عايش ابن الجوزي ظواهر طبيعية متعددة أثرت في الأوضاع الاجتماعية، من هذه الظواهر الطبيعية أنه حصلت "زلزلة عظيمة" (٧) و"هبت ريح شديدة قصفت النخل والشجر" (٨) ولم يأت مطر إلا قطرات لا تبل الأرض وأشرفت المواشي على العطب من قلة العشب وظهر بالناس علة انتفاخ الحلق، فمات به خلق كثير وغارت المياه من الأنهار
_________________
(١) المرجع السابق، الجزء العاشر، ص ١٠٣.
(٢) المرجع السابق، الجزء العاشر، ص ١٩٤. معنى كلمة الرشا: الرشوة.
(٣) المرجع السابق، الجزء العاشر، ص ٢٠٨.
(٤) المرجع السابق، الجزء العاشر، ص ٦٩. معنى السقائين: هم الرجال الذين يحملون الماء إلى البيوت.
(٥) المرجع السابق، الجزء العاشر، ص ٦٩.
(٦) المرجع السابق، الجزء العاشر، ص ١٢٤ - ١٣٢.
(٧) المرجع السابق، الجزء العاشر، ص ١٣٨.
(٨) المرجع السابق، الجزء العاشر، ص ٢٢١.
[ ٦٤ ]
والآبار" (١)، ونتيجة هذه الظواهر الطبيعية "وقع الغلاء والقحط" (٢) و"مات الناس جوعًا حتى أكلوا الكلاب" (٣)، بينما بالغ السلاطين والوزراء في الترف والبذخ إلى حد الإسراف والمجاهرة بالمنكرات كما حدث عندما "ولدت ابنة قاروت من السلطان مسعود ولدًا ذكرًا فعلقت بغداد وظهرت المنكرات" (٤). فاحتج بعضهم مثل الزاهد ابن الكواز على ذلك قائلا "إن أزلتم هذا وإلا بتنا في الجوامع وشكونا إلى الله تعالى فحطوا التعاليق فمات الولد" (٥). كذلك كانت لهم مظاهر اجتماعية مختلفة في احتفالات الزواج والولادة والختان وفي الاحتفال بالخليفة الجديد. وقد جرت العادة عند تنصيب الخليفة "نثر الدنانير" (٦) وإقامة الولائم "عند الختان" (٧) وغلق الأسواق "عند الموت" (٨).
ومما سبق نرى أن الظواهر الطبيعية وما نتج منها من المجاعة والأمراض وإسراف الطبقات المترفة في المجتمع، وما نتج عنه من الفوضى والفساد، بالإضافة إلى تقديس العادات والتقاليد الموجودة في المجتمع، كل ذلك أدى إلى عدم استقرار الوضع الأمني والاقتصادي في البلاد، كما أدى إلى وجود الطبقية (٩) بين الأفراد، فالطبقات الخاصة وقوامها الخلفاء والأمراء والقادة والوزراء، والطبقات العامة تضم العلماء والصنّاع والكسبة والتجار والمفسدين في المجتمع كفئة العيارين، الذين كثر فسادهم "ففتكوا وقتلوا ودخلوا إلى دكاكين البزازين يطالبونهم بالذهب ويتهددونهم بالقتل" (١٠)، كذلك ساعدت هذه الأوضاع
_________________
(١) المرجع السابق، الجزء العاشر، ص ١٢٠.
(٢) المرجع السابق، الجزء العاشر، ص ١٣٤.
(٣) المرجع السابق، الجزء السادس، ص ٣٣١.
(٤) المرجع السابق، الجزء العاشر، ص ٨٤.
(٥) المرجع السابق، الجزء العاشر، ص ٨٥.
(٦) المرجع السابق، الجزء العاشر، ص ٥١.
(٧) المرجع السابق، الجزء التاسع، ص ٢٤٥.
(٨) المرجع السابق، الجزء العاشر، ص ٦.
(٩) مرجع سابق، ابن الجوزي. صيد الخاطر. ص ٣٤١.
(١٠) مرجع سابق، ابن الجوزي. المنتظم فى تاريخ الملوك والأمم. الجزء العاشر، ص ٥٨.
[ ٦٥ ]
الاجتماعية المختلفة على وجود فرقة المتصوفة التي اتسمت بالعزلة والانغلاق كرد فعل للترف والفساد الحضاري، كما استغلت هذه الأوضاع فرقة الباطنية التي قتلت وسفكت الدماء.