إن الداعي إلى موازنة آراء ابن الجوزي التربوية بآراء المربين المسلمين المعاصرين هو بيان أوجه التشابه والاختلاف، ومعرفة مدى تأثر المربين المسلمين في الوقت الحاضر بعلمائنا السابقين، وما أخذوه منهم نصًّا وروحًا، وما أضافوه لتوضيح المفاهيم والأهداف، وبيان الطريقة والوسيلة، حسب الحاجة المعاصرة لهم.
والشخصية التربوية الإِسلامية المختارة لموازنة آراء ابن الجوزي التربوية بآرائها هي شخصية الدكتور عمر محمد التومي الشيباني، الأستاذ بكلية التربية في جامعة الفاتح بالجماهيرية الليبية. وقد ولد د. الشيباني في مدينة مصراته بليبيا في عام ١٩٣٠ م. وقد تنقل في المراحل الدراسية المختلفة كالآتي: أتم دراسته الثانوية في عام ١٩٥١ م، ثم حصل على ليسانس كلية دار العلوم - جامعة القاهرة في عام ١٩٥٥ م، وفي عام ١٩٥٦ م حصل على دبلوم معهد التربية العالي - جامعة عين شمس، ثم
[ ٥٣٨ ]
حصل على دبلوم الدراسات العليا - قسم التاريخ الإِسلامي في عام ١٩٥٦ م. ثم حصل على شهادة الماجستير من الجامعة الأمريكية بواشنطن عام ١٩٥٩ م، وأخيرًا حصل على شهادة الدكتوراة في التربية من جامعة جورج واشنطن، بواشنطن - الولايات المتحدة في عام ١٩٦٣ م.
وقد تقلد د. الشيباني عددًا من المناصب العلمية، فعمل محاضرًا بكلية الآداب والتربية الجامعة الليبية من ١٩٦٢ م - ١٩٦٤ م. ثم مساعدًا لمدير كلية المعلمين العليا من عام ١٩٦٤ م - ١٩٦٥ م، ثم أمينًا لمجلس التعليم الأعلى من عام ١٩٦٥ م - ١٩٦٧ م، ثم عمل مديرًا عامًا لرعاية الشباب من عام ١٩٦٨ م - ١٩٦٩ م. ثم تولى رئاسة الجامعة الليبية من عام ١٩٦٩ م - ١٩٧٤ م. وهو حاليًا يشغل درجة أستاذ بكلية العلوم الاجتماعية التطبيقية في جامعة الفاتح بطرابلس - ليبيا.
وقد قامت الباحثة بعرض مختصر لأهم الموضوعات التربوية التي بحثها الدكتور عمر محمد التومي الشيباني في ثلاثة من كتبه، سنبدأها بكتابه (١) من أسس التربية الإِسلامية، ثم توازنها بآراء ابن الجوزي التربوية، وتحدد ما توصلت إليه في ضوء هذه الموازنة.
موضوعات الكتاب
قسم د. الشيباني الموضوعات إلى فصول ومنها إلى مباحث، وستكتفي الباحثة بذكر الفصول فقط حتى لا يطول البحث، وهي كالآتي:
• الفصل الأول: نحو بناء فلسفة تربوية تستمد أصولها من مبادئ الإِسلام.
• الفصل الثاني: فضل المعلم ووظيفته في التربية الإسلامية.
• الفصل الثالث: شخصية المعلم المسلم.
_________________
(١) لدى المؤلف العديد من الكتب المتخصصة في التربية الإسلامية منها على سبيل المثال:
(٢) آراء في الإصلاح التربوي.
(٣) دور التربية في بناء الفرد والمجتمع.
[ ٥٣٩ ]
• الفصل الرابع: الصفات الإيمانية للمعلم المسلم.
• الفصل الخامس: الصفات الخلقية للمعلم المسلم.
• الفصل السادس: الصفات العقلية والنفسية والبدنية المرغوب فيها للمعلم في التربية الإِسلامية.
• الفصل السابع: واجبات المعلم وآدابه في التربية الإِسلامية.
• الفصل الثامن: حقوق المعلم في التربية الإِسلامية.
• الفصل التاسع: إعداد المعلم في التربية الإِسلامية.
• الفصل العاشر: أسس الإدارة التربوية في التربية الإِسلامية.
• الفصل الحادي عشر: من أسس النظام المدرسي في التربية الإِسلامية.
• الفصل الثاني عشر: فلسفة العقوبة المدرسية في التربية الإِسلامية.
• الفصل الثالث عشر: الدور التربوي للأُسرة في الإِسلام.
• الفصل الرابع عشر: تربية المرأة في الإِسلام.
تناول د. الشيباني في الفصل الأول من كتابه من أسس التربية الإِسلامية الموضوع الأول فيه وهو: "نحو بناء فلسفة تربوية تستمد أصولها من مبادئ الإِسلام" وقد بيَّن فيه أهمية التربية بالنسبة لتقدم المجتمع الإِسلامي، وبناء فلسفة تربوية صالحة للتعليم في المجتمع الإِسلامي فإنها أُولى خطوات إصلاح هذا التعليم، ثم ميَّز بين المفهوم المناسب للفلسفة التربوية، والمصادر التي ينبغي أن تشتق منها الفلسفة التربوية في المجتمع الإِسلامي. وأهم مقومات وشروط الفلسفة التربوية المستمدة من الإِسلام، وأخيرًا المبادئ الفلسفية والتربوية التي ترتكز عليها الفلسفة التربوية الإِسلامية.
