أن البهيمة تصيب من لذة المطعم والمشرب والمنكح ما لا يناله الإِنسان، مع عيش هنّي خالٍ عن فكرٍ وهمّ. ولهذا تساق إلى منحرها وهي منهمكة على شهواتها، لفقدان العلم بالعواقب. والآدمي لا ينال ما تناله لقوة الفكر الشاغل والهم الواغل، وضعف الآلة المستعملة. فلو كان نيل المشتهى فضيلة لما بخس حظ الآدمي الشريفَ منه، وزيد حظُّ البهائم. وفي توفير حظ الآدمي من العقل وبخس حظه من الهوى ما يكفي في فضل هذا وذم ذلك" (٣).
وفي عبارته هذه يؤكد ابن الجوزي أهمية إدراك الإنسان لوظيفته
_________________
(١) المرجع السابق، ص ١٤.
(٢) يالجن، د. مقداد. التربية الأخلاقية الإِسلامية. القاهرة، مكتبة الخانجي، الطبعة الأولى، ١٣٩٧ هـ - ١٩٧٧ م، ص ٤٣٢.
(٣) مرجع سابق، ابن الجوزي. ذم الهوى. (تحقيق) عبد الواحد، مصطفى، ص ١٤.
[ ١٢٨ ]
الأساسية في الكون .. وأنه لم يخلق عبثًا أو لإشباع الشهوات، لقول الله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦) مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ﴾ (١).
وإذا أدرك الإِنسان غاية وجوده، وسار في الأرض بمقتضى تميزه بالعقل الضابط، والمنهج القرآني الحكيم، استطاع أن يخالف هواه ويطوعه في مرضاة الله تعالى. ثم ذكر ابن الجوزي في علاجه الثاني والثالث المعنى نفسه فقال:
والثاني: أن يفكر في عواقب الهوى. فكم قد أفات من فضيلة، وكم قد أوقع في رذيلة، وكم من مطعم قد أوقع في مرض، وكم من زلة أوجبت انكسار جاهٍ وقبح ذكرٍ مع إثم!
والثالث: "أن يتصور العاقل انقضاء غرضه من هواه، ثم يتصور الأذى الحاصل عقيب اللذة" (٢). في هاتين العبارتين، يوجه ابن الجوزي إلى أهمية العقل وتدبره في إدراك عواقب ونتائج الهوى، لأنه لو تفكر الإِنسان فيما سيجنيه من لذته الحاضرة .. ومتعته العاجلة، من أسىً في نفسه، وألمٍ في قلبه، وحسرةٍ في وجدانه، وذلةٍ وانكسار عند خلقه، لما أقدم على فعله، واستعلى على هواه وطلب أجر الآخرة.
ثم ذكر في علاجيه الرابع والخامس أهمية التفكر في عواقب الهوى على الآخرين، وقياسه على نفسه ليدرك سوء نتائجه، فقال:
والرابع: أن يتصور ذلك في حق غيره، ثم يتلمح عاقبته بفكره، فإنه سيرى ما يعلم به عيبه إذا وقف في ذلك المقام.
والخامس: أن يتفكر فيما يطلبه من اللذات، فإنه سيخبره العقل أنه ليس بشيء وإنما عين الهوى عمياء" (٣) وقد استشهد ابن الجوزي بما جاء في الحديث عن ابن مسعود - ﵁ -:"إذا أعجبت أحدكم امرأة فليذكر مناتنها" (٤).
_________________
(١) سورة الذاريات، الآيتان ٥٦ - ٥٧.
(٢) مرجع السابق، ابن الجوزي. ذم الهوى. (تحقيق) عبد الواحد، مصطفى، ص ١٤.
(٣) المرجع السابق، ص ١٤.
(٤) المرجع السابق، ص ١٥.
[ ١٢٩ ]
في هذين العلاجين، يلفت ابن الجوزي نظر الإِنسان إلى أنه حتى يدرك مغبة اتباع الهوى وما يتبعه من أذى، فعليه أن يرى المفرطين في اتباع الشهوات ليدرك ما أصابهم من جراء ذلك، فيكون له رادعًا وعاصمًا من الوقوع في زلات الهوى. وحتى يدرك تمامًا أن عين الهوى عمياء عن كشف العيوب والمخاطر والذنوب.
السادس: ثم يبين ابن الجوزي في علاجه السادس وهو مخالفة الهوى والتفكر في عواقب اتباعه، حتى تكون دافعًا وحافزًا لمجاهدة النفس، فقال في ذلك: "أن يتدبر عز الغلبة وذل القهر، فإنه ما من أحد غلب هواه إلا أحس بقوة عز، وما من أحد غلبه هواه إلا وجد في نفسه ذل القهر".
السابع: وهو العلاج الأخير، أن يتفكر في فائدة المخالفة للهوى، من اكتساب الذكر الجميل في الدنيا، وسلامة النفس والعرض، والأجر في الآخرة. ثم يعكس، فيتفكر لو وافق هواه في حصول عكس ذلك على الأبد، وليفرض لهاتين الحالتين حالتي آدم ويوسف -﵉-. في لقمة هذا وصبر هذا!
أين لذة آدم التي قضاها، من هَمَّة يوسف التي ما أمضاها؟ " (١).
وبعد أن بيَّن ابن الجوزي فوائد مخالفة الهوى من الذكر الجميل في الدنيا والآخرة، وجهنا للاعتبار والاتعاظ من قصة آدم -﵇- في اتباعه هوى نفسه، بأكله من الشجرة المنهي عنها، وخروجه من الجنة وحرمانه من نعيمها، فناله ذل المسلم المتبع شهواته لولا رحمة الله تعالى به في توبته الصادقة المطهرة له من ذنوبه. ومن قصة يوسف -﵇- ومخالفته لهوى نفسه في اتباع أمر امرأة العزيز، وتفضيله السجن في طاعة الله تعالى، على الحرية في معصية الله تعالى، فنال عز المؤمن القوي المستعلي على شهواته. وقد أورد ابن الجوزي هذين المثالين ليكونا عبرة وعظة وذكرى لمن غلبت عليه شهوته .. أو غفل ونسي في زحمة مطامعه الدنيوية، فيقوم من تعثره وانحرافه بنفسٍ قويةٍ مجاهدةٍ.
_________________
(١) المرجع السابق، ص ١٥.
[ ١٣٠ ]
ب- الدوافع وتوجيهها:
حقيقة الدوافع:
يطلق على الدافع ألفاظ عدة منها الميل والفطرة والحاجة، وله تعريفات عدة منها: إنه "حالة داخلية تهيئ الفرد أو تنزع به إلى سلوك معين، ظاهرًا كان أم باطنًا التماسًا لأهداف معينة" (١).
أو هو "كل ما يدفع الإِنسان إلى القيام بسلوك معين أو تغير معين في داخل الكائن الحي أو سلوكه إزاء مواقف معينة، سواء كان هذا الدافع نابعًا من داخل الكائن الحي أم من بيئته، فهو بهذا المعنى يشمل كل الدوافع مثل الحاجات والحوافز والرغبات والميول" (٢).
وقد صنفت الدوافع بوجه عام إلى زمرتين:
إحداهما: الدوافع الفطرية التي يولد الفرد مزودًا بها مثل دافع الأكل والشرب والنكاح.
والثانية: الدوافع المكتسبة التي يكتسبها الإنسان من بيئته الاجتماعية المحيطة به. مثل الدافع إلى التعليم والتعلم، ومثل الميل إلى التعامل مع فئة من الناس.
وقد بيَّن ابن الجوزي أن الدوافع وضعت في النفس البشرية لعمارة الكون، ولقيام الإنسان بمهمة الاستخلاف، فدافع الأكل والشرب لاستمرار بقاء الإنسان، ودافع النكاح لاستمرار بقاء الجنس البشري، والدوافع الأُخرى من دفاعية وهجومية وتعلّمية لمساعدته على إقامة شرع الله تعالي. وقد أباح الله تعالى للإنسان كلّ طيبات الأرض في حدود ما شرع له، لقوله: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ
_________________
(١) العثمان، عبد الكريم. الدراسات النفسية عند المسلمين والغزالي بوجه خاص. القاهرة، مكتبة وهبة، الطبعة الثانية، ١٤٠١ هـ - ١٩٨١ م، ص ١٨١.
(٢) القاضي، د. يوسف يالجن، د. مقداد. علم النفس التربوي في الإسلام الرياض، دار المريخ، طبعة عام ١٤٠١ هـ -١٩٨١ م، ص ٣١.
[ ١٣١ ]
يَعْلَمُونَ﴾ (١). وفي ذلك يقول ابن الجوزي: "إن جميع ما وضع في الآدمي إنما وضع لمصلحته، إما لاجتلاب نفع كشهوة المطعم أو لدفع ضر كالغضب" (٢). ولما كانت هذه الدوافع "ناشئة أساسًا من التكوين المادي، وهي تدفع الإِنسان إلى الالتصاق بالحياة المادية الأرضية والانهماك في الأمور الحسية، فقد جاءت آيات كثيرة تصف طبيعة الإِنسان من هذه الناحية وانهماكه في الحياة المادية، وإخلاده إليها" (٣) وقد استشهد المؤلفان بقول الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ﴾ (٤)، وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ﴾ (٥). وفي ذلك يقول ابن الجوزي: "رأيت ميل النفس إلى الشهوات زائدًا في المقدار حتى إنها إذا مالت، مالت بالقلب والعقل والذهن، فلا يكاد المرء ينتفع بشيء من النصح" (٦)، ويقر ابن الجوزي بأهمية الدوافع في حياة الإنسان ولكن يرى تحقيقها بطريقة معتدلة ومتوازنة ومتكاملة، حتى يسير الإنسان مشبعا لدوافعه منضبطًا، مستغلًا لكل طاقاته لتكون أداة تعمير لا تدمير للكيان البشري وتكون الدوافع عونًا له في عمارتها بما يرضي الله تعالى. أما عندما تطغى شهوات الإنسان عليه كشهوة المال أو النكاح أو الجاه أو السلطان فيكون الأمر كما قال في ذلك محمد قطب: "فذلك اختلال في باطن نفسه، لا يسعده في الحقيقة وإن بدا له في أول الأمر أنه مستمتع وراض وسعيد. إنما هو في الواقع شقوة دائمة، لأنه قلق على ما عنده وراغب في المزيد، ثم هو اختلال في واقع الحياة، فكل شهوة زائدة عن الحد لا تجرف صاحبها وحده، وإنما تصيب غيره من الناس في الطريق. تصيبهم بعدوان يقع عليهم لا محالة من هذه الشهوة التي تجاوز الحدود" (٧).
_________________
(١) سورة الأعراف، الآية ٣٢.
(٢) مرجع سابق، ابن الجوزي. اللطائف والطب الروحاني. ص ٩٢.
(٣) مرجع سابق، القاضي، د. يوسف ويالجن، د. مقداد. علم النفس التربوي في الإسلام. ص ٣٣ - ٣٤.
(٤) سورة محمد، الآية ١٢.
(٥) سورة الأعراف، الآية ١٧٦.
(٦) مرجع سابق، ابن الجوزي. صيد الخاطر. ص ٥٧.
(٧) مرجع سابق، قطب، محمد. منهج التربية الإسلامية. الجزء الأول. ص ٣٢.
[ ١٣٢ ]
أنواع الدوافع بالتفصيل:
لذلك فقد حدد ابن الجوزي أنواعًا مختلفة من الدوافع، ويعدَّ منها الشهوات التي تنتج عن الشره (١)، كالشره في الطعام والشراب والجماع وجمع المال، وفيما يلتذ به من الأبنية المنقوشة، والخيل المسومة والملابس الفاخرة وغير ذلك من متاع الدنيا.
أ - رأي ابن الجوزي في دافع الطعام وتوجيهه:
وقد عالج ابن الجوزي هذه الشهوات بطريقة تبين مضارها وفوائدها وحكمتها، وقد بدأها ببيان ضرر الشره في الطعام، فقال: "إنَّ العاقل يحب أن يأكل ليبقى، والجاهل يؤثر أن يبقى ليأكل، وربَّ لقمةٍ منعت لقماتٍ وكانت سبب الهلاك، وإنما المقصود هنا زجر النفس الشرهة لتكفَّ الكف عما يؤذيها" (٢).
إن شهوة الطعام كغيرها من الشهوات (الدوافع الفطرية)، التي وضعت في الإِنسان ليست غاية في ذاتها بل هي وسيلة إلى غاية سامية وهي العبودية المطلقة لله تعالى، فالمسلم العاقل هو الذي يجعل الطعام وسيلة حيوية لحفظ حياته، وقوة جسمه، فالمؤمن القوي خير من المؤمن الضعيف، كما أن "الجسد الهزيل المريض لا يأخذ نصيبه الحق من المتاع، فوق أنه لا يوصل شحنة الحياة إلى النفس توصيلًا صحيحًا تقوم عن طريقه بمهمتها المفروضة عليها، وفوق أن جهاد الحياة -والحياة كلها جهاد- في حاجة إلى جسم وثيق متين البنيان" (٣).
ومن هنا ندرك أن المنهج التربوي الإِسلامي، قد وضع موجهات وضوابط لشهوة الطعام فلم يجعله هدفًا لذاته "والجاهل يؤثر أن يبقى ليأكل" وإنما جعله وسيلة لغاية سامية، كما أنه قيدها بالحلال لقوله
_________________
(١) معنى الشره اللغوي: "الشره: أسوأ الحرص، وهو غلبة الحرص، شره شرهًا فهو شره وشرهان. ورجل شره: شرهان النفس حريص". مرجع سابق، ابن منظور. لسان العرب. المجلد الثالث عشر، ص ٥٠٦.
(٢) مرجع سابق، ابن الجوزي. اللطائف والطب الروحاني. ص ٩٩.
(٣) مرجع سابق، قطب، محمد. منهج التربية الإسلامية. الجزء الأول، ص ١٢٨.
[ ١٣٣ ]
تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَالًا طَيِّبًا وَاشْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ (١). وأن يكون في حدود الاعتدال لقوله تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا﴾ (٢) ولا يستأثر بها لنفسه بل يكون للفقراء والمساكين والمحتاجين منها نصيب، لقوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ﴾ (٣).
وإذا راعى الإنسان هذه الضوابط الشرعية، فإنه لن يصل إلى الشره المذموم، الذي يؤدي إلى هلاك النفس الإِنسانية.
ب - رأي ابن الجوزي في دافع النكاح وتوجيهه:
فيقول معبرًا عن هذا الدافع: "إنه كلما كثر استعماله امتنعت أوعية المنيّ من الدر فانجذب إليها غذاء ليس بنضيج، واستلبت قوى الأصول وهي الدماغ والقلب والكبد، فتبرد الحرارة الغريزية، ويسرع لذلك الهلاك" (٤).
يعتبر الجماع -في نظر ابن الجوزي- من الدوافع الفطرية في النفس البشرية، ولابد من إشباعها بطريقة صحيحة تتفق مع المنهج التربوي الإِسلامي، لتحقق الغاية من وجود هذا الدافع وفي عبارة ابن الجوزي، نجده يحذر من الإكثار من الجماع لضرره البالغ على النفس البشرية، ولبعده عن المقصد الأساسي منه، والتحول إلى تشبه بالحيوان.
أما الضرر الحاصل من كثرة الجماع، فيؤيده ما قاله الشيخ ابن سينا بقوله: "والجماع المتكلف وغير المشتهى مضرته النقصان في جوهر الروح الحيواني، وتضعيف القلب، والخفقان، وظلمة الحواس، وسقوط القوة والتهيؤ لجميع أمراض العصب لبارد المزاج، والدق لحار المزاج" (٥).
_________________
(١) سورة النحل، الآية ١١٤.
(٢) سورة الأعراف، الآية ٣١.
(٣) سورة الحج، الآية ٢٨.
(٤) مرجع سابق، ابن الجوزي. اللطائف والطب الروحاني. ص ٩٩.
(٥) ابن سينا، أبو علي الحسين بن عبد الله. دفع المضارّ الكلية عن الأبدان الإنسانية. بيروت، دار إحياء العلوم، الطبعة الثانية، ١٤٠٥ هـ - ١٩٨٥ م، ص ١٢٦.
