يعتبر الصبر من الأخلاق الفاضلة التي ينبغي للمرء تدريب نفسه عليها، فالصبر ضرورة دنيوية ودينية. وقد وعد الله تعالى الصابرين
_________________
(١) المرجع السابق، ص ٢٦٩.
(٢) المرجع السابق، ص ٢٦٩.
(٣) المرجع السابق، ص ٢٦٩.
(٤) المرجع السابق، ص ٢٦٩.
[ ٣٧٩ ]
بالأجر العظيم في الدارين، قال الله تعالى: ﴿أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلَامًا﴾ (١). وفي كتاب الله آيات كثيرة بشأن الصبر وفضله وجزاء الله عليه.
وقد بيَّن ابن قيم الجوزية أقسام الصبر على اعتبار أنها متعلقة بأنواعه الثلاثة، فقال: "صبر على الأوامر والطاعات حتى يؤديها، وصبر عن المناهي والمخالفات حتى لا يقع فيها. وصبر على الأقدار والأقضية حتى لا يتسخطها" (٢). وفي هذا المعنى قال ابن الجوزي: "ورأيت الإنسان قد حمل التكليف أمورًا صعبة، ومن أثقل ما حمل مداراة نفسه، وتكليفها الصبر عما تحب، وعلى ما تكره" (٣) وقوله أيضًا: "ليس في التكليف أصعب من الصبر على القضاء، ولا فيه أفضل من الرضى به" (٤).
وتأتي مشقة الصبر على النفس البشرية من أنه يكون مخالفًا لما تحب وتهوى. قال ابن الجوزي: "وإنما صعب الصبر لأن القدر يجري في الأغلب بمكروه النفس، وليس مكروه النفس يقف على المرض والأذى في البدن، بل هو يتنوع حتى يتحير العقل في حكمة جريان القدر" (٥).
لذلك يتطلب الصبر، الإيمان بالقدر خيره وشره، وأن يكون موقنًا بقول الرسول - ﷺ -: "عجبًا لأمرِ المؤمنِ: إن أمرهُ كله خيرٌ. وليس ذاك لأحدٍ إلا للمؤمن. إن أصابته سراءُ شكرَ فكان خيرًا له. وإن أصابته ضراءُ صبرَ، فكانَ خيرًا له" (٦). حتى تنقاد النفس البشرية راضية مطمئنة في ضوء هذه المعرفة واليقين الإيماني بالله -﷿-. وفي ذلك يقول ابن
_________________
(١) سورة الفرقان، الآية ٧٥.
(٢) ابن قيم الجوزية. عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين. بيروت، دار الآفاق الجديدة الطبعة، الرابعة، ١٤٠٠ هـ - ١٩٨٠ م، ص ٣٢.
(٣) مرجع سابق، ابن الجوزي. صيد الخاطر. ص ٩٨.
(٤) المرجع السابق، ص ٩١.
(٥) المرجع السابق، ص ٩١.
(٦) مرجع سابق، النيسابوري. صحيح مسلم. الجزء الرابع، ص ٢٢٩٥، كتاب الزهد والرقائق، باب المؤمن أمره كله خير، حديث رقم (٦٤ - ٢٩٩٩).
[ ٣٨٠ ]
الجوزي: "إن الرضى من جملة ثمرات المعرفة، فإذا عرفته رضيت بقضائه، وقد يجري في ضمن القضاء مرارات، يجد بعض طعمها الراضي. أما العارف فتقل عنده المرارات لقوة حلاوة المعرفة. فإذا ترقّى بالمعرفة إلى المحبة، صارت مرارة الأقدار حلاوة" (١).
لذلك ينصح ابن الجوزي بالتدريب الواعي على الصبر وتحمّل المشاقّ، من خلال المعرفة العميقة بالله تعالى وقدره والحكمة منه، حتى تنبت المحبة في قلب الإنسان، فيجد حلاوة الايمان. فيقول في ذلك: "فينبغي الاجتهاد في طلب المعرفة بالأدلة، ثم العمل بمقتضى المعرفة بالجدّ في الخدمة، لعل ذلك يورث المحبة" (٢). وقد استشهد بقول الرسول - ﷺ - في الحديث القدسي عن الله ﷻ: "لا يزالُ العبدُ يتقربُ إليّ بالنوافلِ حتى أحبَّه، فإذا أحببتُه كنت سمعَه الذي يسمعُ به، وبصرَه الذي يبصِرُ به" (٣).