وهذا الموضوع لم يتعرض له ابن الجوزي؛ لأنه يعتبر من الموضوعات التربوية التي فرضتها طبيعة العصر الحاضر ومتغيراته المختلفة في جميع جوانب الحياة، بسبب ما آلت إليه أحوال المجتمعات الإِسلامية المعاصرة، وقد بين د. الشيباني أن أهم سبب دعاه للكتابة في هذا
[ ٥٤٠ ]
الموضوع هو "تخلي المسلّمين عن التطبيق الكامل السليم لتعاليم وأحكام دينهم في كافة شؤون حياتهم، وتخلفهم الفكري والتربوي في حاضر حياتهم؛ فهم ما وقعوا فيما وقعوا فيه من مشكلات وتأخر إلا بعد أن انسلخوا عن تعاليم دينهم وأهملوا ما فيه من معاني القوة والعزة من دعوة إلى العلم النافع والعمل الصالح والجهاد في سبيل الله، وبعد أن تخلّفوا فكريًّا وأهملوا التعليم وأصبحوا مقلِّدين لغيرهم في كافة نظمهم التعليمية والاقتصادية والسياسية والتشريعية، يطبقون نظمًا غريبة عن قيم دينهم وثقافتهم الإِسلامية الأصيلة، فأفقدهم هذا التطبيق هويتهم وشخصيتهم الإِسلامية المميزة التي كانت لهم إبان عظمة وازدهار أمتهم" (١).
ومن أجل ذلك لابد من بناء فلسفة تربوية تستمد أصولها من مبادئ الإِسلام وتعاليمه وقيمه، وتصبغ التربية والتعليم بالصبغة الإِسلامية، التي تكفل إعداد الأجيال المؤمنة.
أما عصر ابن الجوزي فقد كان يتميز بتطبيق الإِسلام في الجانب التربوي والتعليمي بصفة خاصة، وكل ما يتعلق بالتربية والتعليم مستمد من مبادئ الإِسلام وتعاليمه وقيمه، لذلك لم يتعرض لها ابن الجوزي، رغم وجود حاجة ماسة لبناء فلسفة تربوية تستمد أصولها من مبادئ الإِسلام وقيمه، وهناك فرق في معالجة هذا الموضوع لاختلاف العصرين واختلاف الفهم.
وقد خصص د. الشيباني الفصول من الفصل الثاني إلى الفصل التاسع للحديث عن المعلم من حيث دوره ووظيفته وأهميته في التربية الحديثة والتربية الإِسلامية وتحدث كذلك عن فضل العالم والمعلم في الفكر الإِسلامي وذكر النصوص الدالة على ذلك من القرآن الكريم والأحاديث النبوية. ثم بيَّن معنى الشخصية وطريقة تكوينها، ومقوّمات الشخصية المتكاملة الناضجة للمعلم المسلم من خلال معطيات علم النفس الحديث ومعطيات الفكر الإِسلامي، وفي إطار الصورة الواضحة التي رسمها الإِسلام للفرد المسلم الصالح، مع بيان أهم الصفات الإيمانية
_________________
(١) الشيباني، د. عمر، محمد، التومي. من أسس التربية الإسلامية. طرابلس، ليبيا، المنشأة العامة للنشر والتوزيع والإعلان، الطبعة الثانية، ١٤٠٢ هـ - ١٩٨٢ م، ص ١٧.
[ ٥٤١ ]
والخلقية والعقلية والنفسية والبدنية المرغوب فيها في المعلم المسلم المنشود، وواجباته وآدابه في التربية الإِسلامية، كما ذكرها بعض المربين المسلمين أمثال الماوردي والغزالي، ثم وضح تقسيمات هذه الواجبات ومستوياتها، ثم تعرض لحقوق المعلم في التربية الإِسلامية من حيث علاقة الحقوق بالواجبات وأنواعها وتقسيماتها المختلفة، وأهم الحقوق التي كفلها الإِسلام للمعلم، ثم بين أهمية الإعداد الصالح المناسب للمعلم، وفلسفته وأهدافه العامة ومناهج وسبل هذا الإعداد في التربية الإِسلامية.
وهذه الفصول التي محورها المعلم في التربية الإِسلامية، قد فصّل فيها د. الشيباني القول، وتناول جميع جوانب الموضوع بطريقة اختلف فيها عن ابن الجوزي الذي قصر كلامه على فضل العلم والعلماء في الإِسلام، ومفهوم العلم والهدف منه وسمات العلم النافع، والمقومات الأَساسية للعالم والمتعلم وآدابهما، وأهم العلوم التي ينبغي تعلمها، وطريقة حفظ هذه العلوم، والعوامل المساعدة على التعلم الجيد، والأسباب التي تؤدي إلى النسيان وطرق مقاومته.
فالدكتور الشيباني بذلك يتفق مع ابن الجوزي في بعض الآراء التربوية الخاصة بآداب العالم والمتعلم، ويختلف معه في بقية الموضوعات التربوية، فقد ناقشها د. الشيباني بتوسع شامل موثق بالآيات القرآنية والأحاديث النبوية الشريفة، وآراء المربين المسلمين، من خلال واقع المعلم ومشكلاته في الوقت الحاضر، وما له وما عليه بطريقة تكفُل حقوقه. وتمكَّنه من أداء عمله بارتياح في أجواء الحصانة الإِسلامية.
ومن أوجه الاختلاف بينهما أيضًا، طريقة عرض الموضوع، فابن الجوزي سار على نهج علماء السلف، فقد كان هدفه من عرض موضوعاته هو الأخذ بها وتطبيقها في حياتهم.
كما رأى د. الشيباني أن "حال التعليم لا يمكن أن يصلح إلا إذا كان المعلم في وضع يمكنه من تنظيم الموقف التعليمي وترتيبه وتوجيهه الوجهة النافعة للعملية التعليمية والميسِّرة لسبيلها على المتعلم، والمعلم إذا كان صالحًا من جميع النواحي .. يستطيع بكل تأكيد أن يعوض كثيرًا من جوانب النقص في العناصر الأُخرى للموقف التعليمي من كتاب
[ ٥٤٢ ]
تعليمي، ووسيلة تعليمية .. الخ" (١) وهذا الرأي الذي دفعه للكتابة في موضوع المعلم في التربية الإِسلامية نابع من واقع المعلم في الوقت الحاضر، وأهمية العودة لإصلاحه في ضوء المصادر الأصلية كالقرآن الكريم والأحاديث النبوية، يضاف إلى ذلك آراء علماء المسلمين.