[ ١٣٤ ]
ولدفع هذه الأضرار عن النفس البشرية لابد من الاعتدال في تصريف الطاقات الكامنة فيها، وسيتم ذلك إذا أدرك الإنسان الحكمة الإِلهية من وجود هذا الدافع وكيفية إشباعه، فجعلها علاقة روحية وجسدية في وقت واحد، لقوله - ﷺوإن لم يستشهد بهذا الحديث ابن الجوزي-: "وفي بُضع أَحَدِكُم صَدَقَةْ. قالوا: يا رسولَ الله! أَيَأتي أَحَدُنَا شَهوَتَهُ وَيَكُونُ لَهُ فِيهَا أَجر؟ قَالَ: أَرَأيْتُم لَوْ وَضَعَهَا فِي حَرَامَ أكَانَ عَلَيهِ فِيهَا وِزر؟ فَكَذلِكَ إِذَا وَضَعَها فِي الحلالِ كَانَ لَهُ أَجرُ" (١) ثمَ إذا أدرك المقاصد الأصلية له، والتي تتمثل في نظر ابن قيم الجوزية في أمور ثلاثة وهي:
أولها: "حفظ النسل ودوام النوع الإنساني إلى أن تتكامل العدة التي قدر الله بروزها إلى هذا العالم.
الثاني: إخراج الماء الذي يضر احتباسه واحتقانه بجملة البدن.
الثالث: قضاء الوطر، ونيل اللذة، والتمتع بالنعمة -وهذه وحدها- هي الفائدة التي في الجنة: إذ لا تناسل هناك، ولا احتقان يستفرغه الإِنزال" (٢).
وهذا ما قرره ابن الجوزي أيضًا في قوله: "ثم إن صورة الوطء تنبو عنها النفوس الشريفة، إلا أن يُدفع شر محتقن أو يطلب ولد. فأما أن يصير عادة يكون بالتمتع بنفس الفعل، فتلك مزاحمة البهائم" (٣). ثم قال ابن الجوزي في الاستمتاع: "فإن طلب التزوج للأولاد فهو الغاية في التعبد، وإن أراد التلذذ فمباح يندرج فيه من التعبد ما لا يحصى من إعفاف نفسه والمرأة .. إلى غير ذلك" (٤).
_________________
(١) النيسابوري، أبو الحسن، مسلم بن الحجاج، القشيري. صحيح مسلم (تحقيق) عبد الباقي، محمد، فؤاد، بيروت، دار إحياء التراث العربي، الطبعة الثانية ١٩٧٢ م، الجزء الثاني، ص ٦٩٧ - ٦٩٨، كتاب الزكاة، باب بيان أن اسم الصدقة يقع على كل نوع من المعروف، حديث رقم ١٠٠٦.
(٢) ابن قيم الجوزية، شمس الدين، أبي عبد الله. الطب النبوي. (تحقيق) قلعجي، عبد المعطي، القاهرة، دار التراث، ١٣٩٨ هـ - ١٩٧٨ م، ص ٣٠٦.
(٣) مرجع سابق، ابن الجوزي. اللطائف والطب الروحاني. ص ٩٩.
(٤) مرجع سابق، ابن الجوزي. صيد الخاطر. ص ٢٦.
[ ١٣٥ ]
جـ - رأي ابن الجوزي في دفع جمع المال وتوجيهه:
وبعد معالجة الشره في الجماع وضرره على الإنسان، تعرض ابن الجوزي للشره في جمع المال، الذي اعتبره "من الجنون البارد إذا زاد على قدر الحاجة، لأن المال لا يراد لنفسه وإنما يراد لغيره، ولا ينكر على من جمع ما لا غنى للنفس عنه، فاستغنى به عن الناس، وأغنى أولاده، وبذل بعضه للمحتاجين" (١).
وعند تحليلنا لما ذكره ابن الجوزي، فإننا نرى أنه لا ينكر على الإنسان جمعه المال لأن من طبيعة النفس البشرية حب المال والحرص على جمعه، لقول الله تعالى: ﴿وَتَأْكُلُونَ التُّرَاثَ أَكْلًا لَمًّا (١٩) وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا﴾ (٢)، لأن جمع المال في الحس الإسلامي، يعتبر وسيلة لمرضاة الله تعالى في الدنيا والآخرة، عن طريق كسبه بالحلال، ثم إنفاقه في وجوهه المشروعة، لأن المال -كما ذكر ابن الجوزي- لا يراد لنفسه وإنما يراد لغيره.
ولا باس إذا كان جمع المال لطلب الاستغناء به عن الناس من السؤال، وصيانة الأبناء من التذلل إلى الآخرين، ولاسيما أن رسولنا الكريم - ﷺ - قد نهى عن السؤال فقال: "لأن يغدو أحدكم فيحطب على ظهره، فيتصدق به ويستغني به عن الناس، خير له من أن يسأل رجلًا، أعطاه أو منعه ذلك. فإن اليد العليا أفضل من اليد السفلى. وأبدأ بمن تعول" (٣).
وقصة رسولنا - ﷺ - عندما عاد سعد بن أبي وقاص بمكة فبكى. فقال له: "ما يبكيك؟ فقال: قد خشيت أن أموتَ بالأرضِ التي هاجرتُ منها. كما مات سعدُ بن خولةَ. فقال النبي - ﷺ -: "اللهم اشفِ سعدًا. اللهم اشفِ سعدًا" ثلاثَ مرات. قال: يا رسول الله: إن لي مالًا كثيرًا. وانما يرثُني ابنتي. أفأوصي بمالي كله؟ قال: لا. قال: فبالثلثين؟ قال: لا. قال: فالنصفُ؟ قال: لا. قال: فالثلثُ؟ قال: الثلثُ، والثلثُ
_________________
(١) المرجع السابق، ص ٩٩.
(٢) سورة الفجر، الآيتان ١٩ - ٢٠.
(٣) مرجع سابق، النيسابوري. صحيح مسلم. الجزء الثاني، ص ٧٢١، كتاب الزكاة، باب كراهة المسألة للناس، الحديث رقم ١٠٤٢.
[ ١٣٦ ]
كثيرٌ، إن صدقتَك من مالِك صدقة. وإن نفقتَك على عيالِك صدقةٌ وإن ما تأكلُ امرأتك من مالِك صدقةٌ. وإنك أن تدع أهلَك بخيرِ (أو قال بعيش) خيرٌ من أن تدعُهم يتكفَّفُون الناسَ" (١).
وهذا ما أقرته الشريعة الإسلامية عندما أباحت "للفرد أن يأخذ من مال الله ما يكفي حاجته" وحاجة أهله الذين تلزمه نفقتهم كالزوجة والأولاد والأبوين، وله أن يأخذ بعض مال الله لينفقه في حفظ بقية المال، وفي استغلاله واستثماره، وله أن يفعل ذلك كله في حدود الاعتدال دون سرف أو تقتير" (٢). وأن لا يصرف كل همه وجلَّ وقته في جمع المال، لأن صرف الاهتمام في جمع المال يشغل الإنسان عن طاعة الله ﷾ وعمارة الأرض لغاية عليا، فيخسر المَرء الدين والنفس والوقت في معصية الله لذا قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ (٣).
توجيه الدوافع في نظر ابن الجوزي:
حذر ابن الجوزي من مغبة جمع المال في معصية الله، وأكد بعض التوجيهات في هذا المجال فقال في ذلك: "ينبغي للعاقل بعد حصول المقدار المتوسط من ذلك أن لا يضيع الزمان الشريف، وألا يخاطر بالروح في الأسفار وركوب البحار" (٤). كما اعتبر جمع المال من الأمراض التي تصيب النفس البشرية، التي ينبغي معالجتها ببيان المعنى الحقيقي للمال ووظيفته في حياة الإنسان فقال: "ينبغي أن يُداوى بتلمح المقصود من المال" (٥)، ولم يوضح ذلك من خلال الآيات القرآنية الكريمة التي وردت
_________________
(١) المرجع السابق، الجزء الثالث، ص ١٢٥٣، كتاب الوصية، باب الوصية بالثلث، الحديث رقم ١٦٢٨.
(٢) عودة، عبد القادر. المال والحكم في الإسلام. جدة، الدار السعودية للنشر والتوزيع، الطبعة الخامسة، ١٩٨٤ م، ص ٥٧.
(٣) سورة المنافقون، الآية ٩.
(٤) مرجع سابق، ابن الجوزي. اللطائف والطب الروحاني. ص ١٠٠.
(٥) المرجع السابق، ص ١٠٠.
[ ١٣٧ ]
في هذا الشأن ولكن الباحثة وضحته لمعرفة القارئ به، فينبغي أن يدرك الإنسان ان المال مال الله لقوله تعالى: ﴿وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾ (١). وأنه مستخلف فيه للإنفاق في الوجوه المشروعة لقول الله تعالى: ﴿وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ﴾ (٢)، وأهم هذه الوجوه هي كما وردت في قول الله تعالى: ﴿قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ (٣) وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ﴾ (٤) إلى غير ذلك من الآيات القرآنية الكريمة التي توضح وجوه الإنفاق المشروعة. وإذا أدرك الإنسان هذه المعاني الأصيلة فإنه يسلم من داء الشح والبخل وإهلاك النفس والوَقت، ويكسب حياته في الدنيا والآخرة.
وهذا ما قصده ابن الجوزي في قوله: "وهذا المرض ينبغي أن يداوى بتلمح المقصود من المال، والموازنة بين حصوله وبين المخاطرة بأنفس نفيس وهي النفس والوقت، فمن شاور عقله فهم المراد، ومن غلبه مرض الحرص هلك في بيداء الشره، ولا وارث له إلا المطية والرحل" (٥). ثم بيَّن أيضًا أن النفس البشرية بين بخل وتبذير، وكلاهما شر على الإنسان، فالبخل كما عرفه ابن الجوزي هو إنما يقع "على مانع الحق الواجب، قال ابن عمر من أدى الزكاة فليس ببخيل، ثم يقال لمن منع ما لا يضره ولا يكاد يؤثر فيه مما ينتفع به الناس بخيل" (٦) لقول الله تعالى: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ (٧).
والبخل صفة مذمومة في النفس البشرية، لأنها تحرم صاحبها من
_________________
(١) سورة النور، الآية ٣٣.
(٢) سورة الحديد، الآية ٧.
(٣) سورة البقرة، الآية ٢١٥.
(٤) سورة التوبة، الآية ٦٠.
(٥) مرجع سابق، ابن الجوزي. اللطائف والطب الروحاني. ص ١٠٠.
(٦) المرجع السابق، ص ١٠٢.
(٧) سورة آل عمران، الآية ١٨٠.
[ ١٣٨ ]
المتاع الدنيوي المباح، وتضر دينه بمنع الزكاة والإنفاق في سبيل الله، وتبعده عن حب الناس له. أما إذا اقتصد الإنسان دون إسراف وبخل، وادّخر من بعض ماله للظروف الطارئة والمفاجئة في المستقبل، حتى لا يضطر إلى سؤال الغير، فهذا لا يسمى بخلًا، بل يعتبر من باب الحيطة والحذر المطلوب والمباح للإِنسان فعله، وفي هذا يقول ابن الجوزي: "إن مجرّد الإمساك للمال لا يسمى بخلا، لأن الإنسان قد يمسك فاضل المال لحاجته، ولحوادث دهره، ولأجل عياله وأقاربه، وهذا كله من باب الحزم، فلا يذم" (١).
علاج البخل في نظر ابن الجوزي:
قد وصف ابن الجوزي علاجًا لمرض البخل، وهذا العلاج التربوي لا يخرج عن الإطار الإسلامي المستمد من الآيات القرآنية الكريمة والأحاديث النبوية الشريفة وإن لم يستشهد بها ابن الجوزي في علاجه، وسوف تجمل الباحثة هذا العلاج في نقاط ثم تفصل فيه مستشهدة بالآيات القرآنية والأحاديث النبوية المناسبة -في حدود ما اطلعت عليه- ويتمثل العلاج في النقاط الآتية:
١ -: قال ابن الجوزي: "علاج البخل أن يتفكر، فيرى أن فقراء بني آدم إخوانه، وقد أوثر عليهم وأحوِجوا إليه، فليجعل شكر المنعم مواساة الإخوان" (٢).
ومن هنا لابد أن يعلم الإنسان البخيل أن أخوته للناس جميعًا أخوة إيمان وإسلام لقول الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ (٣). ولهذه الأخوة الإسلامية حقوق وواجبات كثيرة منها ما يتمثل في قول الرسول - ﷺ -: "المسلمُ أخو المسلمِ، لا يظلمُه ولا يُسْلِمُه. من كان في حاجةِ أخيه كان الله في حاجتِه، ومن فرجَ عن مسلم كربة، فرج الله عنه بها كربةَ من كُرَب يومِ القيامةِ، ومن ستَر مسلمًا سترة الله يوم القيامة" (٤).
_________________
(١) المرجع السابق، ص ١٠٢.
(٢) المرجع السابق، ص ١٠٣.
(٣) سورة الحجرات، الآية ١٠.
(٤) مرجع سابق، النيسابوري. صحيح مسلم. الجزء الرابع، ص ١٩٩٦، كتاب البر والصلة والآداب، باب تحريم الظلم، الحديث رقم ٢٥٨٠.
[ ١٣٩ ]
٢ - قال ابن الجوزي: "ولينظر في شرف الكرم، وليعلم أنه يسترقُّ الأحرار إذا أسدى إليهم معروفًا، وينهب عرضه الأشرار إذا بخل" (١).
وهنا يرى ابن الجوزي أن على الإنسان البخيل أن يدرك أن للكرم والسخاء فضائل متعددة منها أنه يسترقِّ الأحرار إذا أسدى إليهم معروفًا ويكون قريبًا منهم، حتى أنه يتحول بغضهم حبًا، كما حدث مع رسول الله - ﷺ - عندما حكى ابن شهاب قال: "غزا رسول الله - ﷺ - غزوة الفتح، فتح مكة. ثم خرج رسول الله - ﷺ - بمن معه من المسلمين. فاقتتلوا بحنين. فنصر الله دينه والمسلمين. وأعطى رسول الله - ﷺ - يومئذ صفوان بن أمية مائة من النعم. ثم مائة. ثم مائة.
قال ابن شهاب: حدثني سعيد بن المسيب؛ أن صفوان قال: والله! لقد أعطاني رسول الله - ﷺ - ما أعطاني، وإنه لأبغض الناس إلي. فما برح يعطيني حتى إنه لأحب الناس إلي" (٢).
٣ - قال ابن الجوزي في هذا العلاج: "وليتيقن أنه سيترك ما في يديه ذميمًا، فليخرج منه قبل أن يخرج عنه" (٣). وهذا معناه أن الإنسان البخيل إذا علم مصير ماله الذي جمعه، وأنه سيكون لغيره من الناس بعده، فإنه لا شك سينفقه في سبيل الله، قبل أن يبدده ورثته، وذلك مصداق لقول الرسول - ﷺ -: "يقول العبد مالي. مالي، إنما له من ماله ثلاث: ما أكل فأفنى، أو لبس فأبلى، أو أعطى فاقتنى، وما سوى ذلك فهو ذاهب وتاركه للناس" (٤).
٤ - وهذا العلاج الترهيبي لم يذكره ابن الجوزي، وهو أنه إذا تدبر
_________________
(١) مرجع سابق، ابن الجوزي. اللطائف والطب الروحاني. ص ١٠٣.
(٢) مرجع سابق، النيسابوري. صحيح مسلم. الجزء الرابع، ص ١٨٠٦. كتاب الفضائل، باب ما سئل الرسول - ﷺ - شيئا قط فقال: لا. وكثرة عطائه، حديث رقم ٥٩ - (٢٣١٣).
(٣) مرجع سابق، ابن الجوزي. اللطائف والطب الروحاني. ص ١٠٣.
(٤) مرجع سابق، النيسابوري. صحيح مسلم. الجزء الرابع، ص ٢٢٧٣، كتاب الزهد والرقائق، حديث رقم ٢٩٥٩.
[ ١٤٠ ]
عقاب الله ﵎ لمن يمنع ماله من إنفاقه في سبيله، فإنه سيتعظ وينفق بسخاء، قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٣٤) يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ﴾ (١).
أما التبذير فهو ضد البخل والمبذَّر هو من فرق وبدّد ماله في غير موضعه، وهو يؤدي إلى الفقر والإفلاس، وإلى خراب النفس والمال والوقت، ويؤدي إلى الكفر بنعم الله تعالى، لذلك قال فيه ابن الجوزي: "التبذير مما يأمر به الهوى وينهى عنه العقل" (٢)، ولذلك وردت الآيات القرآنية محذرة منه، فذكر ابن الجوزي قول الله تعالى: ﴿وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا (٢٦) إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا﴾ (٣).
