يعتبر ابن الجوزي كغيره من علمائنا المسلمين، الذين ما زال تراثهم التربوي بحاجة إلى بحث ودراسة وإعادة صياغة بطريقة تربوية سليمة. وقد كان لبعض الأساتذة المتخصصين في مجال التربية رأيهم في تراث ابن الجوزي التربوي، فهذا د. حسن عبد العال يقول: "كان له -﵀- مشاركات في مختلف العلوم والفنون، فلم يعدم الفكر التربوي مشاركته، فضمَّن مؤلفاته نظرات ثاقبة في تقويم الطباع ورياضة الولدان وتأديب الإنسان وسياسته، غير أن نظراته التربوية المتناثرة في مؤلفاته، التي تربو على (٣٠٠) مصنف بين مخطوط ومطبوع، لم تجد طريقها حتى الآن إلى أيدي الناس، فما زال تراثه التربوي كتراث الكثيرين غيره من أعلام
_________________
(١) مرجع سابق، ابن رجب. الذيل على طبقات الحنابلة. الجزء الأول، ص ٤١٤.
(٢) مرجع سابق، ابن كثير. البداية والنهاية. الجزء الثالث عشر، ص ٢٩.
(٣) المرجع السابق، الجزء الثالث عشر، ص ٢٨.
[ ٩٨ ]
المسلمين ينتظر من ينفض عنه غبار السنين، ليكشف عن صفحات مشرقه من إسهامات علماء الإسلام الأفذاذ الذين أطلعوا العالم -ردحًا من الزمن- على معالم نظام تربوي متكامل البنيان راسخ الأصول، وأرسوا باجتهاداتهم أصول التربية الصحيحة ومبادئها. لقد جاءت اجتهادات ابن الجوزي التربوية لتبرز إلى جانب اجتهادات أقرانه من رجالات الفكر الإسلامي، معالم صورة رائعة لنتاج الثقافة الإسلامية في مجال التربية" (١).
كذلك عبر د. عبد الرحمن صالح عبد الله عن رأيه في ابن الجوزي بقوله: "من خلال قراءة آراء ابن الجوزي نصل إلى نتيجة واضحة وهي أنه دعا إلى العديد من المبادئ التي لم يتنبه إليها علماء النفس إلا حديثًا، ومن أهم هذه الآراء ارتباط الذكاء بالجانب الأدائي. ثم إن تأكيد ابن الجوزي على الربط بين العقل وبين بعض السمات الانفعالية واهتمامه بالجانب الترويحي وإشاراته المتكررة إلى الجانب الإيماني يُظهر بجلاء أنه نظر إلى العقل نظرة متكاملة، إذ لا فصل بين العقل وبين الجوانب الأخرى في الشخصية الإنسانية. ومع أن سبق ابن الجوزي وغيره من العلماء المسلمين واضح جلي إلا أن المربين وعلماء النفس كثيرًا ما يتجاهلون هذه الحقائق ويقفزون عند معالجة موضوعاتهم من الفكر اليوناني والروماني إلى عصر النهضة فالعصر الحديث" (٢).
وقال فيه الباحث محمد أحمد خلف الله بعد أن بين "أَن العلماء الأوروبيين لم يتعرضوا لبحث ظاهرة الذكاء إلا في القرن التاسع عشر" (٣): "أليس مما يطمئن له قلب الباحث العربي الحديث أن يجد من بين شيوخ الإسلام من اتجه إلى مثل هذا النوع من البحث والتأليف منذ
_________________
(١) عبد العال، د. حسن، إبراهيم. (من ملامح الفكر التربوي عند الإمام أبي الفرج بن الجوزي). مجلة رسالة الخليج العربي. الرياض مكتب التربية العربي لدول الخليج، السنة الرابعة ١٤٠٤ هـ -١٩٨٤ م، العدد الثالث عشر، ص ٢٢.
(٢) عبد الله، د. عبد الرحمن، صالح. ابن الجوزي وتربية العقل. مكة المكرمة، شركة مكة للطباعة والنشر، الطبعة الأولى، ١٤٠٦ هـ -١٩٨٦ م، ص ٤٩ - ٥٠.
(٣) خلف الله، محمد، أحمد. "الذكاء عند ابن الجوزي". مجلة دراسات تربوية. الفاهرة، رابطة التربية الحديثة، ١٣ ميدان التحرير، طبعة يونيه ١٩٨٧ م، المجلد الثاني، الجزء السابع، ص ٢٩.
[ ٩٩ ]
أكثر من ثمانية قرون؟ إلا أنه لو عثر على مثل هذا الكتاب بين المؤلفات الأوروبية القديمة لجعل له الباحثون مكانا ظاهرًا في تاريخ علم النفس، ولاعتبروه من المراجع (١) التي لابد من دراستها لكل متخصص في هذا الفرع" (٢).
كذلك للدكتورة آمنة محمد نُصَير رأي في ابن الجوزي عبرت عنه قائلة: وحيثما تأملنا كلام ابن الجوزي في تربية الصغار وهو الموضوع الذي أولاه عناية ملحوظة نراه بلغة عصره أخصائيًا نفسيًا ومربيًا عظيمًا وناصحًا أمينًا" (٣).
هذا ولصاحب كتاب الانطلاقة التعليمية في المملكة العربية السعودية، رأي في ابن الجوزي من الناحية التربوية، عبر عنه قائلًا: "وابن الجوزي صاحب رسالة لفتة الكبد إلى نصيحة الولد وهي من الدرر الغوالي شبيهة برسالة أيها الولد كتبها لقرة عينه ووحيده الباقي له من خمسة ذكور، فهي فى أسلوبها وقوة إشراقها. . . تعتبر رسالة جيدة من كنوز تراثنا التربوي" (٤).
ومن هنا يتضح لنا أن ابن الجوزي، بدأ فعلًا يحتل مكانًا علميًا وتربويًا بارزًا بين علماء المسلمين، بسبب اهتمام الباحثين بآرائه التربوية ومحاولة استخراجها وتصنيفها وتحليلها وبلورتها في وحدة تربوية متكاملة.
وهذه الدراسة -بإذن الله تعالى- ستكون ضمن المحاولات التي ستبرز منزلة ابن الجوزي التربوية، وقد سبقتها دراسة الباحثة حليمة أبو رزق عن التربية العقلية عند ابن الجوزي وقد عُرضت الدراسات السابقة، وقد أثبتت ريادته في مجال التربية العقلية وَسَبقه علماء الغرب.
_________________
(١) القصود به كتاب الأذكياء لابن الجوزي.
(٢) مرجع سابق، خلف الله، محمد، أحمد. "الذكاء عند ابن الجوزي". مجلة دراسات تربوية. المجلد الثاني، الجزء السابع، ص ٣٠.
(٣) مرجع سابق، نصير، د. آمنة، محمد. أبو الفرج ابن الجوزي آراؤه الكلامية والأخلاقية. ص ٢٧٢.
(٤) بغدادي. عبد الله، عبد المجيد. الانطلاقة التعليمية في المملكة، أصولها، جذورها، أولوياتها. جدة، دار الشروق، الطبعة الثانية، ١٤٠٦ هـ- ١٩٨٥ م، الجزء الثاني، ص ٦٢٣.
[ ١٠٠ ]