ثم إن بناء الفلسفة التربوية التي تستمد أصولها من الإِسلام ومبادئه تحتاج إلى المعلم باعتباره أحد العناصر الرئيسية فيها.
أما الفصل العاشر وموضوعه "أسس الإدارة التربوية في التربية الإسلامية" فقد تحدث فيه عن مفهوم الإدارة التربوية وخصائصها العامة، وأهميتها وأهدافها العامة التي تسعى إلى تحقيقها، ثم حدد مجالات الإدارة التربوية ووظائفها الأساسية، وأنماط القيادة التربوية ونظرياتها وأخيرًا ذكر بعض المبادئ العامة التي ترتكز عليها الإدارة التربوية في التربية الإِسلامية.
وهذا الموضوع لم يتطرق له ابن الجوزي ضمن آرائه التربوية، ولعل السبب في ذلك يرجع كما ذكره د. الشيباني: "إننا لم نعثر فيما اطلعنا عليه من آثار وكتب إسلامية في مجال التربية والتوجيه العام على تعريف للإدارة التربوية، لأن هذا النوع من الإدارة وإن كانت آثاره وممارساته موجودة منذ أن وجد التعليم بصورة منظمة، وأصبحت له مدارسه ومعاهده الخاصة به وأجهزته المشرفة عليه، فإنه لم يصبح علمًا أو فنًا يدرس، له أسسه وفلسفته ونظرياته ومفاهيمه وأهدافه وأنماطه وطرقه وأساليبه وتقنياته ووسائله الخاصة إلا في العصر الحديث الذي نشأت وتطورت فيه الإدارة بأنواعها المختلفة ويدخل في ذلك الإدارة التعليمية أو التربوية" (٢).
وإذا كان الحال كما ذكر د. الشيباني، فكيف ذكر بعض المبادئ العامة التي تقوم عليها الإدارة التربوية في التربية الإِسلامية؟
_________________
(١) المرجع السابق، ص ٥٧.
(٢) المرجع السابق، ص ٣٤٩.
[ ٥٤٣ ]
لقد وضح د. الشيباني ذلك بقوله: "يجب أن نشير بادئ ذي بدء إلى أن التربية الإِسلامية لا تحتوي على تفصيلات للإدارة التربوية على النحو الذي تحويه الإدارة التربوية الحديثة، فإنها بكل تأكيد تحوي العديد من المبادئ العامة التي لها من المرونة ما يجعلها تساير كلَّ تقدم وتطور صالح، هذا بالإضافة إلى ما تحمله هذه المبادئ من سهولة ويسر وواقعية ووضوح وتأكيد لمبادئ العدل والمساواة وتكافؤ الفرص ومراعاة المصلحة العامة والعناية بحاجات الجسم والعقل والروح والوجدان" (١).
ومن هذه المبادئ الإِسلامية العامة اشتق د. الشيباني بعض المبادئ العامة التي تقوم عليها الإدارة التربوية الإِسلامية مثل: مبدأ الإيمان والأخلاق، ومبدأ العدل والمساواة، ومبدأ الشورى في الرأي، ومبدأ تقسيم العمل وتوزيع الاختصاصات .. الخ.
أما الفصل الحادي عشر فموضوعه "من أسس النظام المدرسي في التربية الإِسلامية" وقد ناقشه من حيث مفهوم النظام المدرسي وأنواعه واتجاهاته وأهميته وأهدافه، وعوامل وأسباب اختلال هذا النظام، ثم عوامل وسبل تدعيمه، وأخيرًا المبادئ العامة التي يقوم عليها هذا النظام في التربية الإِسلامية.
وأما الفصل الثاني عشر فموضوعه: "فلسفة العقوبة المدرسية في التربية الإِسلامية" وقد ناقشها د. الشيباني من حيث مفهوم العقوبة وأنواعها والغاية منها، وشروطها والمبادئ التي ترتكز عليها في التربية الإِسلامية، موثقًا ذلك بالآيات القرآنية والأحاديث النبوية الشريفة، ثم بآراء بعض علماء المسلمين.
وقد اعتبر د. الشيباني في هذا الفصل والفصل الذي يليه فلسفة العقوبة المدرسية في التربية الإِسلامية من المشكلات التربوية الرئيسة ذات الصلة بالإدارة التربوية، فقال في ذلك: "لابدّ لكل إدارة تعليمية أن تهتم بهما [مشكلة النظام ومشكلة العقوبة المدرسية] وتضع لهما الأسس والمبادئ في ضوء فلسفتها التربوية، وفي ضوء الإطار العقائدي
_________________
(١) المرجع السابق، ص ٣٨٥.
[ ٥٤٤ ]
والأخلاقي التي تلتزم به؛ فكل إدارة تعليمية صالحة لابدّ أن يكون من بين أهدافها الأساسية حفظ النظام المدرسي في المؤسسة التي توجد هي فيها، ليتحقق الأمن والمُناخ الصالح لتحصيل العلم. كما أنه لابد لها من أن تحدد الأسس السليمة لمعالجة مشكلة النظام المدرسي، وتتخذ من الوسائل والإجراءات والاحتياطات العملية ما هو كفيل بحلّ هذه المشكلة حلًّا سليمًا يؤدّي إلى حفظ النظام وصيانته. وبالنسبة للذين سببوا اختلال النظام بالذات، فإن الحزم الإداري قد يستدعي تحميلهم تبعة أفعالهم التي أخلّوا بها النظام، وعقابهم بنوع من أنواع العقوبة المناسبة التى تردعهم عن الأفعال المخلّة بالنظام وتعود بهم إلى حظيرة الأمن والنظام" (١).