العلاج:
ولعلاج مرض التبذير رأى ابن الجوزي أن على المرء النظر والتدبر في عاقبة الإسراف وما يجره من فقر وحاجة ومذلة عند سؤال الناس، فقال: "النظر في العواقب، والحذر مما يجوز كونه من الحاجة إلى الناس والفقر فذلك يكف كفَّ التبذير" (٤).
وحتى يكون الإنسان معتدلا في كسبه وإنفاقه، بعيدًا عن البخل والإسراف، حدد ابنَ الجوزي مقدار اكتسابه بطريقة تكفل تأمين حاجاته الضرورية اليومية، وما يمكن أن يحدث من ظروف مفاجئة في مستقبل أيامه، حتى لا يحتاج إلى الناس وبذل عند السؤال، وهذا ما اعتبره ابن الجوزي من كمال العقل وبعد النظر في تدبير المعيشة. قال: "وينبغي للعاقل أن يكتسب أكثر مما يحتاج إليه، ويقتني ما يعلم أنه لو حدثت به حادثة كان في المقتنى عوض عما ذهب، ولو عرض له مانع من الاكتساب قام المقتنى بحاجته بقية عمره، ولو جاءه أولاد أو احتاج إلى
_________________
(١) سورة التوبة، الآيتان ٣٤ - ٣٥.
(٢) مرجع سابق، ابن الجوزي. اللطائف والطب الروحاني. ص ١٠٣.
(٣) سورة الإسراء، الآيتان ٢٦ - ٢٧.
(٤) مرجع سابق، ابن الجوزي. اللطائف والطب الروحاني. ص ١٠٣.
[ ١٤١ ]
فضل زوجة أو خادم، أو احتاج ولده إلى مثل ذلك كان في كسبه ما يكفيه، وفي الجملة ينبغي أن تكون النفقة أقل من الكسب، ليقتني من الفضل ما يكون مُعدا لحادثة لا تؤمن، وهذا ما يأمر به العقل الناظر في العواقب، ولا يبالي به الهوى الناظر إلى الحالة الحاضرة" (١)، ولذلك مدح الله تعالى الملتزمين بالمنهج المالي القويم في الإنفاق، فقال: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾ (٢) وقد استشهد ابن الجوزي بما جاء عن أبي الدرداء مرفوعا "من فقهِ الرجلِ بعدُ النظرِ في معيشتهِ" وقد رُوي موقوفا (٣).
د - رأي ابن الجوزي في دافع حب التمتع بالأبنية والخيل المسومة والملابس الفاخرة:
كذلك من الشهوات التي تميل إليها النفس البشرية، حب التمتع بالأبنية المزخرفة الجميلة والخيل المسوّمة والسيارات الفارهة. والملابس الفاخرة، وهذا شيء طبيعي لأن "حب الحياة والأمل فيها جزء من فطرة الإنسان، ولولا ذلك ما عُمِرت الأرض، ولا ترعرعت شجرة الحياة، فلم يكن مما ينافي الحكمة أن يزين للناس حب الشهوات، ولكن الخطر كل الخطر أن يستغرق الناس في حب الدنيا وطول الأمل فيها، وأن تكون هذه الحياة القصيرة أكبر همهم ومبلغ علمهم ومنتهى آمالهم" (٤)، وهنا يكون الشره المنهى عنه والذي خرج عن الهدف الأساسي من عمارة الأرض، وفي ذلك يقول ابن الجوزي: "وقد يقع الشره في فنون ما يلتذ به من الأبنية المنقوشة، والخيل المسومة، والملابس الفاخرة وغير ذلك، وهذا مرض أصله موافقة الهوى" (٥). ولعلاج حب الدنيا وزينتها، المتمكن في النفس البشرية، استخدم ابن الجوزي أسلوب
_________________
(١) المرجع السابق، ص ١٠٤.
(٢) سورة الفرقان، الآية ٦٧.
(٣) مرجع سابق، ابن الجوزي. اللطائف والطب الروحاني. ص ١٠٤.
(٤) القرضاوي، د. يوسف. الإيمان والحياة. القاهرة، مكتبة وهبة، الطبعة الخامسة، ١٣٩٧ هـ - ١٩٧٧ م، ص ٢٠٠.
(٥) مرجع سابق، ابن الجوزي. اللطائف والطب الروحاني. ص ١٠٠.
[ ١٤٢ ]
الترهيب ليكون أدعى للكف عن السلوكيات السيئة، فنبه المتهالك عليها "أن الحساب على كسب الحلال شديد عسير، والتبذير ممنوع منه، وأن الله تعالى لا ينظر إلى من جر ثوبه خيلاء، وأن كل شيء يؤجر المؤمن عليه إلا البناء، فالعاقل من نظر في مقدار إقامته، وتلمح بيت نقلته، فحينئذ يقنع من الثياب بما يواريه ومن البنيان ما يؤويه" (١).
إن ابن الجوزي لا ينكر على الإنسان استمتاعه بالطيبات التي أباحها الله تعالى، مصداقًا لقوله: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ (٢)، ولكن يوجه نظر الإنسان إلى ضرورة التفكر والتدبر في التنعم بالمباحات، حتى لا تخرجه إلى دائرة الحرام، فعليه أن يدرك أن الله تعالى سيحاسبه يوم القيامة حسابا دقيقا على كسبه الحلال، لقوله - ﷺ -: "لا تزولُ قدما عبد يوم القيامةِ حتى يُسألَ عن عمرهِ فيم أفناهُ، وعن علمِه فيم فعل وعن مالِه من أين اكتسبَه وفيم أنفقَه، وعن جسمِه فيمَ أبلاهُ" (٣) فإذا كان الحساب عسيرًا على المال الحلال .. فكيف يكون على المال الحرام؟!!
كذلك إذا أدرك الإنسان أن الحكمة من إباحة الملابس الجميلة، هي إشباع فطرة الإنسان المحبة للزينة واللبس ولستر العورة، والظهور بمظهر يليق وكرامة الإنسان، لقوله - ﷺ -: "كُلوا وتَصَدَّقُوا والبَسُوا في غَيْرِ إِسراف ولا مَخِيلَة" (٤).
أما إذا تحول هذا الميل إلى فخر ومباهاة وشهرة، فقد خرج عن حدوده المباحة، وأصبح وزرًا على صاحبه لقوله - ﷺ -: "لا ينظرُ الله يومَ
_________________
(١) المرجع السابق، ص ١٠٠.
(٢) سورة الأعراف، الآية ٣٢.
(٣) مرجع سابق، الترمذي، أبو عيسى، محمد بن عيسى، بن سورة. الجامع الصحيح وهو سنن الترمذي. (تحقيق) عوض، إبراهيم، عطوة، الجزء الرابع، ص ٦١٢، كتاب صفة القيامة والرقائق والورع عن رسول الله - ﷺ -، باب في القيامة، حديث رقم ٢٤١٧.
(٤) النسائي، أبو عبد الرحمن، أحمد بن شعيب، بن علي، بن بحر. سنن النسائي. بيروت، دار الكتاب العربي، دون طبعة وتاريخ، الجلد الثالث، الجزء الخامس، ص ٧٩، كتاب الزكاة، باب الاختيال في الصدقة.
[ ١٤٣ ]
القيامةِ إلى من جرَ إزارَه بطرًا" (١). وقوله - ﷺ -: "لا يدخلُ الجنةَ من كانَ في قلبهِ مثقالُ ذرة من كبر" قال رجل: إن الرجلَ يحبُ أن يكونَ ثوبهُ حسنًا ونعلُه حسنةً. قال: إن الله جميلٌ يحبُ الجمالَ. الكبرُ بطرُ الحقِ وغمطَ الناسَ" (٢).
أما قوله - ﷺ -: "كلُ شيء يؤجرُ المؤمنُ عليه إلا البناءَ"، فهي إشارة حكيمة للإنسان باجتناب المبالغة في تشييد المباني الفاخرة بقصد المباهاة والمفاخرة، والمقبول اهتمام معقول يسد حاجة الإنسان في مسكن مناسب، وذلك حتى لا يتعلق بالدنيا وزينتها، ويميل إلى حب الإقامة فيها، فيصرفه هذا عن القيام بعبادة الله تعالى، ولتوضيح مدى صحة العبارة السابقة فقد ورد في ذم البناء مطلقًا حديث خباب رفعه قال: "يؤجر الرجل في نفقته كلها إلا التراب" أو قال "البناء" أخرجه الترمذي وصححه وأخرج له شاهدًا عن أنس بلفظ "إلا البناء فلا خير فيه" والطبراني من حديث جابر رفعه "إذا أراد الله بعبد شرا خَضَّر له في اللَّبنِ والطين حتى يبني" ومعنى "خضَّر" بمعجمتين حسَّن، وزنا ومعنى. وله شاهد في "الأوسط" من حديث أبي بشر الأنصاري بلفظ "إذا أراد الله بعبد سوءا أَنفق ماله في البنيان" وأخرج أبو داود من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص قال: مر بي النبي - ﷺ - وأنا أطين حائطًا فقال: الأمر أعجل من ذلك، وصححه الترمذي وابن حبان، وهذا كله محمول على ما لا تمس الحاجة إليه مما لابد منه للتوطن وما يقي البرد والحر، وقد أخرج أبو داود أيضًا من حديث أنس رفعه "أما أن كل بناء وبال على صاحبه إلا ما لا" أي إلا ما لابد منه (٣).
_________________
(١) العسقلاني، أحمد، بن علي، بن حجر. فتح الباري بشرح صحيح البخاري. (رقم كتبه وأبوابه وأحاديثه) عبد الباقي، محمد، فؤاد، وقام بإخراجه وصححه وأشرف على طبعه الخطيب، محب الدين، بيروت، دار المعرفة، دون طبعة وتاريخ، الجزء العاشر، ص ٢٥٧، كلتاب اللباس، باب من جر ثوبه من الخيلاء، حديث رقم ٥٧٨٨.
(٢) مرجع سابق، النيسابوري. صحيح مسلم. الجزء الأول، ص ٩٣، كلتاب الإيمان، باب تحريم الكبر وبيانه، حديث رقم ١٤٧ - (٩١).
(٣) مرجع سابق، العسقلاني. فتح الباري بشرح صحيح البخاري. الجزء الحادي عشر، ص ٩٢ - ٩٣، كتاب الاستئذان، باب ما جاء في البناء، شرح حديث رقم ٦٣٠٣.
[ ١٤٤ ]
وقد ضرب ابن الجوزي مثالين لذلك فقال: في الحديث أن نوحًا -﵇- لبث في بيت شعر ألف سنة إلا خمسين عامًا. وأن رسول الله - ﷺ - ما وضع لبنة على لبنة (١) وهذا القول الأخير مخالف لما ورد من بنائه - ﷺ - بيوت نسائه إلى جانبيه -مسجد قباء- بيوت الحجر باللبن، وسقفها بالجذوع والجريد، بعد بنائه المسجد (٢).
ثم نصح ابن الجوزي بطريقة غير مباشرة إلى أهمية أن يدرك الإنسان العاقل، أن الدنيا مطية المؤمن للدار الآخرة، وأن الحياة قصيرة .. والعمر زائل، وأنه مهما قصرت حياته أو طالت .. فلابد من الرحيل إلي دار الإقامة، فإذا فهم الإِنسان حقيقة الدنيا والغاية من وجوده، ووظيفته منها، فإنه حينئذ يقنع من الثياب بما يواريه، ومن البنيان بما يؤويه ووعى حديث رسولنا الكريم - ﷺ -: "من أصبح منكم آمنًا في سربه، معافى في جسده، عنده قوت يومه، فكأنما حيزت له الدنيا" (٣).
توجيه الدافع:
وحتى يؤتي علاج ابن الجوزي ثمرته في النفس البشرية، فإنه وجَّه إلى أهمية النظر في العلم والتأمل في سير العلماء والعقلاء (٤)، وهذان العلاجان مفيدان في الشفاء من مرض الشره، فعن طريق العلم الإسلامي الذي يوضح المقاصد الحقيقية للشريعة الإِسلامية وما فيها من أحكام ومعاملات وآداب، يدرك المرء الحكمة من المتاع الدنيوي المباح، والطريقة الصحيحة لإشباعه من دون إسراف أو تقتير. ويثبت هذا العلم في النفس البشرية الاقتداء بسلوك العلماء العاملين المخلصين الملتزمين
_________________
(١) مرجع سابق، ابن الجوزي. اللطائف والطب الروحاني. ص ١٠٠.
(٢) ابن عبد الوهاب، محمد. مختصر سيرة الرسول - ﷺ -. (تحقيق) الفقي، محمد حامد، المملكة العربية السعودية: نشر وتوزيع رئاسة إدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد، دون طبعة، ١٣٧٥ هـ - ١٩٥٦ م، ص ٩٩ - ١٠٠.
(٣) مرجع سابق، الترمذي. الجامع الصحيح وهو سنن الترمذى. الجزء الرابع، ص ٥٧٤، كتاب الزهد، باب في التوكل على الله، حديث رقم ٢٣٤٤.
(٤) مرجع سابق، ابن الجوزي. اللطائف والطب الروحاني. ص ١٠١.
[ ١٤٥ ]
بتطبيق منهج الإِسلام، لأن النفس الإنسانية جُبلت على حب اتباع الصالحين والتأسي بسلوكهم وخلقهم، ويؤكد ذلك الأستاذ النحلاوي بقوله: "إن حاجة الناس إلى القدوة نابعة من غريزة تكمن في نفوس البشر أجمع هي التقليد، وهي رغبة ملحة تدفع الطفل والضعيف والمرؤوس إلى محاكاة سلوك الرجل والقوي والرئيس" (١). فيكون ذلك أسرع في التخلص من أمراض النفوس.
هـ - رأي ابن الجوزي في حب الرئاسة في الدنيا وطريقة توجيهه:
كذلك من الشهوات التي تميل إليها النفس البشرية، حب الرئاسة في الدنيا دون التفكر في عواقبها، وفي ذلك يقول ابن الجوزي: "إن النفس تحب الرفعة والعلو على جنسها، فتؤثر الإمارة والولاية لمكان الأمر والنهي، وهذا وإن كان مطلوبًا إلا أن فيه مخاطراتٍ أقلُها العزل بعد الولاية، وأعظمها الجور في الحكومة، وأوسطها تضييع الزمان إذا لم تَصُحَّ للوالي نية" (٢).
وهنا يتعرض ابن الجوزي لشهوة السلطان التي تتملك النفس البشرية وما يصحبها من حب الرفعة والعلو على غيرها من الناس، وهذا الأمر وإن كان محببًا ومطلوبًا -في نظر ابن الجوزي- إلا إنه يحذر من عواقبه في الدنيا والآخرة، فأقل المخاطر التي تحيط به هو العزل من السلطة إذا لم ينفذ ما يطلب منه سواء كان حقًا أم باطلًا، وكون الإِنسان شاعرًا بأنه مهدَّد في منصبه، فهذا يجعله قلقًا متوترًا حريصًا على تنفيذ ما يُطلب منه وإن كان فيه مخالفة واضحة لشرع أو عرفٍ صحيح، حتى يحافظ على منصبه. وهذا الحرص يؤدي به إلى الظلم وانتهاك الحرمات والتعدي على حقوق غيره من الناس، يضاف إلى ذلك إضاعة عمر الإنسان فيما قد يضره ولا يفيده.
هنا نجد ابن الجوزي يذم الرئاسة، ولكن الأمر ليس على إطلاقه، لأن الحاكم إذا كان عادلًا فهو يكون من الذين يظلُّهم الله يوم القيامة
_________________
(١) النحلاوي، عبد الرحمن. أصول التربية الإسلامية وأساليبها في البيت والمدرسة والمجتمع. دمشق، دار الفكر، الطبعة الأولى، ١٣٩٩ هـ - ١٩٧٩ م، ص ٢٣١.
(٢) مرجع سابق، ابن الجوزي. اللطائف والطب الروحاني. ص ١٠١.
