سمى ابن الجوزي المرحلة الثالثة بموسم الكهولة، وقال فيها: "من ذلك الزمان إلى تمام الخمسين سنة وذلك زمن الكهولة، وقد يقال كهل لما قبل ذلك" (٢). أي من ٣٥ - ٥٠ سنة. أما علم النفس فيختلف مع ابن الجوزي، فتبدأ مرحلة الكهولة من الـ ٤٠ وتنتهي بالـ ٦٠ سنة، وتسمى "مرحلة وسط العمر" (٣). وقد حددها د. الهاشمي من ٢٦ - ٥٠ سنة، وأسماها مرحلة أواسط العمر" (٤).
وقد ركز ابن الجوزي في هذه المرحلة على جانبين اثنين:
الجانب الأول: ميل الإنسان لشهواته وضرورة ضبط النفس عن الهوى والشهوة، قال "وهذا الزمان فيه بقية من الشباب، وللنفس فيه ميل إلى الشهوة وفيه جهاد حسن، وإن كانت طاقات الشيب تزعج، وترغب في جهاد اللهو، وليكتف الكهل بنور الشيب الذي أضاء له سبيل الرحيل، وليعامل بالبقية المائلة إلى الهوى يربح ولكن لا كربح الشاب" (٥).
الجانب الثاني: زمن العلم والحفظ والتأليف، فقال عن ذلك: "فيكون زمان الطلب والحفظ والتشاغل إلى الأربعين، ثم يبتدئ بعد
_________________
(١) المرجع السابق، ص ٢٢٨ - ٢٢٩.
(٢) مرجع سابق، ابن الجوزي."تنبيه النائم الغمر على مواسم العمر" ص ٥٨.
(٣) مرجع سابق، السيد، فؤاد، البهي. الأسس النفسية للنمو. ص ٣٣٥.
(٤) الهاشمي، د. عبد الحميد، محمد. علم النفس التكويني. القاهرة، مكتبة الخانجي، الطبعة الثالثة، ١٩٧٦ م، ص ٢٥٩.
(٥) مرجع سابق، ابن الجوزي. "تنبيه النائم الغمر على مواسم العمر". من كتاب. التحفة البهية والطرفة الشهية. ص ٦١.
[ ٢٤٧ ]
الأربعين بالتصانيف والتعليم. هذا إذا كان قد بلغ ما يريد من الجمع والحفظ وأعين على تحصيل المطالب" (١).
وقد أثبتت الدراسات النفسية "أن ذروة الإنتاج العقلي في نواحي النشاط المختلفة تظهر في المرحلة الزمنية التي تمتد من ٢٠ سنة إلى ٤٠ سنة" (٢). إلى ما بعدها، وهذا ما نلاحظه من إنتاج كبار المفكرين الذين نبغوا في أعمال عظيمة قبل سن الأربعين وبعده؛ لأن موهبة التأليف ليس لها زمن محدد. وإن كان ابن الجوزي قد نبه على استغلال هذه الفترة الزمنية من العمر في العلم والكتابة والحفظ والتأليف لأنها سن النضج والوعي.