وقد ربط د. الشيباني بين النظام المدرسي والعقوبة المقررة لضبط العملية التعليمية والتربوية، وتهيئة المناخ الأمني الصالح لتعليم التلاميذ. وهذا الموضوع من الموضوعات التربوية التي لم يتطرق لها ابن الجوزي، ولكنه تعرض لموضوع العقوبة.
ويعود سبب ربط د. الشيباني بين النظام المدرسي والعقوبة المقررة هو ما ذكره من: "أن هاتين المشكلتين لم يكن حظهما واحدًا في كتب التربية الإِسلامية وفي الفكر التربوي الإِسلامي، فبينما نجد مشكلة العقوبة قد نالت حظا وافرا من المعالجة والنقاش في كتب التشريع الإِسلامي وكتب التربية الإِسلامية، فإن مشكلة النظام المدرسي أو مشكلة المحافظة على هذا النظام لم تنل إلا حظًّا قليلًا من النقاش والمعالجة المباشرة في كتب التربية الإِسلامية، ولكن قلة حظ مشكلة النظام المدرسي من المعالجة المباشرة في كتب التربية الإسلامية، لا تنافي أن الفكر التربوي الإِسلامي قد تضمّن بطريقة غير مباشرة الكثير من المبادئ التي تصلح أساسًا لمعالجة هذه المشكلة وتحدد الإطار الفلسفي لحلّها" (٢).
لقد اشتق د. الشيباني المبادئ العامة التي يقوم عليها النظام المدرسي من الفكر التربوي الإسلامي، حيث وافق ابن الجوزي في بعضها. مثال ذلك قوله: "أقوم التقويم ما كان في الصغر، فأما إذا ترك
_________________
(١) المرجع السابق، ص ٤١٣.
(٢) المرجع السابق، ص ٤١٣ - ٤١٤.
[ ٥٤٥ ]
الولد وطبعه فنشأ عليه ومرن، كان ردّه صعبًا" (١) وفي هذا المعنى قال د. الشيباني:
١ - "الإيمان بضرورة البدء المبكر في توجيه الطفل وإرشاده إلى الخِلال والأخلاق الحميدة، وتعويده منذ الصغر على تقدير الواجب، وتحمل المسؤولية المناسبة لسنه واحترام النظام والطاعة فيما ليس فيه معصية لله .. الخ" (٢).
وقد وثَّق رأيه بأقوال المربين المسلمين أمثال ابن سينا وابن الجزار القيرواني.
٢ - قال ابن الجوزي في دور الأُسْرة التربوي في الموسم الأول من الطفولة المبكرة: "إن هذا الموسم يتعلق معظمه بالوالدين فهما يربّيان ولدهما ويعلّمانه ويحملانه على مصالحه، فلا ينبغي أن يفترا عن تأديبه وتعليمه، فإن التعليم في الصغر كالنقش في الحجر" (٣).
وفي هذا المعنى قال د. الشيباني: "الإيمان بأهمية دور الأُسْرة ودور الأبوين بصورة خاصة في تنشئة أولادهما التنشئة الصالحة وطبعهم منذ الصغر على ممدوح الخصال وحَسَن العادات وتوجيههم إلى طريق الخير والاستقامة بوعي وحكمة. . . الخ" (٤).
وقد وثَّق رأيه بالآيات القرآنية والأحاديث النبوية وأورد رأي الإمام الغزالي في الكثير من الآراء التربوية مثل: الثواب والعقاب، ومراعاة الفروق الفردية في التعليم، ودور المعلم وأهميته في العملية التعليمية والتربوية، وفي تقوية الإرادة، والاستفادة من العبادات المفروضة كالصلاة والصوم والحج والزكاة لضبط النفس وتعويدها على البذل والعطاء.
أما العقوبة فقد توسع د. الشيباني في مناقشة مفهومها من الناحية
_________________
(١) مرجع سابق، ابن الجوزي. اللطائف والطب الروحاني. ص ١٣٣.
(٢) مرجع سابق، الشيباني. من أسس التربية الإِسلامية. ص ٤٣٤.
(٣) مرجع سابق، ابن الجوزي. "تنبيه الغمر على مواسم العمر". من كتاب التحفة البهية والطرفة الشهية. ص ٥٨.
(٤) مرجع سابق، الشيباني. من أسس التربية الإِسلامية. ص ٤٣٥.
[ ٥٤٦ ]
اللغوية والشرعية والقانونية بصفة عامة، ومن الناحية التربوية بصفة خاصة مستعينًا على ذلك بالمنهج التربوي الإِسلامي، وآراء بعض علماء المسلمين الذين استفاد منهم استفادة كبيرة، وأخذ معظم آرائهم كما هي نصًّا وروحًا. وهذا يدل على تأثر د. الشيباني بعلماء التربية المسلمين، واتفاقه مع ابن الجوزي في رأيه التربوي، وإن لم يستشهد بقوله، فإنه قد استشهد بآراء غيره من علماء المسلمين، الذين اتفقت آراؤهم مع ابن الجوزي، فإن الجميع اقتبسوا هذه الآراء من القرآن الكريم والسُّنّة النبوية الشريفة. وربما يكون أخذ عمن أخذوا عن ابن الجوزي فيكون أخذ عن ابن الجوزي بطريق غير مباشر.
أما الفصل الثالث عشر فموضوعه "الدور التربوي للأُسْرة في الإسلام" وقد تناوله من نقاط عدة هي: مفهوم الأُسْرة في الإِسلام، وأهميتها والعناية بتدعيمها وتماسكها، وطبيعة الوظيفة التربوية لها، وأخيرًا واجبات الأبوين نحو أولادهما وحقوقهما عليهم في الإِسلام.