[ ١٤٦ ]
بظله. ثم يبادر ابن الجوزي ببيان علاج شهوة السلطان، التي تبدو في خيال طالبها وراغبها، أنها عظيمة القيمة، بعيدة المنال فإذا وصل إليها هانت عليه وتاقت نفسه إلى غيرها .. وهكذا في إلحاح دائم .. وإصرار دائب للوصول إلى أعلى المناصب، دون تحسب للعقاب الآجل والعاجل .. فيمضي عمره في لذة تزول .. وحسرة تدوم .. وذنب مكتوب، فمن هنا يتبين أن على الإِنسان أن يتمهل ويتفكر في العواقب حتى يسلم دينه ونفسه، ويشتري بحياته الدنيا نعيم الآخرة في مقابل نعيم السلطة في الدنيا وعقابها في الآخرة. وفي هذا يقول ابن الجوزي: "وينبغي لمن أحب الولاية أن يعلم أنه إنما يتخايلها عظيمة ما لم ينلها، فإذا نالها هانت عنده، وسما إلى غيرها، فاللذة تزول، والأوزار تبقى، والمخاطرة بالنفس والدين، فالتفكر في هذه الأشياء علاج" (١). وقد أورد ابن الجوزي بعضًا من أحاديث رسولنا الكريم - ﷺ - للتحذير من الفتنة بالسلطة وذلك بالورع والتقوى لمن تسلمها، فقال في ذلك: بسنده عن أبي أمامة عن النبي - ﷺ - قال: "ما من رجلٍ يلي أمرَ عشرةٍ فما فوق ذلك إلا أتى الله -﷿- يومَ القيامةِ مغلولةٌ يده إلى عنقِه، فكه برُه، أو أوبقَه إثمُه، أولُها ملامةٌ، وأوسطَها ندامةٌ، وآخرُها خزيٌ يومَ القيامةِ" (٢).
ثم قال وعن أبي هريرة مرفوعًا: "ويلٌ للأمراءِ، ويلٌ للعرفاءِ، ويلٌ للأمناءِ ليتمنَينَّ أقوامٌ يومَ القيامةِ أن ذوائبَهم كانت معلقةً بالثريا يتذبذبون بين السماءِ والأرضِ ولم يكونوا عملوا على شيء" (٣).
"وفي أفراد مسلم (٤) من حديث أبي ذر قال: قلت يا رسول الله: ألا تستعملني؟ قال: فضربَ بيدِه على منكِبي. ثم قال: يا أبا ذر! إنك ضعيفٌ. وإنها أمانةٌ وإنها يومَ القيامةِ، خزيٌ وندامةٌ. إلا من أخذها بحقها وأدّى الذي عليه فيها" (٥). وعلى الرغم من وجود أحاديث نبوية
_________________
(١) المرجع السابق، ص ١٠١.
(٢) المرجع السابق، ص ١٠١.
(٣) المرجع السابق، ص ١٠١.
(٤) المرجع السابق، ص ١٠١ - ١٠٢.
(٥) مرجع سابق، النيسابوري. صحيح مسلم. الجزء الثالث، ص ١٤٥٧، كتاب الإمارة، باب كراهة الإمارة بغير ضرورة، حديث رقم (١٦ - ١٨٢٥) ورقم (١٧ - ١٨٢٦).
[ ١٤٧ ]
شريفة عن فضيلة وأجر من أدى حق أمانة السلطة، إلا أن ابن الجوزي لم يذكرها هنا؛ منها قوله - ﷺ -: "إن المقسِطين عند الله على منابرَ من نورٍ. عن يمينِ الرحمن -﷿-، وكلتا يديهِ يمينٌ، الذين يعدلون في حكمِهم وأهليهم وما وَلُوا" (١). وهناك عدد من الأحاديث النبوية التي تحث الحاكم على العدل، ولا شك في أننا بحاجة دائمة إلى الإمام العادل لتولي السلطة، والذمُّ المتكرر لا يزيل الحاجة، لذلك فنحن بحاجة إلى التربية الإِسلامية لتربية القيادات الصالحة، لأننا لا نعاني إلا بسبب غياب هذه القيادات الإِسلامية الرشيدة والحكيمة.
جـ - الانفعالات وعلاجها:
قبل أن أتعرض لموضوع الانفعالات عند ابن الجوزي، لابد من توضيح أمرٍ في عرض هذا الموضوع؛ والملاحظ أنه لم يتبع منهجية محددة واضحة في حديثه، فقد تكلم عن الانفعالات بصفة عامة دون تحديد مسماها "الانفعالات" وعند معالجته لموضوع الانفعالات، عالج كل انفعال على حدة، ولكن دون إعطاء تعريف دقيق لمعنى الانفعال خلافًا لما فعل الإمام الغزالي (٢)، وقد وثق معظم كلامه بالآيات القرآنية والأحاديث النبوية وأقوال الحكماء والعلماء إن وجد، وأيده بقصص من سير الصحابة والسلف الصالح إن لزم الأمر، ثم أنهى موضوعه بالعلاج المناسب، الذي غالبًا ما يكون موافقا لرأي الإِسلام التربوي والنفسي.
وبناء على ذلك ستقوم الباحثة بتعريف معنى الانفعال العام ثم أهم
_________________
(١) المرجع السابق، الجزء الثالث، ص ١٤٥٨، كتاب الإمارة، باب فضيلة الإمام العادل وعقوبة الجائر، والحث على الرفق بالرعية والنهي عن إدخال المشقة عليهم، حديث رقم (١٨ - ١٨٢٧).
(٢) تعريف الحقد عند ابن الجوزي: "الحقد بقاء أثر القبيح من المحقود في النفس. ولعمري إن العقل يقضي ببقاء أثر القبيح كما يقضي ببقاء أثر الجميل". مرجع سابق، ابن الجوزي. اللطائف والطب الروحاني. ص ١٠٨. تعريف الحقد عند الإمام الغزالي: "اعلم أن الغضب إذا لزم كظمه لعجز عن التشفي في الحال رجع إلى الباطن واحتقن فيه فصار حقدًا، ومعنى الحقد أن يلزم قلبه استثقاله والبغضة له والنفار عنه وأن يدوم ذلك ويبقى". مرجع سابق، الغزالي. إحياء علوم الدين. الجزء الثالث، ص ١٩٢.
[ ١٤٨ ]
الانفعالات التي ذكرها ابن الجوزي وتعريفها في ضوء أقوال العلماء من المسلمين وغيرهم من المحدثين، ثم تحليل هذا الانفعال كما ورد في الكتابات. النفسية والتربوية مدعمة بالآيات القرآنية والأحاديث النبوية.
حقيقة الانفعال:
وقبل أن نحلل كل انفعال على حده، سنعرَّف معنى الانفعال، فبعض العلماء يعرّف الانفعال بأنه: "ضرب من السلوك الخارجي، من المحال أن يخطئه الملاحظ لما ينجم عن الانفعال من تغيرات في ملامح الوجه والحركات والتعبيرات اللغوية.
فالانفعال حالة بارزة تسهل ملاحظتها لأنها تعقب حالة من الهدوء والاتزان والسكون، وتكون فيها ملامح الوجه منسجمة والحركات عادية والتفكير هادئًا. وهذا يعني أن الانفعال يخل بميزان التوافق للفرد.
وقد عرَّفه بعضهم بأنه تغير مفاجئ يشمل الفرد كله نفسًا وجسمًا، وعلى ذلك فإن الانفعال يؤثر في الإنسان كله، فيؤثر في سلوكه الخارجي كما يؤثر أيضًا في تكويناته العضوية الداخلية" (١).
أنواع الانفعال وعلاجها:
وقد عالج ابن الجوزي انفعالات عدة منها: انفعال الحسد والحقد والغضب والحزن والهم والغم والخوف والحذر من الموت، والفرح.
١ - حقيقة انفعال الحسد:
وسنبدأ تحليلنا التربوي بذكر انفعال الحسد، الذي عرَّفه ابن الجوزي بقوله: "الحسد تمنّي زوال نعمة المحسود، وإن لم يصر للحاسد مثلها. وسبب ذلك حب الميزة على الجنس، وكراهة المساواة. فإذا حصلت للغير نعمة تميّز بها، تألّم هذا الإنسان لتلك الميزة أو بمساواته له فيها، فلا يزيل ذلك الألم إلا زوال تلك النعمة عن المحسود، وهذا أمر
_________________
(١) محمد، محمد، محمود. علم النفس المعاصر في ضوء الإسلام. دار الشروق، ص ١٦٨.
[ ١٤٩ ]
لا يكاد أحد ينفك منه في باطنه، ولا يأثم الإنسان بوجود ذلك بل يأثم بالتمني لزوال النعمة عن أخيه المسلم" (١).
ومن خلال تحليل الباحثة لانفعال الحسد الذي ستوثقه بالآيات القرآنية والأحاديث النبوية المناسبة، والتي لم يستشهد بها ابن الجوزي، ومن أقوال ابن الجوزي في الحسد يتضح لنا أن انفعال الحسد انفعال نفسي داخلي موجود عند كل الناس، ولكنه متفاوت من شخص إلى آخر حسب إيمانه بالقدر وحكمة الله -﷿- في توزيع النعم والأرزاق على الناس بأقدار متفاوتة، قال الله تعالى: ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ (٢)، كما يظهر لنا أن الحسد قد يكون ناتجًا من قلة حب الخير للناس جميعا، لذلك لا يكمل إيمان المرء حتى يحب لغيره ما يحب لنفسه، لقوله - ﷺ -: "لا يؤمنُ أحدُكم حتى يحبَ لأخيهِ ما يحبُ لنفسه" (٣)، فإذا فهم المسلم الحكمة الإلهية من ذلك، عاش راضيًا هانئًا سعيدًا بما وهبه الله من نعم سواء كثرت أو قلت، أما إذا لم يرض بحاله، وتذمر من حياته، وتفكر في نعم الله على غيره، وقلتها أو عدمها لديه، فإن هذا الإحساس سيصيبه بالألم الدفين، والقلق الدائم، والحزن الملازم والضيق والهمّ والغم، والتفكير العقيم في كيفية زوال نعم المحسود، فلا يهنأ له بال ولا يقر له قرار، ولا يذوق طعم الرضا والاطمئنان، هذه هي الأعراض الملازمة لداء الحسد وقد ذكرها ابن الجوزي بقوله: "الحسد يوجب طول السهر، وقلة الغذاء، ورداءة اللون، وفساد المزاج، ودوام الكمد" (٤).
وبسبب حب الحاسد للدنيا ومتعها، فإن الحسد لا يتم إلا في الأمور الدنيوية، وفي ذلك يقول ابن الجوزي: "لا يقع الحسد إلا في أمور الدنيا، فإنك لا ترى أحدًا يحسد قوَّام الليل ولا صوَّام النهار، ولا
_________________
(١) مرجع سابق، ابن الجوزي. اللطائف والطب الروحاني. ص ١٠٥.
(٢) سورة النساء، الآية ٥٤.
(٣) مرجع سابق، العسقلاني. فتح الباري بشرح صحيح البخاري. الجزء الأول، ص ٥٧، كتاب الإيمان، باب من الإيمان أن يحب لأخيه ما يحب لنفسه، حديث رقم ١٣.
(٤) مرجع سابق، ابن الجوزي. اللطائف والطب الروحاني. ص ١٠٥.
[ ١٥٠ ]
العلماء على العلم، بل على الصيت والذكر" (١).
ويتولد من داء الحسد، الكثير من آفات القلوب المدمرة للنفس البشرية، مثل العداوة والبغضاء والحقد والغضب والكبر والتعجب والخوت من فوت المقاصد الدنيوية المحبوبة وحب الرياسة وخبث النفس وبخلها.
معالجة الحسد:
وحتى لا يتمكن هذا المرض الخبيث في النفس البشرية، لابد من علاجه حتى لا يضر دينه ودنياه، فأما ضرر الدين فيكمن في سخطه على قضاء الله وقدره وكراهيته لما رزق غيره من نعم مختلفة، وقد جسَّد ابن الجوزي داء الحسد ووصف دواءه وهو يقول: "أن يعلم الإِنسان أولًا أن الأقدار السابقة لابد أن تجري، وأن الاحتيال في صرف المقدور غير ممكن، وأن القسَّام حكيم، ثم هو مالك، يعطي ويحرم، فهو الذي خلق الطَّرف السابق (٢) والكودن (٣). وكأن الحاسد مضاد لإرادة المعطي سبحانه" (٤).
فإذا أدرك الحاسد ذلك سلم دينه وإيمانه بالقدر خيره وشره وسلم من سخط الله تعالى.
أما ضرر الدنيا فيكمن في ألم الحاسد وما ينتابه من غمّ وهمّ وضيق دائم على ما أنعم الله به على غيره -وهو في مكانه- فحسده لم يُزل النعم ولم يحصل هو عليها، فما جنى إلا حرمانًا من متع الدنيا قليلها وكثيرها، وعلاج هذا يبيّنه ابن الجوزي بقوله: "ينبغي للحاسد أن
_________________
(١) المرجع السابق، ص ١٠٥.
(٢) معنى الطَّرْف السابق: والطِّرْف، بالكسر من الخيل: الكريم العتيق، وقيل هو: الطويل القوائم والعنق المطرف الأذنين". مرجع سابق، ابن منظور. لسان العرب. المجلد التاسع، ص ٢١٤.
(٣) معنى الكودن: "والكودن والكودني: البرذون الهجين، وقيل: هو البغل. ويقال للبرذون الثقيل: كودن، تشبيهًا بالبغل". مرجع سابق، ابن منظور. لسان العرب. المجلد الثالث عشر، ص ٣٥٦.
(٤) مرجع سابق، ابن الجوزي. اللطائف والطب الروحاني. ص ١٠٥.
[ ١٥١ ]
ينظر في حال المحسود، فإن كان إنما نال الدنيا فقط، فهذا ينبغي أن يُرحم، لا أن يحسد، لأن الذي ناله في الغالب عليه، لا له، وهل فضول الدنيا إلا هموم. . . وبيان هذا، أن كثيرَ المال شديدُ الخوف عليه، وكثيرَ الجواري شديدُ الحذر عليهن، قوي الاهتمام بهنّ، أو لهن، والوالي خائف من العزل. ثم ليعلم أن النعم كثيرة الأكدار، ثم هي قليلة اللبث، والمصائب تردفها، فإن صاحب النعمة ينتظر زوالها، أو زواله عنها، ثم ليوقِن أن ما يحسد عليه المحسود ليس هو عند المحسود كما هو عند الحاسد، فإن الناس يظنون في أرباب المناصب أنهم في غاية اللذة، ولا يدرون أن الإِنسان يسمو إلى أمر فإذا ناله برد عنده وصار عادة له، فهو يسمو إلى ما هو أعلى منه. وهذا الحاسد يرى الأمر بعين الجدة والغبطة. وليعلم الحاسد أنه لو عاقبه المحسود لما ناله بأشدّ من الأذى الذي هو فيه، فإن لم ينتفع بشيءٍ من هذا العلاج فليسع في التسبب إلى مثل ما نال المحسود" (١).
فإذا تفكر الحاسد في علاج ابن الجوزي، وفهم حقيقة الدنيا ومتعها، وأنها لا تستحق منه أن يحسد غيره، لعاش مرتاحًا مطمئنًا، سليم القلب، خالي الفكر، راضي النفس، فحصل بذلك على سعادة الدارين.
٢ - وعلى الحاسد أن يستبدل الغبطة بالحسد وهي أن لا يحب زوال النعمة ولا يكره وجودها ودوامها، بل يتمنى لنفسه مثلها، وقد استشهد ابن الجوزي بقول الرسول - صلي الله عليه وسلم -: "لا حسد (٢) إلّا في اثنتين رجل آتاه الله
_________________
(١) المرجع السابق، ص ١٠٦.
(٢) معنى الحسد هنا: "وأما الحسد المذكور في الحديث فهو الغبطة وأطلق الحسد عليها مجازًا، وهي أن يتمنى أن يكون له مثل ما لغيره من غير أن يزول عنه، والحرص على هذا يسمى منافسة، فإن كان في الطاعة فهو محمود، ومنه (فليتنافس المتنافسون) وإن كان في المعصية فهو مذموم، ومنه "ولا تنافسوا" وإن كان في الجائزات فهو مباح، فكأنه قال في الحديث: لا غبطة أعظم -أو أفضل- من الغبطة في هذين الأمرين. مرجع سابق، العسقلاني. فتح الباري بشرح صحيح البخاري. الجزء الأول، ص ١٦٧، كتاب العلم، باب الاغتباط في العلم والحكمة، حديث رقم ٧٣.
[ ١٥٢ ]
-﷿- القرآن فهو يقوم به آناء الليل والنهار، ورجل آتاه الله مالًا فهو ينفقه في الحق آناء الليل والنهار" (١).
٣ - وعلى الحاسد أن يدرب نفسه الخبيثة على الرضا بقدر الله تعالى والقناعة بما رزقه حتى يطهر قلبه وتصفو نفسه، وإذا لم يستطع فعليه بكتمان حسده حتى يبرأ تمامًا من مرض الحسد، وفي ذلك يقول ابن الجوزي: "فلتكن مجاهدته إمساك لسانه عن ثلبه (٢)، وحبس ما في قلبه" (٣)، لأن ذلك أحفظ لنفسه من التردّي والوقوع في مهاوي المعصية والشرور.