الوسائل المعينة على الصبر:
هناك وسائل عدة ذكرها ابن الجوزي لتقوية الإرادة، ومساعدتها على الصبر، وهذه الوسائل هي:
١ - الوسيلة الأُولى
تدبُّر القرآن الكريم وآيات الصبر فيه، والتبصر بأحاديث الصبر، المقوية للإرادة. وقد وضح ابن الجوزي هذه النقطة بالتفصيل، مدعّما إياها بالآيات القرآنية والأحاديث النبوية، فقال: "ومما يقوي الصبر على الحالتين النقل والعقل" (٤). وقد قسم النقل إلى: القرآن الكريم والسُّنّة النبوية الشريفة. ثم قسم القرآن الكريم قسمين: القسم الأول: "بيان سبب إعطاء الكافر والعاصي. فمن ذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ
_________________
(١) مرجع سابق، ابن الجوزي. صيد الخاطر. ص ٩٤.
(٢) المرجع السابق، ص ٩٥.
(٣) مرجع سابق، العسقلاني. فتح الباري بشرح صحيح البخاري. الجزء الحادي عشر، ص ٣٤٠ - ٣٤١، كتاب الرقائق، باب التواضع، حديث رقم ٦٥٠٢.
(٤) مرجع سابق، ابن الجوزي. صيد الخاطر. ص ٩٢.
[ ٣٨١ ]
لِيَزْدَادُوا إِثْمًا﴾ (١). ﴿وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فِضَّةٍ﴾ (٢).
والقسم الثاني: ابتلاء المؤمِن بما يلقى، كقوله تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ﴾ (٣). ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا﴾ (٤).
ثم قسم ابن الجوزي السُّنّة إلى قول وحال. فقال فيهما: "أما الحال: فإنه - ﷺ - كان يتقلبُ على رمالِ حصير تؤثرُ في جنبه، فبكى عمرُ - ﵁ -. وقال: كسرى وقيصر في الحَريرِ والديباجِ، فقال له - ﷺ -: "أفي شك أنت يا عمر؟ ألا ترضى أن تكونَ لنا الآخرةُ ولهم الدنيا" (٥). وأما القول (٦): فكقوله - ﷺ -: "لو أنَّ الدنيا تساوي عندَ اللهِ جناحَ بعوضةٍ ما سقى كافرًا منها شربة ماء" (٧).
أما العقل فقد قال فيه ابن الجوزي: "وأما العقل: فإنه يقوي عساكر الصبر بجنود منها أن يقول: قد ثبتت عندي الأدلة القاطعة حكمة المقدِّر. فلا أترك الأصل الثابت لما يظنه الجاهل خللا" (٨). ثم بيَّن ابن الجوزي أن على المرء أن يقنع نفسه قائلًا: "قد ثبت أن المؤمن بالله كالأجير، وأن زمن التكليف كبياض نهار، ولا ينبغي للمستعمل في
_________________
(١) سورة آل عمران، الآية ١٧٨.
(٢) سورة الزخرف، الآية ٣٣.
(٣) سورة آل عمران، الآية ١٤٢.
(٤) سورة البقرة، الآية ٢١٤.
(٥) مرجع سابق، ابن ماجه، أبو عبد الله، محمد بن يزيد، القزويني. سنن الحافظ أبي عبد الله، محمد بن يزيد، القزويني ابن ماجه. (حققه ووضع فهارسه بالكمبيوتر) الأعظمي، محمد، مصطفى، الجزء الثاني، ص ٤١٧، أبواب الزهد، ضجاع آل محمد - ﷺ -، حديث رقم ٢٤٠٥.
(٦) مرجع سابق، ابن الجوزي. صيد الخاطر. ص ٩٣.
(٧) مرجع سابق، الترمذي. الجامع الصحيح. وهو سنن الترمذي. الجزء الرابع، ص ٥٦٠، كتاب الزهد، باب ما جاء في هوان الدنيا على الله -﷿-، حديث رقم ٢٣٢٠.
(٨) مرجع سابق، ابن الجوزي. صيد الخاطر. ص ٩٣.
[ ٣٨٢ ]
الطين أن يلبس نظيف الثياب، بل ينبغي أن يصابر ساعات العمل، فإذا فرغ تنظف ولبس أجود ثيابه. فمن ترفَّه وقت العمل، ندم وقت تفريق الأجرة، وعوقب على التواني فيما كلف، فهذه النبذة تقوّي أزر الصبر" (١).
٢ - الوسيلة الثانية:
قصّ قصص الأنبياء -﵈-، وما تعرضوا له من ابتلاءات مختلفة وثباتهم وصبرهم عليها، هذه القصص تؤثر في تدريب النفس البشرية على الصبر وتحمل البلاء. قال ابن الجوزي: "ونوح سأل في ابنه فلم يُعطَ مراده، والخليل ابتلي بالنار، وإسماعيل بالذبح، ويعقوب بفقد الولد. ويوسف بمجاهدة الهوى. وأيوب بالبلاء، وداود وسليمان بالفتنة. وجميع الأنبياء على هذا. وأما ما لقي نبينا محمد - ﷺ - من الجوع والأذى وكدر العيش فمعلوم" (٢).