وقد ناقش د. الشيباني هذه النقاط بتوسع مستفيض موثّق بالآيات القرآنية، والأحاديث النبوية وآراء المربين المسلمين.
هذا وإن ابن الجوزي قد أوجز في بيان الدور التربوي للأُسْرة، ولم يتناوله من جميع جوانبه كما فعل د. الشيباني.
أما الفصل الرابع عشر فموضوعه "تربية المرأة في الإسلام" وقد تناوله من نقاط عدة هي: الوضع الثقافي للمرأة العربية قبل الإِسلام وفي ظل الإسلام، ثم ناقش موضوع عدم تعارض أدب الحجاب مع حق المرأة في التعليم، وضرورة تمشي تعليم المرأة المسلمة مع طبيعتها ووظائفها في الحياة، ثم مفهوم وفلسفة أهداف تربية المرأة في الإِسلام.
وقد ناقش د. الشيباني هذا الموضوع التربوي المهمّ، لتأكيد الدور الحيوي للمرأة المسلمة في تربية الأجيال المؤمنة، بعد أن مرت بعهود مظلمة حرمتها من التمتع بحقوقها الإسلامية التي منحها إياها الله -﷿-.
وقد استطاع د. الشيباني أن يصحّح النظرة السائدة للمرأة المسلمة، ويزيل الشُّبَه الموجودة في النفوس عن حقيقة الحجاب وتوهّم تعارضه مع
[ ٥٤٧ ]
تعليم وعمل المرأة، وحدد فلسفة أهداف تربية المرأة في الإِسلام.
وهذا الموضوع الذي تعرض له د. الشيباني، هو وليد الظروف المعاصرة لوضع المرأة المسلمة وما تواجهه من تحديات في حجابها وتعليمها وعملها خارج المنزل.
أما ابن الجوزي فقد تناول موضوع المرأة المسلمة -حسب ظروف عصره- من ناحية تعليمها أمور دينها كالطهارة والصلاة والزكاة والصيام وحقوق الزوج، وذلك لجهلها بهذه الأمور، فقال في ذلك: "رأيت النساء أحوج إلى التنبيه من هذه الرقدة من الرجال، لبعدهن عن العلم، وغلبة الهوى عليهن بالطبع، فإن الصبية في الغالب تنشأ في مخدعها لا تلقَّن القرآن ولا تعرف الطهارة من الحيض، ولا تعلم أيضًا أركان الصلاة، ولا تحدَّث قبل التزويج بحقوق الزوج. . . . الخ" (١). ولكي يساهم ابن الجوزي في توعية المرأة المسلمة بأمور دينها، ألف كتابًا أسماه أحكام النساء فقال في ذلك: "فلما رأيت النساء أحوج إلى العلم من الرجل، شرعت في تصنيف هذا الكتاب الذي يتعلق بأحوالهن، محتسبًا الأجر" (٢).
وبهذا نلاحظ أن ابن الجوزي ود. الشيباني قد عالجا موضوع المرأة المسلمة حسب الوضع والظروف والاحتياجات التي عاصرها كل واحد منهما.
أما الكتاب الثاني فهو كتاب فلسفة التربية الإِسلامية.
موضوعات الكتاب
قسم د. الشيباني الموضوعات إلى فصول ومنها إلى مباحث، وستكتفي الباحثة بذكر الفصول فقط كما سبق، وهي كالآتي:
• الفصل الأول: فلسفة التربية الإِسلامية: ماهيتها ومصادرها وشروطها.
_________________
(١) مرجع سابق، ابن الجوزي. أحكام النساء. ص ٤.
(٢) المرجع السابق، ص ٤.
[ ٥٤٨ ]
• الفصل الثاني: المبادئ التي تقوم عليها نظرة الإِسلام إلى الكون.
• الفصل الثالث: المبادئ التي تقوم عليها نظرة الإِسلام إلى الإنسان.
• الفصل الرابع: المبادئ التي تقوم عليها نظرة الإِسلام إلى المجتمع.
• الفصل الخامس: المبادئ التي تقوم عليها نظرية المعرفة في الفكر الإِسلامي.
• الفصل السادس: المبادئ التي تقوم عليها فلسفة الأخلاق في الإِسلام.
• الفصل السابع: أهداف التربية الإِسلامية.
• الفصل الثامن: فلسفة المناهج الدراسية في التربية الإِسلامية.
• الفصل التاسع: فلسفة طرق التدريس في التربية الإِسلامية.
مناقشة موضوعات الكتاب في ضوء آراء ابن الجوزي التربوية:
قبل مناقشة موضوعات الكتاب في ضوء الكتاب والسُّنّة ثم موازنة آراء ابن الجوزي التربوية مع ما قدمه الدكتور الشيباني في كتابه، لابد من وقفه عند عنوانه الذي أسماه فلسفة التربية الإِسلامية، وقد بيَّن د. الشيباني في المقدمة، المنهج الذي سار عليه حتى يتفق محتواه مع عنوانه، فقال: "وقد حاولت ما استطعت أن أتبسط في القول، وأن أتجنب الخوض في خلافات الفلاسفة والمتكلمين، وأن أقتصر -في الغالب الأعم- على ذكر ما اتفق عليه جمهور علماء المسلمين، وأن أشمِل، في بحثي عن المبادئ والأفكار التربوية في التراث الإسلامي، كتابات القدماء والمحدثين من علماء المسلمين على السواء، وأن أعطي نصيبًا وافرًا في استشهادي وتدعيمي للمبادئ والأفكار الفلسفية والتربوية التي أتيت بها للنصوص الإِسلامية الحديثة باعتبارها أكثر عمقًا ودقة وأبعد نظرة في فهم الإِسلام وأقرب في أسلوبها ومضمونها إلى روح العصر الذي نعيش فيه. كما حاولت أن أتجنب المنهج التاريخي الذي سار عليه أغلب من كتب في التربية الإِسلامية، وأن أتبع منهجًا هو أقرب إلى المنهج المقارن، بحيث أذكر المبدأ أو الفكرة الفلسفية أو التربوية التي تتفق مع الفكر الفلسفي والتربوي الحديث المعتدل، ثم أُثنِّي على ذلك بالتعليق
[ ٥٤٩ ]
والشرح وذكر النصوص الإِسلامية المؤيدة لذلك المبدأ أو الفكرة. كما حاولت أيضًا في هذا الكتاب أن أركز على ذكر ومناقشة المبادئ والأصول العامة للتربية الإِسلامية في فلسفتها وأهدافها ومناهجها وطرق تدريسها، حتى تكون محتويات الكتاب متفقة في مضمونها وطبيعتها مع عنوانه فلسفة التربية الإِسلامية (١).