٢ - حقيقة انفعال الحقد ومعالجته:
يعتبر انفعال الحقد من الانفعالات المركبة من الغضب والغيظ، ومعنى الحقد في اللغة: "إمساك العداوة في القلب والتربُّص لفرصتها. والحقد: الضغن" (٤). وهذا المعنى موافق لتعريف الإِمام الغزالي الذي قال فيه: "إن الغضب إذا لزم كظْمُه لعجزٍ عن التشفّيَ في الحال ورجع إلى الباطن واحتقن فيه صار حقدًا، ومعنى الحقد أن يلزم قلبه استثقاله والبغضة له والنفار عنه وأن يدوم ذلك ويبقى. . .، فالحقد ثمرة الغضب" (٥).
وفي المعنى نفسه قال ابن الجوزي في تعريف الحقد: "الحقد بقاء أثر القبيح من المحقود في النفس. ولعمري إن العقل يقضي ببقاء أثر القبيح كما يقضي ببقاء أثر الجميل" (٦).
ويشير ابن الجوزي في تعريفه إلى أن الحقد ثمرة ونتيجة المعاملة
_________________
(١) مرجع سابق، ابن الجوزي. اللطائف والطب الروحاني. ص ١٠٨.
(٢) معنى ثلبه: "ثلب: ثلبه يثلبه ثلبًا: لامه وعابه وصرح بالعيب وقال فيه وتنقَّصه. الثلب: شدة اللوم والأخذ باللسان"، مرجع سابق، ابن منظور. لسان العرب. المجلد الأول، ص ٢٤١.
(٣) مرجع سابق، ابن الجوزي. اللطائف والطب الروحاني. ص ١٠٧.
(٤) مرجع سابق، ابن منظور. لسان العرب. المجلد الثالث، ص ١٥٤.
(٥) مرجع سابق، الغزالي. إحياء علوم الدين. الجزء الثالث، ص ١٩٢.
(٦) مرجع سابق، ابن الجوزي. اللطائف والطب الروحاني. ص ١٠٨.
[ ١٥٣ ]
السيئة التي تترك أثرًا في النفس البشرية يتحوّل مع الأيام إلى حقدٍ وبغضٍ وعداوةٍ؛ لأنه كما يتأثر الإنسان بالمعروف والإحسان ويبقى أثرهما الطيّب فكذلك تأثره بالفعل السيّئ.
معالجة الحقد:
يصف ابن الجوزي هنا معالجات عدة للحقد، نذكرها باختصار فيما يأتي:
١ - قال ابن الجوزي: "وعلاج ذلك أن يكون بالعفو والصفح" (١)، بمعنى أن على الإِنسان أن يجتهد طاقته في إزالة ما علق في القلب بالعفو والصفح والتسامح والتجاوز عن السيئات، والتماس العذر للغير، قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ (٢).
٢ - وإذا وجد الإنسان أن هناك آثارًا من الحقد في قلبه لم تمح بعد فعليه أن يدرك كما قال ابن الجوزي: "أن الذي سُلط عليه لأذاه إنما هو بذنب منه، أو لتكفير خطأ، أو لرفع درجة، أو لاختباره في صبره (٣).
٣ - أن يستقبل إيذاء الآخرين له بأنه قضاء وقدر، وفي هذا يقول ابن الجوزي: "وثَمَّ علاجٌ أدقّ من هذا وهو أن يرى الأشياء من المقدَّر" (٤). وإذا تدبَّر الإنسان في كلام ابن الجوزي وجد في الآيات القرآنية والأحاديث النبوية ما يؤيد قوله وإن لم يستشهد بها، قال الله تعالى: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ (٥). وقول الرسول - ﷺ -: "ما يصيب المسلم من نصب ولا وصب، ولا همٍّ ولا حزنٍ، ولا أذي ولا غم، حتى الشوكة يشاكها إلا كَفَّر الله بها من خطاياه" (٦). وقوله - ﷺ -: "عجبًا لأمر المؤمن. إن أمره كله
_________________
(١) المرجع السابق، ص ١٠٩.
(٢) سورة فصلت، الآية ٣٤.
(٣) مرجع سابق، ابن الجوزي. اللطائف والطب الروحاني. ص ١٠٩.
(٤) المرجع السابق، ص ١٠٩.
(٥) سورة الروم، الآية ٤١.
(٦) مرجع سابق، العسقلاني. فتح الباري بشرح صحيح البخاري. الجزء العاشر،
[ ١٥٤ ]
خير، وليس ذاك لأحد إلا للمؤمن. إن أصابته سراء شكر. فكان خيرًا له، وإن أصابته ضراء صبر، فكان خيرًا له" (١) وأخيرًا إذا آمن إيمانًا صادقًا بأن أمر الله قدر مقدر، وأنه إذا أراد أمرًا قال له كن فيكون، فإنه لا شك سيصل إلى درجة الرضا والتسليم بالمكتوب، فتصفو نفسه، ويطهر قلبه من كل حقدٍ وعداوةٍ وأذىً فيعيش قرير العين، هادئ البال، محبًا ومحبوبًا من الجميع.
٣ - حقيقة انفعال الغضب ومعالجته:
لقد أودع الله تعالى في الإنسان انفعال الغضب، ليدفع عن نفسه الأذى، ويحمي حياته من الأخطار المحيطة به، أما إذا زاد عن حده الطبيعي فإنه يجلب الضرر، وفي ذلك يقول ابن الجوزي: "إن الغضب إنما ركب في طبع الآدمي ليحثه على دفع الأذى عنه والانتقام من المؤذي له، وإنما المذموم إفراطه، فإنه حينئذ يزيل التماسك، ويخرج عن الاعتدال، فيحمل على تجاوز الصواب، وربما كانت مكانته في الغضبان أكثر من مكانته في المغضوب عليه" (٢).
وحتى نتعرف على ماهية الغضب وأنواعه المحمود منها والمذموم، لابد من معرفة حقيقته التي عبر عنها ابن الجوزي بقوله: "والغضب حرارة تنتشر عند وجود ما يُغضب، فيغلي عندها دم الذات طالبًا للانتقام، وربما أَثَّر الحمى" (٣).
وهكذا نجد أن حقيقة الغضب ما هي إلا حرارة تتولد من أثر الأذى لقوله - ﷺ -: "ألا وإن الغضب جمرة في قلب ابن آدم" (٤). فيدفع
_________________
(١) = ص ١٠٣. كتاب المرضى، باب ما جاء في كفارة المرض. وقول الله تعالي ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ حديث رقم ٥٦٤٠.
(٢) مرجع سابق، النيسابوري. صحيح مسلم. الجزء الرابع، ص ٢٢٩٥، كتاب الزهد والرقائق، باب المؤمن أمره كله خير، حديث رقم ٦٤ - ٢٩٩٩.
(٣) مرجع سابق، ابن الجوزي. اللطائف والطب الروحاني. ص ١٠٩.
(٤) المرجع السابق، ص ١٠٩.
(٥) مرجع سابق، الترمذي. الجامع الصحيح وهو سنن الترمذي. الجزء الرابع، ص ٤٨٤، كتاب الفتن، باب ما جاء ما أخبر النبي - ﷺ - أصحابه بما هو كائن إلى يوم القيامة، حديث رقم ٢١٩١.
[ ١٥٥ ]
هذا الغضب إلى حرارة تنتشر في جميع جسم الإنسان فيرد بهذا الغضب، إما الأذى أو التشفي، فتبرد هذه الحرارة بعد ذلك. وتصحب هذه الغضبة حركات وانفعالات في وجه الغاضب، فيحمر الوجه والعين والبشرة من حرارة الغضب لقوله - ﷺ -: "ألا وإن الغضب جمرة في قلب ابن آدم أما رأيتم إلى حمرة عينيه، واننفاخ أوداجه، فمن أحس بشيءٍ من ذلك فليلصق بالأرض" (١).
معالجة الغضب:
ولتهدئة ثورة الغضبان، قرر ابن الجوزي بعض الإجراءات العلاجية التي اشتقها من أحاديث رسولنا الكريم - ﷺ -، سنذكرها فيما يلي:
١ - الاستعاذة بالله من الشيطان الرجيم: لابد من قول: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، لقوله - ﷺالذي استشهد به ابن الجوزي- عندما رأى رجلين يستبّان، أحدهما قد احمر وجهه وانتفخت أوداجه، فقال - ﷺ -: "إني لأعلم كلمة لو قالها لذهب عنه ما يجد، لو قال: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم". فقالوا للرجل: ألا تسمع ما يقول النبي - ﷺ -؟ قال: إني لست بمجنون" (٢).
٢ - تغيير الحركة: على الغضبان تغيير حاله، فإن كان قائمًا قعد وإن كان جالسًا وقف، أو اضطجع أو خرج من المكان كله، قال ابن الجوزي: "أن يتثبت الغضبان ويغير حاله، فإن كان ناطقًا سكت، وإن كان قائمًا قعد، وإن كان قاعدًا اضطجع ليسكن تلك الفورة، وإن خرج في الحال عن المكان، وبعد عن المغضوب عليه كان أصلح" (٣). وهذا مصداقُ لقول الرسول - ﷺ - الذي استشهد به ابن الجوزي - "إذا غضبَ أحدُكم وهو قائمٌ فليجلسْ، فإن ذهبَ عنه الغضبُ والا فليضطجعْ" (٤).
_________________
(١) المرجع السابق نفسه، الجزء والصفحة والكتاب والباب ورقم الحديث، المذكورات.
(٢) مرجع سابق، العسقلاني. فتح الباري بشرح صحيح البخاري. الجزء العاشر، ص ٥١٨، كتاب الأدب، باب الحذر من الغضب، حديث رقم ٦١١٥.
(٣) مرجع سابق، ابن الجوزي. اللطائف والطب الروحاني. ص ١٠٩.
(٤) الأزدي، أبو داود، سليمان بن الأشعث، السجستاني. سنن أبي داود. (إعداد وتعليق) الدعاس، عزت، عبيد، والسيد، عادل، الجزء الخامس، ص ١٤١، كتاب الأدب، باب ما يقال عند الغضب، حديث رقم ٤٧٨٢.
[ ١٥٦ ]
٣ - كظم الغيظ لأنه فضيلة: على الغاضب أن يتفكر في فضيلة كظم الغيظ وكسر حدة الغضب، يقول ابن الجوزي: "ثم يتفكر في فضل كظم الغيظ، فقد مدح الله سبحانه القوم" (١). فقال: ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ﴾ (٢) وقول الرسول - ﷺوإن لم يستشهد به ابن الجوزي- "من كَظَمَ غَيْظًا وهو قادرُ على أن ينفذُه دعاه الله يومَ القيامةِ على رؤوسِ الخلائقِ حتى يخيرهُ من أي الحورِ شاءَ" (٣).
٤ - ذكر قصة الناس الكثيري الغضب وعاقبة غضبهم: لقد أورد ابن الجوزي بعض القصص للعظة والعبرة لمن أفرط في غضبه، فقال: "ومتى لم يسكن الغضبان عند شدة فورته لم يؤمن أن تبدر منه نكاية يندم عليها إما في نفسه أو في المغضوب عليه، فكم ممن غضب فقتل وجرح اْو كسر عضو ولده ثم بقي الدهر نادمًا على ما فعل. ومنهم من ينكأ في نفسه، فإن رجلًا غضب مرةً فصاح فنفث الدم في الحال وأدى به الأمر إلى الهلاك، فمات، ولَكَم رجل رجلًا فانكسرت أصابع اللاكم ولم يستضرّ الملكوم" (٤).
وهذه القصص التي أوردها ابن الجوزي، لها مغزى تربوي جليل، يتضح في أخذ العظة والعبرة من الآخرين في سلوكهم الغاضب، وما نتج منه من ضررٍ ظاهرٍ يحسه القارئ أو المستمع، فيتجنبه، والقصص أسلوب تربوي غير مباشر.
٥ - أن يتصور الإِنسان حاله أو منظره في حالة الغضب ويقيس ذلك بحال سكونه: وقد قال ابن الجوزي في ذلك: "أن يتصور الغضبان حاله عند الغضب، ثم يتصور حاله عند السكون، فحينئذ يعلم أن حالة الغضب حالة جنون وخروج عن مقتضى العقل. ومتى لم ينثن عزم الغضبان عن ضرب المغضوب عليه فاستقر وغير ذلك ووعد نفسه بالفعل
_________________
(١) مرجع سابق، ابن الجوزي. اللطائف والطب الروحاني. ص ١٠٩.
(٢) سورة آل عمران، الآية ١٣٤.
(٣) مرجع سابق، الأزدي. سنن أبي داود. الجزء الخامس، ص ١٣٧، كتاب الأدب، باب من كظم غيظًا، حديث رقم ٤٧٧٧.
(٤) مرجع سابق، ابن الجوزي. اللطائف والطب الروحاني. ص ١١٠ - ١١١.
[ ١٥٧ ]
بشرط التثبت، فإنه إذا حصل التثبت رأى قبح ما عزم عليه فترك" (١).
ومن علاج ابن الجوزي يتضح لنا أنه عندما وجهه إلى ضرورة النظر والتدبر في حالته عند الغضب والهدوء، فإنه لاشك سيلمس الفرق بينهما، فالغضب كما سبق أن ذكرنا حرارة تبعث على الحركة الطائشة التي لا تدرك ولا تميز في لحظة انفعالها بين الخطأ والصواب، فيتصرف الفرد بطريقة عشوائية تختلف عن لحظة هدوئه وسكونه، فإذا تفكر وتمعن الإنسان في حالته، فهو لا شك يثير في نفس الإنسانِ الخجل من تصرفاته .. فيحاول أن يهذب انفعال الغضب قدر الإمكان، ويتجنب ما يثيره، حتى لا يبدو في صورة مشينة في نظره ونظر الآخرين.
٦ - الاقتداء بالسلف الصالح في مجاهدتهم لنفوسهم وتهذيبها: فقد حث ابن الجوزي الغاضب على الاقتداء بالسلف الصالح في مجاهدتهم لنفوسهم وتطويعها لخلق الحلم والعفو وكظم الغيظ، ولاسيما أن النفس البشرية تميل إلى الاقتداء بالصالحين، وفي ذلك يقول ابن الجوزي: "وقد كان السلف إذا غضبوا غفروا وصفحوا طلبًا لفضيلة العفو وكظم الغيظ. ومنهم من يرى السبب في إغضابه ذنوب نفسه، ومنهم من يرى أنه مختبر" (٢).
وبهذه المعاني العظيمة، جاهد السلف الصالح نفوسهم وتحرروا من الثأر لأنفسهم طلبًا لمرضاة الله تعالى، ولكسب فضيلة الحلم والعفو، وحتى تسمو نفوسهم أرجعوا غضبهم إلى ذنوبهم ومعاصيهم، أو إلى ابتلاء الله لهم في إيمانهم حتى يعلم الصادق منهم.
٧ - ألا يعاقب الإِنسان من آذاه إلا بعد سكون غضبه: لقد أورد ابن الجوزي تحذيرًا تربويًا، لضبط النفس البشرية عند الغضب، وما ينتج منه من ظلم وبغي وعدوان على الآخرين، فقال: ولا ينبغي للغضبان على الشخص أن يعاقبه في حال غضبه، وإن كان مستحقًا للعقوبة، بل يمهل حتى يسكن الغضب، لتكون العقوبة بمقدار
_________________
(١) المرجع السابق، ص ١١١.
(٢) المرجع السابق، ص ١١١.
[ ١٥٨ ]
الإساءة، لا بمقدار الغضب" (١).
وقد قام الكثير من الأوائل بترجمة هذا القول إلى عمل، وبلغوا القمة في العدل عند الغضب، فقد أُتي عمر بن عبد العزيز برجل كان واجدًا عليه، فقال: لولا أني غضبان لضربتك، ثم خلى سبيله" (٢). وذلك حتى لا يدفعهم الغضب إلى ظلم الناس وإضاعة حقوقهم.
وكل ما سبق ذكره من الغضب المذموم الذي عالجه الإِسلام، وبالغ في التحذير منه لما يجره من عواقب وخيمةٍ، أما الغضب المحمود -فلم يذكره ابن الجوزي- وهو الغضب الذي يحبذه الإِسلام، ويدعو إليه، وطبقه رسولنا الكريم - ﷺ - فيما روته السيدة عائشةَ -﵂- أنها قالت: "ما خُيِّر رسول الله - صلي الله عليه وسلم - بين أمرين قط إلا أخذ أيسرهما ما لم يكن إثمًا، فإن كان إثمًا كان أبعد الناس منه. وما انتقم رسول الله - صلي الله عليه وسلم - لنفسه في شيء قط، إلا أن تُنتهك حرمة الله، فينتقم بها لله" (٣).