فإذا تفكر الإنسان في أن أنبياء الله تعالى وهم صفوة الخلق، تعرضوا للبلاء، وجنوا ثمار ذلك الصبر، الأجر العظيم من الله تعالى، فإنه لا شك سيصبر، ولاسيما إذا أيقن أن الله تعالى وضع الدنيا للبلاء، ليختبر إيمان الإِنسان وصبره، قال ابن الجوزي: "فالدنيا وضعت للبلاء، فينبغي للعاقل أن يوطَّن نفسه على الصبر، وأن يعلم أن ما حصل من المراد فلطف، وما لم يحصل فعلى أصل الخلق والجبِلَّة للدنيا كما قيل:
طُبعتْ على كدرٍ وأنت تُريدُها صَفْوًا من الأقذاءِ والأكدارِ
ومكلفُ الأيامِ ضدَ طباعِها متطلبٌ في الماءِ جذوةَ نارِ
وهاهنا تبين قوة الإيمان وضعفه، فليستعمل المؤمن من أدوية هذا المرض التسليم للمالك والتحكيم لحكمته" (٣).
٣ - الوسيلة الثالثة:
مدارة النفس البشرية والتلطف بها بشغلها بما يرضي الله تعالى،
_________________
(١) المرجع السابق، ص ٩٣.
(٢) المرجع السابق، ص ٣٨٨.
(٣) المرجع السابق، ص ٣٨٨.
[ ٣٨٣ ]
ووعدها الجميل لتصبر على ما قد حملت. قال ابن الجوزي: "فرأيت الصواب قطع طريق الصبر بالتسلية والتلطف للنفس" (١). وقد استشهد ابن الجوزي، بما يحكى عن بشر الحافي -﵀- أنه "سار ومعه رجل في طريق فعطش صاحبه، فقال له: نشرب من هذه البئر؟ فقال بشر: اصبر إلى البئر الأخرى، فلما وصلا إليها، قال له: البئر الأُخرى، فما زال يعلّله. . . ثم التفت إليه فقال له: هكذا تنقطع الدنيا" (٢).
٤ - الوسيلة الرابعة:
احتساب الأجر من الله تعالى، وما يتبعه من تعويض الله -﷿- له في الدنيا والآخرة، ومدحه للصابرين، كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ﴾ (٣). وفي هذا يقول ابن الجوزي: "ومن ذلك رجاء العوض في الدنيا. ومنه تلمح الأجر في الآخرة. ومنه التلذذ بتصوير المدح والثناء من الخلق فيما يمدحون عليه والأجر من الحق -﷿-، ومن ذلك أن الجزع لا يفيد، بل يفضح صاحبه، إلى غير ذلك من الأشياء التي يقدحها العقل والفكر. فليس في طريق الصبر نفقة سواها. فينبغي للصابر أن يشغل بها نفسه، ويقطع بها ساعات ابتلائه، وقد صبّح المنزل" (٤).
٥ - الوسيلة الخامسة:
التفكُّر في أسباب البلاء والصبر عليها، وطلب الأجر والمثوبة من الله -﷿-. قال ابن الجوزي: "ثم ليسلَّ نفسه بأن المنع ليس عن بخل، وإنما هو لمصلحة لا يعلمها، وليؤجر الصابر عن أغراضه، وليعلم الله الذين سلَّموا ورضُوا. ثم إن زمن الابتلاء مقدار يسير، والأغراض مدخرة تلقى بعد قليل، وكأنه بالظلمة قد انجلت، وبفجر الأجر قد طلع. ومتى ارتقى فهمه إلى أن ما جرى مرادُ الحقّ سبحانه، اقتضى إيمانه أن يريد ما يريد، ويرضى بما يقدَّر، إذ لو لم يكن كذلك كان خارجًا عن حقيقة العبودية في المعنى" (٥).
_________________
(١) المرجع السابق، ص ٩٨.
(٢) المرجع السابق، ص ٩٩.
(٣) سورة الزمر، الآية ١٠.
(٤) مرجع سابق، ابن الجوزي. صيد الخاطر. ص ١٥٦.
(٥) المرجع السابق، ص ٣٨٨.
[ ٣٨٤ ]
٦ - الوسيلة السادسة:
أن يعلم الصابر أنه عن طريق الصبر، يحصل على ثلاثة أنواع من العبادات تقوي إرادته، وتسمو بروحه، وترفع من درجته عند الله تعالى. قال ابن الجوزي: "فإذا جمعت بين الاستغفار وبين التوبة من الذنوب، والصبر على القضاء وسؤال الفرج، حصّلتَ ثلاثة فنون من العبادة، تثاب على كل منها" (١).