وللباحثة ملاحظتين على المنهج الذي سار عليه أستاذنا الدكتور الشيباني،
الملاحظة الأولى: في قوله: "وأن أعطي نصيبًا وافرًا في استشهادي وتدعيمي للمبادئ والأفكار الفلسفية والتربوية التي أتيت بها للنصوص الإِسلامية الحديثة باعتبارها أكثر عمقًا ودقة وأبعد نظرة في فهم الإِسلام وأقرب في أسلوبها ومضمونها إلى روح العصر الذي نعيش فيه".
إن القارئ لهذه العبارة يفهم منها أن الدكتور الشيباني رغم استشهاده بكتابات القدماء والمحدثين من علماء المسلمين، إلا أنه سيعطي نصيبًا وافرًا من استشهاده، للنصوص الإِسلامية الحديثة للمعاصرين، لأنهم يتميزون عن القدماء بأنهم أكثر عمقًا ودقة وأبعد نظرة في فهم الإِسلام، وأقرب في أسلوبهم ومضمونهم إلى روح العصر الذي نعيش فيه.
وإنني أتساءل هل المعاصرون -في نظر أستاذي الدكتور الشيباني- أكثر عمقًا ودقة وأبعد نظرة في فهم الإِسلامي من الأئمة مالك وأبي حنيفة والشافعي وابن حنبل وابن تيمية وابن قيم الجوزية وأمثالهم من علماء المسلمين؟!
ثم ألم يستشهد الدكتور الشيباني بأقوال علمائنا القدماء في الكثير من الأفكار التي عرضها، واعتبر ما تركوه من آراء تربوية هي جزء أصيل من تراثنا الخالد؟ (٢)، فكيف يستشهد بأقوالهم بعد استشهاده بالكتاب والسُّنّة ثم يقدم عليها أقوال المعاصرين لأنهم أكثر عمقًا ودقة
_________________
(١) الشيباني، د. عمر، محمد، التومي. فلسفة التربية الإسلامية. ليبيا، منشورات الشراكة العامة للنشر والتوزيع والإعلان، الطبعة الثانية، ١٩٧٨ م، ص ٧ - ٨.
(٢) مرجع سابق، الشيباني. من أسس التربية الإسلامية. ص ٢٠١.
[ ٥٥٠ ]
وأبعد نظرة في فهم الإسلام. ثم أليس هؤلاء المعاصرين اعتمدوا في كتاباتهم على ما خطه علماؤنا السابقون وبنوا عليه اجتهاداتهم الفكرية والتربوية؟، وهؤلاء العلماء المعاصرون يثبتون ذلك ويرجعون الفضل فيه لجهود علمائنا السابقين.
لذلك كان الأولى بأستاذنا الدكتور الشيباني أن يثبت هذا الفضل لعلمائنا السابقين كما تشهد بذلك كتاباته القيمة واستشهاده بأقوالهم.
الملاحظة الثانية: في قول د. الشيباني: "أذكر المبدأ أو الفكرة الفلسفية أو التربوية التي تتفق مع الفكر الفلسفي والتربوي الحديث المعتدل، ثم أُثني على ذلك بالتعليق والشرح وذكر النصوص الإسلامية لذلك المبدأ أو الفكرة".
لقد لخص د. الشيباني المنهج المقارن الذي سيتبعه في الخطوات الآتية:
١ - ذكر المبدأ الفلسفي أو التربوي الذي يتفق مع الفكر الفلسفي التربوي الحديث المعتدل.
٢ - ثم إيراد التعليق والشرح والنصوص الإسلامية التي تؤيد ذلك المبدأ.
ومع تقديري لأستاذي الدكتور الشيباني وريادته في تناول موضوعات التربية الإِسلامية، إلا أنني أشير إلى أن المنهج الصحيح في مجال التربية الإِسلامية هو أن نبدأ بالقرآن الكريم والسُّنة النبوية، فنستخرج ما يدلان عليها ثم نثني بالشرع والبيان، ثم نذكر المبدأ أو الفكرة الفلسفية أو التربوية المتفقة أو المخالفة للمنهج التربوي الإسلامي فنفسرها ونحللها ثم نقوَّمها على ضوء الكتاب والسُّنَّة.
أما بالنسبة للعناوين فقد حدد د. الشيباني عناوين لموضوعات الكتاب متفقة مع المضمون، والمحتوى أما ابن الجوزي فقد حدد بعض آرائه التربوية في عناوين مناسبة للمحتوى كما في كتابه اللطائف والطب الروحاني، والبعض الآخر -وهو معظم آرائه التربوية- أُخذت دون عناوين ولكنها جمُعت من ثنايا مؤلفاته المختلفة من خلال عرضه للموضوعات بصفة عامة، ودون تحديد لسبب اختيار رأي تربوي دون آخر.