وهكذا فإن الإِنسان المسلم مطالب بالغضب لله حين تنتهك حرمة من حرماته، أو يُعتدى على شعيرة من شعائر دينه، أو يُعطل حكمٌ من أحكامه، أو يستهزأ بآياته وحدوده، حتى يكون غضبه محمودًا لله وحده ولا يكون لنفسه.
٤ - حقيقة انفعال الحزن ومعالجته:
إن انفعال الحزن كغيره من الانفعالات، التي تجلب خيرًا أو تدفع ضرًّا، إذا كانت معتدلة دون إفراط، والحزن ضد الفرح والسرور.
وقد عرَّف ابن مسكويه الحزن بقوله: "ألم نفساني يعرض لفقد
_________________
(١) المرجع السابق، ص ١١١.
(٢) المرجع السابق، ص ١١١.
(٣) مرجع سابق، العسقلاني. فتح الباري بشرح صحيح البخاري. الجزء العاشر، ص ٥٢٤ - ٥٢٥، كتاب الأدب، باب قول النبي - ﷺ - "يسروا ولا تعسروا". حديث رقم ٦١٢٦.
[ ١٥٩ ]
محبوب أو فوت مطلوب، وسببه الحرص على القنيات الجسمانية، والشره إلى الشهوات البدنية، والحسرة على ما يفقده أو يفوته منها" (١).
وقد عرفه ابن قيم الجوزية: "بأنه انخلاع عن السرور، وملازمة الكآبة لتأسف عن فائت أو توجّع لممتنع" (٢).
والحزن من الأمور الطبيعية التي تصيب الإنسان في حياته اليومية، والإنسان منهي عن الحزن الشديد، الذي يقعده عن العمل وأداء الطاعات، قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيْسَ بِضَارِّهِمْ شَيْئًا إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ (٣)، وهذا الحزن يضعف القلب ويوهن الإرادة والعزيمة، لذلك استعاذ منه رسولنا الكريم - ﷺ -: "اللهمَّ إني أعوذُ بك من الهمِّ والحزَنِ، والعَجْزِ والكَسلِ، والبخل والجبن وضَلَع الدينِ وغَلَبَةِ الرجالِ" (٤). ومن دواعي الفرح لأهل الجنة أن الله -﷿- أذهَب عنهم الحزن، فلذلك يدعون قائلين: ﴿وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ﴾ (٥).
وقد اعتبره ابن قيم الجوزية مرضًا من أمراض القلب "التي تمنعه من نهوضه وسيره وتشميره، والثواب عليه ثواب المصائب التي يبتلى العبد بها بغير اختياره، كالمرض والألم ونحوهما" (٦).
أما الحزن المحمود فهو الذي يحرك الهمة للعمل الصالح، ويوقظ القلب الغافل، وهذا الذي قال فيه ابن الجوزي: "إن العاقل لا يخلو من
_________________
(١) ابن مسكويه، أبو علي، أحمد بن محمد بن يعقوب، الرازي. تهذيب الأخلاق وتطهير الأعراق. (قدم له) تميم، حسن، بيروت، لبنان، الطبعة الثانية، "منقحة"، دون تاريخ، ص ١٨٠ - ١٨١.
(٢) ابن قيم، الجوزية، الدمشقي، أبو عبد الله، محمد بن أبي بكر بن أيوب بن سعيد، الزرعي. طريق الهجرتين وباب السعادتين. بيروت، دار الكتاب العربي، دون طبعة وتاريخ، ص ٣٥٨.
(٣) سورة المجادلة، الآية ١٠.
(٤) مرجع سابق، العسقلاني. فتح الباري بشرح صحيح البخاري. الجزء التاسع، ص ٥٥٤، كتاب الأطعمة، باب الحيس، حديث رقم ٥٤٢٥.
(٥) سورة فاطر، الآية ٣٤.
(٦) مرجع سابق، ابن قيم الجوزية. طريق الهجرتين وباب السعادتين. ص ٣٦٠.
[ ١٦٠ ]
الحزن، لأنه يتفكر في سالف ذنوبه فيحزن على تفريطه، وفيما قال العلماء والصالحون فيحزن لفوته" (١).
وقد أيده في ذلك ابن قيم الجوزية فقال: "يحمد في الحزن سببه ومصدره ولازمه لا ذاته، فإن المؤمن إما أن يحزن على تفريطه وتقصيره في خدمة ربه وعبوديته، وإما أن يحزن على تورطه في مخالفته ومعصيته وضياع أيامه وأوقاته. وهذا يدل على صحة الإيمان في قلبه وعلى حياته، حيث شغل قلبه بمثل هذا الألم فحزن عليه" (٢). والإنسان المؤمن إذا عاش حزينًا على ما فاته من ثواب، نادمًا على تقصيره، حذرًا مما قد يرتكبه من آثام ومعاصي في مستقبل أيامه، تيقّظ قلبه، وتنبّهت جوارحه، ونشطت همته للمداومة والمثابرة على الطاعات والعمل الصالح.
وهذا يعتبر في حد ذاته قيمة تربوية كبير لتعديل السلوك وضبط الشهوات والدوافع.
وقد أورد ابن الجوزي بعض أقوال العلماء في الحزن، ليؤكد أهميته بما يزيد من إيمان المسلم، ويحفزه للعمل الصالح، فذكر قائلًا: "إن القلب إذا لم يكن فيه حزن خرب، كما أن البيت إذا لم يسكن خرب" (٣) وذكر أيضًا قوله:
"بقدر ما تحزن للدنيا، كذلك يخرج هم الآخرة من قلبك، وإذ قد تبين أن الحزن لا يزال ملازمًا لقلوب المتقين، فينبغي أن يتقي إفراطه، لأن الحزن إنما يكون على الفائت" (٤) والحزن الذي يقصده ابن الجوزي، هو الذي يجعل المرء قريبًا من الله تعالى، بعيدا عن الذنوب والمعاصي وعن التفكير الدائم في متاع الدنيا وما فاته منها، وفي ذلك يقول ابن الجوزي: "فإن كان المحزون عليه لا يمكن استدراكه لم ينفع الحزن وإن كان دينًا فينبغي أن يقاومه برجاء الفضل والرحمة لتعديل الحال، فأما إذا
_________________
(١) مرجع سابق، ابن الجوزي. اللطائف والطب الروحاني. ص ١١٨.
(٢) مرجع سابق، ابن قيم الجوزية. طريق الهجرتين وباب السعادتين. ص ٣٦٠.
(٣) مرجع سابق، ابن الجوزي. اللطائف والطب الروحاني. ص ١١٨.
(٤) المرجع السابق، ص ١١٨.
[ ١٦١ ]
كان الحزن لأجل الدنيا وما فات منها فذلك الحزن المبين، فليدفعه العاقل عن نفسه" (١).
معالجة الحزن:
والحزن في هذه الحالات، لابد له من علاجٍ تربوي حازمٍ، لينال المرء الأجر والمثوبة من الله تعالى ومن أقوى طرق علاجه التي ذكرها ابن الجوزي في قوله: "أن يعلم أنه لا يرد فائتًا وإنما يضم إلى المصيبة، مصيبة فتصير اثنتين، والمصيبة ينبغى أن تخفف عن القلب وتُدفَع، فإذا استعمل الحزن والجزع زادت ثقلًا" (٢).
ويؤكد ابن الجوزي في علاجه أهمية إيمان واقتناع الإنسان بأنه لا يستطيع رد الفائت، وأن كل شيء بتقدير العزيز الحكيم، وإنما على الإنسان أن يؤمن بالسنن الإلهية ويصبر ويحتسب الأجر من الله تعالي: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (١٥٥) الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (١٥٦) أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ (٣).
فإذا تدبر الإنسان ذلك عاش مرتاحًا، أما إذا استسلم للحزن والجزع، فإن ذلك سيقعده عن أداء العبادات والعمل الصالح، ويفوّت على نفسه أجرًا عظيمًا، ويرتكب إثمًا خطيرًا.
٥ - حقيقة انفعال الغم والهم ومعالجته:
انفعال الغم والهم من الأعراض النفسية التي تصيب الإنسان، بسبب ما تمر به من أحداث ومشكلات ومصاعب في حياته اليومية، ولا يجد لها حلولًا مرضية له.
وأورد معنى الغم كما ورد في لسان العرب، "الغم: واحد الغموم. والغم والغمة: الكرب، الأخيرة عن اللحياني، قال العجاج:
_________________
(١) المرجع السابق، ص ١١٨.
(٢) المرجع السابق، ص ١١٨.
(٣) سورة البقرة، الآيات ١٥٥ - ١٥٧.
[ ١٦٢ ]
بل لو شهدت الناسَ إذ تُكموا (١) بغُمَّةٍ، لو لم تفرَّجُ غموا
أما معنى الهم فهو: "الحزنُ، وجمعُه همومٌ، وهمَّه الأمر هَّمًا ومهمةً وأهمَّه فاهتمَّ واهتمَّ به. وقال ابن السكيت: الهمَّ من الحزنِ، والهمُ مصدر، همَّ الشحم يهمه إذا أذابه. والهمُ: مصدر هممتُ بالشيءِ همًّا (٢).
ولابن الجوزي رأي في الهم والغم فهو يقول: "الغم يكون للماضي، والهم للمستقبل، فمن اغتمَّ لما مضى من ذنوبه نفعه غمه على تفريطه، لأنه يثاب عليه، ومن اهتم بعمل خير نفعته همته، فأما إذا اغتم لمفقود من الدنيا فالمفقود لا يرجع، والغمَّ يؤذي، فكأنه أضاف إلى الأذى أذى" (٣).
ومن قول ابن الجوزي، يتضح لنا أنه حتى الغم والهم لابد أن يكونا معتدلين في الإنسان، ويكونا لله، وليس لحظ من حظوظ الدنيا، حتى يؤجر على ذلك، لقوله - ﷺ -: "ما يصيبُ المسلمَ من نصبٍ ولا وصب ولا هم، ولا حزن، ولا أذيٍ، ولا غمٍ، حتى الشوكةُ يشاكُها، إلا كَفَّرَ اللهُ بها من خطاياه" (٤).
وقد عبر عن ذلك ابن قيم الجوزية بقوله: "والمكروه الوارد على القلب إن كان من أمر ماضٍ أحدث الحزن، وإن كان من مستقيل أحدث الهمَّ، وإن كان من أمر حاضر أحدث الغمَّ" (٥).
علاج الغم والهم:
لقد حاول ابن الجوزي معالجة الغم والهم في ضوء التفكير الإسلامي بالمعالجات الآتية:
_________________
(١) تكموا: أي غُطُّوا بالغم.
(٢) مرجع سابق، ابن منظور. لسان العرب. المجلد الثاني عشر، ص ٤٤١، ص ٦١٩ - ٦٢١.
(٣) مرجع سابق، ابن الجوزي. اللطائف والطب الروحاني. ص ١١٩.
(٤) مرجع سابق، العسقلاني. فتح الباري بشرح صحيح البخاري. الجزء العاشر، ص ١٠٣، كتاب المرضى، باب ما جاء في كفارة المرض وقول الله تعالى: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾، حديث رقم ٥٦٤٠.
(٥) ابن قيم الجوزية، شمس الدين، أبو عبد الله. الفوائد. بيروت، دار العلوم الحديثة، دون طبعة وتاريخ، ص ٢٨ - ٢٩.
[ ١٦٣ ]
١ - اجتناب كثرة التعلق بالدنيا ومتاعها:
إن كثرة التعلق بالدنيا ومتاعها يجلب الغم والهم في نفس الإنسان، لذلك عليه بالتخفف من علائق الدنيا وعدم التكالب على متاعها وإنما يأخذ منها بقدر حاجته دون إفراطٍ أو تفريطٍ، وفي حدود المباح. . . وفي ذلك يقول ابن الجوزي: "وينبغي للحازم أن يحترز مما يجلب الغمّ، وجالبه فقد المحبوب، فمن كثرت محبوباته كثر غمه، ومن قللها قلَّ غمه" (١)، وبما أن الإنسان جُبلَ على حب الدنيا والاستمتاع بما فيها من طيبات، فكلما "طال إلفه لما يحبه واستمتاعه به تمكن من قلبه، فإذا فقده أحس من مر التألم في لحظة فقده بما يزيد على لذات دهره المتقدم، وهذا لأن المحبوب ملائم للنفس كالصحة، فلا تجد النفس لذتها إلا عند وجودها، وفقدها مناف لها، ولذلك تألم بالفقد ما لا تفرح بالموجود لأنها ترى وجود المحبوب كالحق الواجب لها" (٢).
٢ - العمل بالإيمان بالقدر:
لابد من ترويض النفس البشرية وتعويدها على الصبر على المباحات، وتقليل المفرحات، وقد وضع ابن الجوزي علاجًا لإزالة الغم والهم الحاصل من فقد المحبوبات للنفس البشرية، فقال: "ينبغي للعاقل تقليل الألفة، فإن اضطر إلى جوالب الغم، فأثمرت الغم، فعلاجه في الأول الإيمان بالقدر وأنه لابد مما قُضي" (٣)، قول الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا﴾ (٤)، وأنه تعالى جلت قدرته حكم: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ (٥).
٣ - معرفة حقيقة الدنيا والهدف من وجوده فيها:
إذا آمن الإنسان بالقدر واستيقنته نفسه، فعليه أن يعلم حقيقة الدنيا حتى تهون عليه فإنها "موضوعة على الكدر، فالبناء إلى النقض، والجمع
_________________
(١) مرجع سابق، ابن الجوزي. اللطائف والطب الروحاني. ص ١١٩.
(٢) المرجع السابق، ص ١١٩.
(٣) المرجع السابق، ص ١٢٠.
(٤) سورة الطلاق، الآية ٣.
(٥) سورة الفرقان، الآية ٢.
[ ١٦٤ ]
إلى التفرق، ومن رام بقاء ما لا ينبغي، كان كمن رام وجود ما لا يوجد، فلا ينبغي أن يطلب من الدنيا ما لم توضع عليه، كما قال الشاعر:
طُبِعَت عَلَى كَدَرٍ وَأَنْتَ تُرِيدُها صَفْوًا من الإِيذاءِ والأكدارِ" (١)
فإذا أدرك حقيقة الدنيا والهدف من وجودنا، خفف من تعلقه بها، فذهب همه وغمه.
٤ - تصور حوادث الزمان بصورةٍ مبالغ فيها:
ومن العلاج أيضًا لقطع دابر الغم والهم أن يبالغ في تصور حوادث الزمان حتى إذا نزلت هانت عليه، وفي ذلك يقول ابن الجوزي: "ثم يتصور ما نزل به مضاعفًا، فيهون عليه حينئذ ما هو فيه، ومن عادة الحمّال الحازم أن يترك فوق حمله شيئًا ثقيلًا، ثم يمشي خطواتٍ، ثم يرمي به فيخفُّ الأمر عنه، ثم ليرتقبْ زمن العافية هجوم البلاء، وليتخيل كما يتصور نزوله نازلًا. فإذا نزل بعض ذلك، كان ربحًا مثل أن يتصور أن يؤخذ ماله كله، فإذا أخذ البعض عد الباقي غنيمةً، ويتصور أن يعمى، فإذا رمد سهل الأمر، وكذلك جميع المضرات" (٢).
فإذا تدرج المرء في الأخذ بهذا العلاج، خفت حدة الغم والهم على حظوظ الدنيا.
٥ - معالجة المزاج السوداوي:
بيَّن ابن الجوزي أن الحزن والغمّ والهمّ قد يحدث من غلبة المزاج السوداوي، وهو الذي يميز صاحبه بأنه "شخص ضعيف ونحيل القوام، يتميز سلوكه بالانطواء والكآبة والتشاؤم وبطء التفكير وصعوبة التعامل مع الآخرين" (٣)، وعلاجه كما يرى ابن الجوزي: "بما يزيل السوداء
_________________
(١) المرجع السابق. اللطائف والطب الروحاني. ص ١٢٠.
(٢) المرجع السابق، ص ١٢٠.
(٣) مرجع سابق، محمد، محمد، محمود. علم النفس المعاصر في ضوء الإسلام. ص ٣٦٩.
[ ١٦٥ ]
بالمفرحات" (١)، والمقصود بالمفرحات، كل ما يجلب الفرح والسرور، والهدوء والاطمئنان في نفس المكتئب حتى يعيش مسرورًا متفائلًا مقبلًا على الحياة.
٦ - النهي عن الإفراط في الغم أو السرور:
وقد حذَّر ابن الجوزي من الإفراط في الغم أو السرور، بسبب ضررهما على النفس البشرية فقال: "والغم يجمد الدم، والسرور يلهب الدم حتى تعلو حرارته الغريزية، وهما جميعًا يضرّان، وربما قتلا إن لم يعجل تفتيرهما" (٢).
لذلك استعاذ رسولنا الكريم - ﷺ - من الغمِّ والهمِّ، ونهى عن كثرة الضحك، وكان أكثر ضحكه - ﷺ - تبسمًا، كذلك أمر الله تعالى بالاعتدال في الهم والسرور لقوله: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (٢٢) لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾ (٣).
٦ - حقيقة انفعال الفرح وعلاجه
يشعر الإنسان بانفعال الفرح أو السرور، إذا حصل على ما يحب من مالٍ أو جاهٍ أو نفوذٍ أو علمٍ أو إيمانٍ أو تقوى.
وعلى ذلك فالفرح أمر نسبي يتوقف على هدف الإنسان في الحياة، فإذا كان يحب المال فإنه يفرح بعد جمعه، وإن كان يحب الجاه والسلطان وفاز به، كان هذا سببًا لفرحه وسروره، وإن كان يحب أن يكون مؤمنًا تقيًّا، فإنه يجد السعادة والسرور في تمسكه بدينه ومرضاة ربه .. وهكذا.
حقيقة الفرح:
ولمزيد من الدقة نذكر أن الفرح في اللغة: "نقيض الحزن، وقال ثعلب: هو أن يجد في قلبه خفةً" (٤). والفرح قد يكون مذمومًا وقد
_________________
(١) مرجع سابق، ابن الجوزي. اللطائف والطب الروحاني. ص ١٢١.
(٢) المرجع السابق، ص ١٢١.
(٣) سورة الحديد، الآيتان ٢٢ - ٢٣.
(٤) مرجع سابق، ابن منظور. لسان العرب. المجلد الثاني، ص ٥٤١.
[ ١٦٦ ]
يكون ممدوحًا، فأما المذموم حسب المعنى اللغوي، ما جاء معناه: الفرح: "البطر. وقوله تعالى: ﴿لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ﴾ (١)، قال الزجَّاج: معناه، والله أعلم: لا تفرح بكثرة المال في الدنيا لأن الذي يفرح بالمال يصرفه في غير أمر الآخرة، وقيل: لا تفرح لا تأشر، والمعنيان متقاربان لأنه إذا سُرَّ ربما أشر" (٢)، وقد قال الله تعالى في الفرح بمتاع الدنيا: ﴿وَفَرِحُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا مَتَاعٌ﴾ (٣).
أما الفرع المحمود في المعنى اللغوي، فهو كما جاء "في حديث التوبة: للهُ أشدُّ فرحًا بتوبةِ عبدهِ. الفرح ههنا وفي أمثاله كناية عن الرضا وسرعة القبول وحسن الجزاء لتعذر إطلاق ظاهر الفرح على الله تعالى" (٤). وقد وردت الآيات القرآنية الكريمة لتؤكد حسن هذا الفرح المحمود كما في قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ (٥٧) قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ (٥). وقوله تعالى: ﴿فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا﴾ (٦).
والفرح كغيره من الانفعالات التي إذا قلت أو زادت ضرت الإنسان، لذلك ينبغي الاعتدال فيها، وفي ذلك يقول ابن الجوزي: "إذا اشتدَّ الفرح التهب الدم، وذلك يضرّ، وربما قتل إن لم يعدل" (٧)، ولاسيما إذا كان الباعث على الفرح متعة من متاع الدنيا، فإذا فقدها تملكه الحزن وانتابه اليأس، وقد صوره القرآن الكريم بقوله: ﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ إِنَّهُ لَيَئُوسٌ كَفُورٌ (٩) وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَاءَ بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّي إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ﴾ (٨).
_________________
(١) سورة القصص، الآية ٧٦.
(٢) مرجع سابق، ابن منظور. لسان العرب. المجلد الثاني، ص ٥٤١.
(٣) سورة الرعد، الآية ٢٦.
(٤) مرجع سابق، ابن منظور. لسان العرب. المجلد الثاني، ص ٥٤١.
(٥) سورة يونس، الآيتان ٥٧ - ٥٨.
(٦) سورة الإنسان، الآية ١١.
(٧) مرجع سابق، ابن الجوزي. اللطائف والطب الروحاني. ص ١٢٥.
(٨) سورة هود، الآيتان ٩ - ١٠.
[ ١٦٧ ]
ولا يكون الفرِح إلا من فضل الله ورحمته، لقوله تعالى: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ (١).
علاج الفرح الضار:
يمكن تلخيص أهم معالجات ابن الجوزي للفرح الضارّ في الأمور الآتية:
١ - أسلوب التدرج عند الأخذ بأسباب الفرح:
بيَّن ابن الجوزي أنه لابد من التدرج في الأخذ بأسباب الفرح حتى لا يتأذَّى الإنسان، لأن المبدأ الإسلامي مبني على ذلك، وعلى اجتناب الإفراط أو التفريط في جميع أمورنا ومنها الانفعالات، وفي ذلك يقول ابن الجوزي: "وينبغي للإنسان إذا رأى أسباب الفرح أن يدرج نفسه إليه، فإن يوسف -﵇- لما التقى بأخيه سأله هل لك من أبٍ؟ ولم يزل يلاطفه لئلا يفجأه بالسبب المفرِح، والفرح ينبغي أن يكون بمقدار ليعدل الحزن، فإذا ما أفرط فإنه دليل على الغفلة القوية، إذ لا وجه للفرح عند العاقل، فإنما يفرح بالطبع لما يُفرِحُ، ثم يذكر مصيره وخوف مآله، فينمحي ذلك الفرح، ومتى قويت غفلة الفرح حملت إلى الأشر والبطر، ومن هذا قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ﴾ (٢). يعني: الأشرين الذين خرجوا بالفرح إلى البطر" (٣).
٢ - التفكر في الذنوب ومصير الإنسان يخفف من الفرح الضارّ:
وحتى لا يصل الإنسان بفرحه إلى مرحلة البطش والتجبر، عليه أن يضبط انفعاله ويتفكر فيها مضى من ذنوبه ومعاصيه، وما سيواجهه من مصاعب وشدائد، فيكون ذلك سببًا في حزنه بدلًا من فرحه الشديد الذي قد يطغيه، وفي ذلك يقول ابن الجوزي: "وعلاج شدة الفرح بالفكر فيما قد سلف من الذنوب، وفيما سيأتيه من الشدائد" (٤).
_________________
(١) سورة يونس، الآية ٥٨.
(٢) سورة القصص، الآية ٧٦.
(٣) مرجع سابق، ابن الجوزي. اللطائف والطب الروحاني. ص ١٢٥ - ١٢٦.
(٤) المرجع السابق، ص ١٢٦.
[ ١٦٨ ]
٧ - انفعال الخوف والحذر من الموت وعلاجه
إن الخوف من الانفعالات التي تبعد الإنسان عن المخاطر إذا كانت معتدلةً، وتضره إذا زادت على حدها الطبيعي، وتؤدي به إلى التخاذل والإحباط.
حقيقة الخوف:
وقد عرَّف الإمام الغزالي الخوف بأنه: "عبارة عن تألم القلب واحتراقه بسبب توقع مكروهٍ في الاستقبال" (١).
وقد بيَّن ابن مسكويه أن الخوف "يعرض من توقع مكروه وانتظار محذور، والتوقع والانتظار إنما يكونان للحوادث في الزمان المستقبل" (٢).
وقد عرَّفه ابن الجوزي بقوله: "الخوف والحذر إنما هما للمستقبل، والحازم من أعد للخوف عدته قبل وقوعه، ونفي فضول الخوف مما لابد منه، إذ لا ينفعه خوفه منه" (٣).
علاج الخوف:
والخوف أمر فطري من طبيعة النفس البشرية، تعددت أنواعه، واختلفت طرق معالجته. فهناك خوف من أمور الدنيا .. مثل الخوف من الفقر أو الموت أو المستقبل. أو الخوف من أذى الناس والمرض والمجهول، والخوف الآخر هو الخوف من الله تعالى، ويكون ذلك بتنفيذ أوامره واجتناب نواهيه.
أ - علاج الخوف على الرزق
وقد عالجت الآيات القرآنية والأحاديث النبوية كل مخاوف البشر الزائفة، لأنه لا فائدة منها، ولا تغير شيئًا من واقع الإنسان، وإنما هي تبديد للطاقة وتدمير للكيان وضياع للنفوس من دون نتيجة. فجاءت الآيات لتحوّل الخوف على الرزق إلى إيمان يقيني بالرازق: ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ
_________________
(١) مرجع سابق، الغزالي. إحياء علوم الدين. الجزء الرابع، ص ١٦٣.
(٢) مرجع سابق، ابن مسكويه. تهذيب الأخلاق وتطهير الأعراق. ص ١٧٣.
(٣) مرجع سابق، ابن الجوزي. اللطائف والطب الروحاني. ص ١٢١.
[ ١٦٩ ]
الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ (١)، وتطلع إلى ما عنده من رزقٍ كريم: ﴿فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ﴾ (٢)، مع سعي دائب وتوكل على الله: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ﴾ (٣) وقوله: ﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ﴾ (٤). وهذا العلاج لم يذكره ابن الجوزي.
ب - علاج الخوف من الموت:
ثم حررته من الخوف من الموت، وأنه بيد الله وحده جلت قدرته: ﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَإِلَيْنَا الْمَصِيرُ﴾ (٥)، وأنه حق على كل إنسان ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ (٦)، في اليوم الذي حدده الله تعالى: ﴿وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا﴾ (٧)، وأن الحذر لا يمنع القدر: ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾ (٨)، فإذا أدرك الإنسان هذه الحقائق وتدبرها، فإن خوفه من الموت سيتحول إلى عمل دائم لمرضاة الله تعالى، واستعدادٍ مستمر للتزود بما ينفعه بعد موته.
وبعد هذا العرض السريع للخوف .. يمكن توضيح وجهة نظر ابن الجوزي في معالجة الخوف في الأمور الآتية:
١ - عدم تذكر الموت باستمرار
يقول ابن الجوزي: "فأما الخوف من الموت والفكر فيه، فإنه لا سبيل إلى دفعه عن النفس، وإنما يخفف الأمر العلم بأنه لابد منه، فلا يفيد الحذر إلا زيادةً على المحذور وكلما تصورت شدته كانت كل تصويرة موتًا، فليصرف الإنسان فكره عن تصور الموت ليكون ميتًا مرةً
_________________
(١) سورة الذاريات، الآية ٥٨.
(٢) سورة العنكبوت، الآية ١٧.
(٣) سورة الملك، الآية ١٥.
(٤) سورة الذاريات، الآية ٢٢.
(٥) سورة ق، الآية ٤٣.
(٦) سورة آل عمران، الآية ١٨٥.
(٧) سورة المنافقون، الآية ١١.
(٨) سورة النساء، الآية ٧٨.
[ ١٧٠ ]
واحدة لا مرات. ويكون صرف الفكر ربحًا، وليعلم أن الله تعالى قادر على تهوينه إذا شاء، وليوقن بأن ما بعده أخوف منه، لأن الموت قنطرة إلى منزل إقامة، وإنما ينبغى للإنسان أن يكثر من ذكر الموت ليعمل له، لا لنفس تصويره وتمثيله" (١).
٢ - الثبات والصبر عند نزول الموت وما يجب على الإنسان فعله:
فإذا تدبر في حقيقة الموت وأهمية العمل له، ثم نزل به الموت، فعليه بالثبات والصبر والسداد، لأنها "ساعة تحتاج إلى معاناةٍ صعبةٍ، لأن صورتها ألم محض، وفراق المحبوبات، ثم ينضم إلى ذلك هول السكرات، والخوف من المآل، ويأتي الشيطان فيسخط العبد على ربه ويقول: انظر في أي شيء ألقاك، وما الذي قضى عليك به، وكيف يؤلمك، وها أنت تفارق ولدك وأهلك وتُلقَى بين أطباق الثرى، فربما أسخطه على ربه وكرّه قضاء الله تعالى إليه، وأنطقه بكلامٍ يتضمن نوع اعتراض، وربما حسَّن إليه الجور في الوصية، وأن يزوي لبعض الورثة، إلى غير ذلك من المحن، فتتعيَّن حينئذ الحاجة إلى معالجة إبليس ومعالجة النفس" (٢). وهنا يلفت ابن الجوزي النظر إلى أهمية الخوف ساعة نزول الموت ساعة الاحتضار، والاستعداد لمواجهته بمعالجة النفس البشرية ومحاربة الشيطان وكيده، فينبغي معالجة النفس البشرية قبل الموت وذلك بتحري مرضاة الله تعالى في جميع أقواله وأفعاله الظاهرة والباطنة، واتباع شرعه وتطبيقه سنَّة رسوله - ﷺ -، وليضع في حسبانه -كما ذكر ابن الجوزي-: "أن من حفظ الله في صحته حفظ الله في مرضه، ومن راقب الله في خطراته حرسه الله عند حركات جوارحه" (٣)، وقد استشهد ابن الجوزي بقول الرسول - ﷺ -: "احفظ اللهَ تجده تجاهك، تعرّف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة" (٤). ثم ذكر ابن الجوزي كيفية علاج النفس عند الاحتضار فقال: "فينبغي أن تشجع النفس وتقول لها: إنما هي ساعة ثم
_________________
(١) مرجع سابق، ابن الجوزي. اللطائف والطب الروحاني. ص ١٢١ - ١٢٢.
(٢) المرجع السابق، ص ١٢٢.
(٣) المرجع السابق، ص ١٢٣.
(٤) المرجع السابق، ص ١٢٣.
[ ١٧١ ]
أرجو كمال الراحة، كما قال - ﷺ - لفاطمة -﵂-: لا كرب على أبيك بعد اليوم، ودعى أبو بكر بن عباس عند الموت إلى الرجاء، فقال كيف لا أرجوه وقد صمت له ثمانين رمضان. وقال المعتمر بن سليمان: قال لي أبي: يا بني اقرأ عليّ أحاديث الرخص لعلي ألقى الله وأنا حسن الظن به. فينبغي للمؤمن أن يرمي صوت الخوف ويحدو الناقة. . . ." (١).
وهنا يحث ابن الجوزي على تغليب الرجاء على الخوف في هذا الموقف العصيب ساعة الاحتضار، وقد استشهد بقول الفضيل بن عياض: "الخوف أفضل من الرجاء، فإذا أنزل الموت فالرجاء أفضل" (٢).
٣ - تحسين الأعمال الصالحة:
ثم ليتأكد أن أعمال الإنسان الصالحة تنقذه في شدته مصداقًا لقصة يونس -﵇- في قول الله تعالى: ﴿فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ (١٤٣) لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ (٣)، وأن أعمال الإنسان السيئة تكون وزرًا عليه كما في قصة فرعون: ﴿آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾ (٤).
٤ - الإكثار من الاستعاذة من الشيطان:
وعلى المرء عند معالجته للنفس البشرية في ساعة الاحتضار، أن يكثر من الاستعاذة من الشيطان، لأن الشيطان في تلك الساعة يقول لأعوانه: "إن فاتكم فلان الآن لم تقدروا عليه أبدًا" (٥) وصيغة الاستعاذة قول الرسول - ﷺ -: "وأعوذ بك أن يتخبطني الشيطان عند الموت" (٦).
_________________
(١) المرجع السابق، ص ١٢٣.
(٢) المرجع السابق، ص ١٢٤.
(٣) سورة الصافات، الآيتان ١٤٣ - ١٤٤.
(٤) سورة يونس، الآية ٩١.
(٥) مرجع سابق، ابن الجوزي. اللطائف والطب الروحاني. ص ١٢٣.
(٦) مرجع سابق، الأزدي أبو داود، سليمان بن الأشعث. سنن أبي داود. (تحقيق) عبد الحميد، محمد، محيي الدين، الجزء الثاني، ص ٩٢، كتاب الصلاة، باب في الاستعاذة، حديث رقم ١٥٥٢.