[ ٥٥١ ]
وقد تناول د. الشيباني في الفصل الأول من كتابه فلسفة التربية الإسلامية فشرح مفهوم هذه الفلسفة وما يتصل بها في أربع نقاط هي:
١ - ماهية فلسفة التربية الإسلامية المستمدة من تعاليم الإسلام ومنهجه التطبيقي، وعلاقتها بالفلسفة الإسلامية العامة.
٢ - أهمية بناء فلسفة إسلامية وأنها تحدد سير العملية التعليمية والتربوية من جميع جوانبها بحيث تخدم تربيتنا وتعليمنا الحاضر.
٣ - أهم المصادر التي يمكن أن تشتق منها فلسفة التربية الإسلامية وهي القرآن الكريم والسُّنّة النبوية والإجماع والقياس، يضاف إلى ذلك بعض المصادر الفرعية مثل خصائص نمو المتعلم، والقيم والتقاليد في المجتمع، واحتياجات المجتمع الفعلية. . . الخ.
٤ - مقومات وشروط فلسفة التربية الإسلامية التي لابد أن تكون مستمدة من المنهج الإِسلامي من جميع جوانبه، ومرتبطة بواقع المجتمع وحاجاته ومشكلاته، ومستفيدة من تجارب الآخرين، وخالية من التناقض والتضارب بين المبادئ والمعتقدات. . . إلى غير ذلك. وهذا الموضوع -كما سبق أن أشرت (١) - لم يتعرض له ابن الجوزي، لأنه من الموضوعات الحديثة، التي فرضتها طبيعة العصر الحاضر، وكثرة الروافد العلمية والثقافية من كل مكان، والمتيسرة لكل طالب علم.
وقد خصص د. الشيباني الفصول الثاني والثالث والرابع للمبادئ التي تقوم عليها نظرة الإسلام إلى الكون، والإنسان والمجتمع، موثقًا ذلك بالآيات القرانية والأَحاديث النبوية ذاكرًا آراء الفلاسفة المسلمين، مفندًا بذلك النظريات والآراء المخالفة للإسلام.
والذي يؤخذ على أستاذنا الدكتور الشيباني أنه عرض أهم التعاريف التي ذكرها العلماء والفلاسفة لتحديد ماهية الإنسان وطبيعته وأنه "حيوان ناطق أو حيوان متكلم أو حيوان مفكر أو حيوان متدين أو حيوان أخلاقي أو حيوان اجتماعي" (٢).
ثم أيد هذه التعريفات، ورجح -حسب رأيه- التعريف الذي يشمل جميع خصائص الإِنسان ومميزاته وهو أن الإِنسان حيوان ناطق،
_________________
(١) الباب الخامس، الفصل الثاني، ص ٥٤٠، ٥٤١ من هذا الكتاب.
(٢) مرجع سابق، الشيباني. فلسفة التربية الإسلامية. ص ٨١ - ٨٢.
[ ٥٥٢ ]
وذلك لأنه كما يقول د. الشيباني: إن "هذا التعريف الذي أتى به الفلاسفة وما يندرج تحته أو يرتبط به من تعريفات أخرى ليس فيه ما يتنافى مع روح الإسلام ولا مع تعاليمه ولا مع ما فهمه علماؤه في مختلف عصورهم" (١).
والذي أراه -والله أعلم- أن تعريفات العلماء والفلاسفة مخالفة لتكريم الله تعالى للإنسان، قال الله تعالى في ذلك: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا﴾ (٢)، وقوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ (٣). إلى غير ذلك من الآيات التي تؤكد تميز الإنسان عن جميع المخلوقات، وتنفي عنه صفة الحيوانية التي لا تتفق مع حملَ رسالة الخلافة وتعمير الأرض بما يرضي الله تعالى.
لذلك كان الأولى بأستاذنا الدكتور الشيباني أن يناقش تعريفات العلماء والفلاسفة في ضوء ألفاظ القرآن الكريم التي تصف الإِنسان بأنه حيوان، بل أكدت أنه إنسان، قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ (٤)، وقال تعالى: ﴿وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ﴾ (٥)، وقال تعالى: ﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ﴾ (٦). . . إلى غير ذلك من الآيات.
ونقول هذا لأجل أن يكون عرض د. الشيباني لنظرة الإسلام للإنسان نظرةً صحيحة وكاملة من جميع جوانبها، ولاسيما أنه من خلال تفصيله (٧) لخصائص الإنسان التي وردت في التعاريف، يؤكد تفرّدَ الإنسان وتميزه عن الحيوان في كل شيء وهذا حق، بل لقد سخر الله تعالى الكون وما فيه من مخلوقات ومنها الحيوانات للإنسان، فكيف نطلق عليه لفظ الحيوان؟!!
والتعريف الذي أراه مناسبًا متفقا مع خصائص الإنسان ومميزاته
_________________
(١) المرجع السابق، ص ٨٢ - ٨٣.
(٢) سورة الإسراء، الآية ٧٠.
(٣) سورة البقرة، الآية ٣٠.
(٤) سورة التين، الآية ٤.
(٥) سورة الإسراء، الآية ١٣.
(٦) سورة الطارق، الآية ٥.
(٧) مرجع سابق، الشيباني. فلسفة التربية الإسلامية. ص ٨٣ - ٩٢، وص ١١٤.
[ ٥٥٣ ]
التي ذكرها د. الشيباني هو:
الإنسان: هو ذلك الكائن الحي الذي خلقه الله تعالى من قبضة من طين، ونفخة من روح الله، وميزه عن الحيوان بالعقل المدرك الواعي، والنطق بألفاظ ذات دلالات لغوية واضحة، ووهبه القدرة على التمييز بين الخير والشر، والحلال والحرام، والقدرة على العلم والتعليم والبناء والتعمير والتغيير بالقدر الذي يحقق الغاية من وجوب وهي عبادة الله تعالى بكل ما أوتي من قدرة وقوة ووسائل وأساليب سخرها الله -﷿- له.