[ ١٧٢ ]
٥ - إحسان الظن بالله تعالى
كذلك على المرء في لحظة موته أن يحسن الظن بالله تعالى حتى لا يغويه الشيطان، وقد استشهد ابن الجوزي بقول الرسول - ﷺ - في ذلك: "لا يَموتنَّ أحدُكم إلا وهو يحسن بالله الظن" (١). وقوله - ﷺ -: "قال الله -﷿- أنا عند ظنِ عبدي بي" (٢).
جـ - علاج الخوف من المستقبل
حرر الله تعالى الإنسان من الخوف من المستقبل، لأن المستقبل غيب لا يعلمه إلا الله -﷿-: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ (٣)، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ (٤). كما حررِه من الخوف من أذي الناس لقول الله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا وَلَا نَفْعًا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ﴾ (٥). وقوله تعالى: ﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ (٦)، وهذا العلاج لم يذكره ابن الجوزي ولكن ذكرته الباحثة لتوفي الموضوع حقه.
د - علاج الخوف من المرض:
كذلك حرره من الخوف من نزول المرض به، وفي ذلك يقول ابن الجوزي: "ولا ينبغي للعاقل أن يشتد خوفه من نزول المرض، فإنه نازل
_________________
(١) مرجع سابق، النيسابوري. صحيح مسلم. الجزء الرابع، ص ٢٢٠٥، كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب الأمر بحسن الظن بالله تعالى عند الموت، حديث رقم (٨١ - ٢٨٧٧).
(٢) المرجع السابق، الجزء الرابع، ص ٢٠٦١، كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار، باب الحث على ذكر الله تعالى، حديث رقم (٢ - ٢٦٧٥).
(٣) سورة الأنعام، الآية ٥٩.
(٤) سورة الحجرات، الآية ١٨.
(٥) سورة الأعراف، الآية ١٨٨.
(٦) سورة التوبة، الآية ٥١.
[ ١٧٣ ]
لابدّ، وخوف ما لابدّ أن يأتي زيادة أذى" (١)، وإنما على الإنسان أن يعلم، أن نزول المرض يكفّر الذنوب، لأن رسولنا الكريم - ﷺ -: "دخلَ على أمِّ السائبِ أو على أم المسيَّب فقال: مالك؟ يا أم السائب أو المسيب تزفزفين؟ قالت: الحمى لا باركَ اللهُ فيها. فقال: لا تسبى الحمى. فإنها تذهبُ خطايا بني آدم كما يُذهبُ الكيرُ خبثَ الحديدِ" (٢). وقوله - صلي الله عليه وسلم -: "ما من مسلم يصيبهُ أذى من مرضٍ فما سواه إلا حطَّ اللهُ به سيئاتهِ كما تحُطُّ الشجرَة ورقَها" (٣). ولا يقتصر الأجر على المريض بل يتعداه إلى زائر المريض لقوله - ﷺ -: "من عادَ مريضًا لم يزل في خرفةِ الجنةِ [وفي رواية حتى يرجع]. قيل: يا رسول الله وما خُرفةُ الجنةِ؟ قال: جناها" (٤). وهكذا حرر المنهج التربوي الإسلامي الإنسان من كل المخاوف البشرية، لأنها مستمدة من قوى بشرية ضعيفة لا تملك لنفسها ضرًا ولا نفعًا، يطلقها لتواجه الحياة وهي قوية عزيزة، مؤمنة مطمئنة إلى قدر الله. ثم ليوجهها نحو الخوف الحقيقي من مالك كل شيء، وبيده الأمر كله، فعلى ذلك، ينبغي أن يكون الخوف من الله ومما يخوف به الله. قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ (٥).
وقد اعتبر الإمام الغزالي الخوف من الله من الخوف المحمود، لأنه "سوط الله يسوق به عباده إلى المواظبة على العلم والعمل لينالوا بهما رتبة القرب من الله تعالى" (٦).
_________________
(١) مرجع سابق، ابن الجوزي. اللطائف والطب الروحاني. ص ١٢١.
(٢) مرجع سابق، النيسابوري، أبو الحسين، مسلم بن الحجاج. صحيح مسلم. (تحقيق) عبد الباقي، محمد، فؤاد، الجزء الرابع، ص ١٩٩٣، كتاب البر والصلة والآداب، باب ثواب المؤمن فيما يصيبه من مرض أو حزن أو نحو ذلك، حتى الشوكة يشاكها، حديث رقم ٤٥٧٥.
(٣) المرجع السابق، ص ١٩٩١، حديث رقم ٢٥٧١.
(٤) المرجع السابق، الجزء الرابع، ص ١٩٨٩، كتاب البر والصلة والآداب، باب فضل عيادة المريض، حديث رقم ٤٢.
(٥) سورة آل عمران، الآية ١٧٥.
(٦) مرجع سابق، الغزالي. إحياء علوم الدين. الجزء الرابع، ص ١٦٥.
[ ١٧٤ ]
وعمومًا فإن الخوف المطلوب هو الذي يربِّي النَّفس البشرية على كف الجوارح عن المعاصي والآثام، وتقييدها بالطاعات، وهذا الخوف هو الذى يجعل الإنسان مجاهدًا لنفسه ضابطًا لشهواته، متحكمًا في دوافعهِ بطريقة ترضي الله تعالى، فينال ثوابه الجزيل، قال الله تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى﴾ (١).
وحتى يتمكن الإنسان من مجاهدة نفسه، وضبط دوافعه، وكف جوارحه من خلال خوفه من الله تعالى، فقد حدد الفقيه السمرقندي سبعة أمور لعلاج الخوف إلا من الله -﷿-، تتلخص في الآتي:
الأول: "يتبيَّن في لسانه، فيمتنع لسانه من الكذب والغيبة وكلام الفضول، ويجعل لسانه مشغولًا بذكر الله وتلاوة القرآن ومذاكرة العلم.
والثاني: أن يخاف في أمر بطنه، فلا يدخل بطنه إلا طيبًا حلالًا، ويأكل من الحلال مقدار حاجته.
والثالث: أن يخاف في أمر بصره، فلا ينظر إلى الحرام، ولا إلى الدنيا بعين الرغبة وإنما يكون نظره على وجه العبرة.
والرابع: أن يخاف في أمر يده، فلا يمد يده إلى الحرام وإنما يمد يده إلى ما فيه طاعة الله -﷿-.
والخامس: أن يخاف في أمر قدميه فلا يمشي في معصية الله.
والسادس: أن يخاف في أمر قلبه، فيخرج منه العداوة والبغضاء وحسد الإخوان، ويدخل فيه النصيحة والشفقة للمسلمين.
والسابع: أن يكون خائفًا في أمر طاعته فيجعل طاعته خالصةً لوجه الله، ويخاف الرياء والنفاق، فإذا فعل ذلك فهو من الذين قال الله فيهم (٢): ﴿وَالْآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ (٣).
_________________
(١) سورة النازعات، الآيتان ٤٠ - ٤١.
(٢) السمرقندي، نصر بن محمد بن إبراهيم. تنبيه الغافلين. (تحقيق) الوكيل، عبد العزيز، محمد، جدة، دار الشروق، الطبعة الثالثة، ١٤٠٧ هـ -١٩٨٦ م، الجزء الثاني، ص ٤٢٠ - ٤٢١.
(٣) سورة الزخرف، الآية ٣٥.
[ ١٧٥ ]
د - العواطف:
حقيقتها:
لقد وردت تعريفات عدة حول ماهيّة العاطفة، سنذكر بعضًا منها، فقد عزفها بعض الدارسين: "بأنها تنظيم مركب من انفعالاتٍ عدة ركزت حول موضوع معين، وصوحبت بنوع من الخبرات السَّارة أو المؤلمة.
وعرّفها بعض الدارسين: "بأنها استعداد مكتسب ناتج من تنظيم النواحي الانفعالية والنزوعية نحو موضوعٍ معين" (١).
أما ابن الجوزي فلم يعرف العاطفة ولم يوضح أنواعها كالكره والنفور أو الرهبة والخوف، ولكنه اقتصر على بيان عاطفة العشق وما يتعلق بها، بحيث أفرد لها كتابًا مستقلًا أسماه "ذم الهوى" جمع فيه بين الحب وأخباره الحقيقية والنادرة، دفعته غيرة المؤمن إلى بيان الحق والضلال في هذا الموضوع. وسنناقش هذا الموضوع بإيجاز مفيد تقتضيه طبيعة البحث، بدلًا من تفصيل يحتاج إلى بحث مستقل.
١ - حقيقة العشق
لقد عرف الأوائل والإسلاميون والمحدثون معنى العشق بعدة تعريفات. وسأورد أولًا معناه اللغوي: فقد جاء في لسان العرب: "العشقُ: فرطُ الحب، وقيل: هو عجبُ المحبُ بالمحبوبِ يكون في عفافِ الحب ودعارتهِ؛ عَشِقَه يعشَقُه وعشقًا وتعشقه، وقيل: التعشقُ تكلَّفُ العشَقِ، وقيل: العِشقُ الاسم والعشَقَ المصدر" (٢).
وقد أورد ابن الجوزي في كتابه ذم الهوى، ماهية العشق وحقيقته عند الأوائل، فذكر تعريف أفلاطون وهو: "العشق حركة النفس الفارغة بغير فكرة".
وقال فيثاغورس: "العشق طمع يتولد في القلب، ويتحرك
_________________
(١) مرجع سابق، محمد، محمد، محمود. علم النفس المعاصر في ضوء الإسلام. ص ١٩١ - ١٩٢.
(٢) مرجع سابق، ابن منظور. لسان العرب. المجلد العاشر، ص ٢٥١.
[ ١٧٦ ]
وينمى، ثم يتربى ويجتمع إليه مواد من الحرص، فكلما قوي ازداد صاحبه في الاهتياج واللجاج، والتمادي في الطمع، والفكر في الأماني، والحرص على الطلب، حتى يؤديه ذلك إلى الغم والقلق".
وقد عرَّفه الأصمعي بقوله: "إذا تقادحت الأخلاق المتشاكلة وتمازجت الأرواح المتشابهة، ألهبت لمع نور ساطع، يستضيء به العقل وتهتز لإشراقه طباع الحياة، ويتصور من ذلك النور خلق خاص بالنفس متصل بجوهريتها، يسمى العشق".
أما ابن الجوزي فقد عرفه بقوله: "إن العشق شدة ميل النفس إلى صورة تلائم طبعها، فإذا قوى فكرُها فيها تصورت حصولها وتمنت ذلك، فيتجدد من شدة الفكر مرض" (١).
٢ - أسباب العشق:
وقد استخلص ابن الجوزي من مجموع هذه التعاريف وغيرها، أسباب العشق فقال: "سبب العشق مصادفة النفس ما يلائم طبعها، فتستحسنه وتميل إليه، وأكثر أسباب المصادفة النظر، ولا يكون ذلك باللمح بل بالتثبت في النظر ومعاودته، فإذا غاب المحبوب عن العين طلبته النفس ورامت القرب منه، ثم تمنت الاستمتاع به، فيصير فكرها فيه، وتصويرها إياه في الغيبة حاضرًا، وشغلها كله به، فيتجدد من ذلك أمراض لانصراف الفكر إلى ذلك المعنى، وكلما قويت الشهوة البدنية قوي الفكر في ذلك" (٢).
٣ - علاج العشق:
لقد اعتبر ابن الجوزي العشق مرضًا من الأمراض القلبية، التي تأتي من مداومة النظر، ومن شباب الإنسان وشهوته، وهو بذلك يخالف من رد أسباب العشق إلى السمع وذكر محاسن المحبوب. وفي ذلك يقول: "من احتمى عن التخليط بغضّ البصر وكفّ النظر سلم من هذا
_________________
(١) مرجع سابق، ابن الجوزي. ذم الهوى. ص ٢٨٩ - ٢٩٠، ٢٩٢ - ٢٩٣.
(٢) المرجع السابق، ص ٢٩٦.
[ ١٧٧ ]
المرض .. ومجرد النظر إلى المستحسن لا يكاد يوجب العشق، وإنما يزداد به تحصيله ويعينه قوة الطمع، فيساعده الشباب والشهوة" (١).
وتتلخص معالجات ابن الجوزي للعشق في الأمور الآتية:
١ - غضّ البصر:
وحتى يقي المرء نفسه من هذا المرض فعليه بغضّ البصر، مصداقًا لقول الله تعالى: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ (٣٠) وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ﴾ (٢).
٢ - استشعار خوف الله واحتساب أجره:
على المرء أن يقدم خوف الله تعالى بين يديه، ويحتسب أجر الخائف، كما ورد في حديث رسولنا الكريم - ﷺ -: "سبعةٌ يظلّهم الله تعالى في ظلّه يوم لا ظل إلا ظلُّه -ذكر منهم- ورجل دعته امرأة ذات منصبٍ وجمالٍ، فقال: إني أخاف الله" (٣). وهذا ما أكده ابن الجوزي في قوله: "فمن أراد العلاج فليبادر به قبل أن يستحكم المرض وذلك بقطع السبب والصبر في ذلك على المضض، فإن اليأس أعظم دواءٍ، وأقوى معينٍ على ذلك خوف الله تعالى" (٤).
٣ - زجر النفس وتذكر عيوب المحبوب:
ومن العلاج أيضًا قال ابن الجوزي: "زجر النفس الأبية عن مواقف الذلّ وتذكر عيوب المحبوب الباطنة، كما قال ابن مسعود: إذا أعجبت أحدَكم امرأةٌ فليذكرْ مثالبَها (معايبها) " (٥).
_________________
(١) مرجع سابق، ابن الجوزي. اللطائف والطب الروحاني. ص ٩٧.
(٢) سورة النور، الآيتان ٣٠ - ٣١.
(٣) مرجع سابق، العسقلاني. فتح البارى بشرح صحيح البخاري. الجزء الثالث، ص ٢٩٣، كتاب الزكاة، باب الصدقة باليمين، حديث رقم ١٤٢٣.
(٤) مرجع سابق، ابن الجوزي. اللطائف والطب الروحاني. ص ٩٧.
(٥) المرجع السابق، ص ٩٧.
[ ١٧٨ ]
٤ - الاستعفاف بالنكاح:
يحث ابن الجوزي العاشق على المسارعة إلى إعفاف نفسه بأحد العلاجين، أولهما أن يتزوج المحب من يحبُّها متى كان هذا مقدورًا عليه ومباحًا، وقد أشار إلى ذلك بقوله "ومتى كان المحبوب مقدورًا عليه مباحًا كان الجمع بينهما أعظم الدواء" (١)، وذلك مصداق لقول الرسول - ﷺوإن لم يستشهد به ابن الجوزي- " لمْ يُرَ للمُتحابَّينِ مثلُ النِّكاح" (٢).
والعلاج الثاني: إعفاف نفسه بالزوجة الصالحة، وفي ذلك يقول: "وإلا فالنكاح في الجملة يخفف المرض" (٣).
٥ - أمور مساعدة للعلاج:
إذا أخذ المرء نفسه بالأمور السابقة، ولم يتخلص من داء العشق أو يخفف منه، فإن ابن الجوزي يرشده إلى أمورٍ أخرى مساعدةٍ للتخلص من مرض العشق، وهي كما قال: "واستجداد الزوجات واستحداث الجواري وطول السفر والتفكر في خيانة المحبوب وتجنّيه، والنظر في كتب الزهد، وذكر الموت وعيادة المرضى وزيارة القبور، ثم يتفكر في وجود غرضه وانقضائه، وسآمته مع الزمان، وتغير الخلق، وليتصفح العِبَر في نفسه وغيره، فلعل غيره يأخذ بيده فينتاشه (٤) من هذه الهوة ويجتذبه من هذه الورطة" (٥).
وقد ذكر ابن الجوزي طائفة وأنواعًا من العلاج ولم يكتف بعلاج واحد، فالإنسان إذا عزم على اختيار ما يناسبه منها، فإنه لا شك سيتخلص من جميع أمراضه النفسية والقلبية التي تشغله عن طاعة الله ومرضاته.
_________________
(١) المرجع السابق، ص ٩٧.
(٢) الألباني، محمد، ناصر الدين. صحيح الجامع الصغير وزيادته (الفتح الكبير). بيروت، المكتب الإِسلامي، الطبعة الثانية، ١٤٠٦ هـ - ١٩٨٦ م، المجلد الثاني، ص ٩٢٣، حديث رقم ٥٢٠٠.
(٣) مرجع سابق، ابن الجوزي. اللطائف والطب الروحاني. ص ٩٧.
(٤) معنى فينتاشه: أي ينقذه.
(٥) المرجع السابق، ص ٩٧.
[ ١٧٩ ]