ثم ناقش د. الشيباني المبادئ التي تقوم عليها نظرة الإسلام للكون والمجتمع من الجوانب التي يحتاجها التربوي، أما ابن الجوزي فقد أغفل نظرة الإسلام للكون، ولم يتعرض لها، ربما لأن هذه النظرة كانت واضحة وصحيحة في أذهان الناس في ذلك الوقت. وهذا على عكس هذا العصر الذي اختلطت فيه المفاهيم، وكثرت المذاهب المخالفة للإسلام وطغت آراؤها على نظرة الإسلام، فكان لابد من إبراز نظرة الإسلام وتوضيحها للقارئ، واقتصر ابن الجوزي على نظرة الإسلام للإنسان من حيث طبيعته المخلوقة من قبضة من طين ونفخة من روح الله تعالى، وأنها مزودة بالدوافع والانفعالات والعواطف، ثم بيَّن أسباب الانغماس في الشهوات، والطريقة التربوية المناسبة لتهذيب النفس البشرية، كذلك وضح طريقة تربية جوانب النفس الإنسانية الجسمية والعقلية والروحية والعقائدية والأخلاقية والإرادية -كما رأينا-.
وقد عرض ابن الجوزي هذه الآراء بطريقة عامة، أما د. الشيباني فقد فصل القول فيها وتناولها من خلال مبادئ منظمة، كل مبدأ يعالج فكرة من الأفكار المتعلقة بالموضوع بطريقة مقصودة وهي تبرز التخصص التربوي الدقيق للدكتور الشيباني.
أما الفصل الخامس فموضوعه "المبادئ التي تقوم عليها نظرية المعرفة في الفكر الإسلامي" وقد تحدث فيه عن أهمية المعرفة وتحصيلها من حيث هي هدف أساسي للتربية، والإيمان بأن المعرفة هي كل ما نتوصل إليه عن طريق حواسّنا أو عقولنا أو نتلقاه عن طريق الحدس أو الإلهام أو الدين. كذلك بيَّن أن المعارف البشرية تتفاوت في فضلها
[ ٥٥٤ ]
وقيمتها حسب موضوعها وغايتها ووسيلتها، وأن هذه المعارف لها مصادر متعددة يقرها الإسلام، وأكد أن المعرفة مستقلة عن العقل الذي يدركها، وصفات المعرفة الصالحة في الإسلام هي ما توفر فيه اليقين الجازم والتواضع أمام عظمة الله وواسع علمه، والتمشي مع روح الدين وما رسمه من مبادئ خلقية سامية مساعدة على إشاعة الأمن والطمأنينة في النفوس، ونبه د. الشيباني على ضرورة التثبت والدقة والموضوعية، وتدعيم العمل الصالح والخبرة الناجحة، وتيسير سبل تقدم المجتمع وقوته.
والذي يبدو، أن الدكتور الشيباني قد ركز على المعرفة من جميع جوانبها، وأوجز في فضل العلم وأهميته في نظر الإسلام، أما ابن الجوزي فقد فصل في هذا الموضوع ولكنه لم يعالج موضوع المعرفة كما عالجه د. الشيباني، الذي اعتبره من جوانب الفلسفة الإسلامية وفلسفة التربية الإسلامية، لأنه ينبغي التعرف على "النظرية التي تكمن خلف هذه المعرفة في التراث الإِسلامي والفلسفة الإِسلامية" (١).
أما الفصل السادس فموضوعه "المبادئ التي تقوم عليها فلسفة الأخلاق في الإسلام"، وقد تحدث فيه عن أهمية الأخلاق في الحياة، وأنها اتجاه راسخ في النفس البشرية، وأن الأخلاق الإسلامية في حقيقتها أخلاق إنسانية تساير الفطر السليمة، وغايتها تحقيق سعادة الدارين للفرد، والخير للمجتمع، والدين هو أهم مصدر للأخلاق، والنظرية الخلقية لا تكتمل إلا إذا حددت فيها بعض المفاهيم الأساسية كالضمير الخلقي، والإلزام الخلقي، والحكم الخلقي، والمسؤولية الخلقية، والجزاء الخلقي.
لقد توسع د. الشيباني في عرض موضوع المبادئ التي تقوم عليها فلسفة الأخلاق في الإسلام، أما ابن الجوزي فقد اقتصر على تفسير معنى الخلق، وأنه صنفان فطري ومكتسب وعدَّدَ بعضًا من الأخلاقيات السيئة مثل الكذب والحسد والغضب والحقد والكبر والعجب. موثقًا ذلك بالآيات القرآنية والأحاديث النبوية الشريفة.
_________________
(١) المرجع السابق، ص ١٨٣.
[ ٥٥٥ ]
أما الفصل السابع فموضوعه "أهداف التربية الإِسلامية"، وقد تحدث فيه د. الشيباني عن مفهوم الهدف التربوي ومستوياته والمصادر التي تستمد منها التربية الإسلامية أهدافها، وخصائص أهداف التربية الإسلامية الفردية والاجتماعية التي تسعى إلى تحقيقها، وأهم المبادئ التي تقوم عليها هذه الأهداف.
وهذا الموضوع من الموضوعات التي عالجها ابن الجوزي بغير الطريقة التي عالج بها الدكتور الشيباني. وذلك لأنه كما ذكر د. الشيباني أن "كتب التربية الإسلامية القديمة لم تتعرض -فيما أتيحت لنا فرصة الاطلاع عليه- لتعريف الهدف التربوي ولا لتقسيمه إلى الأقسام أو الأنواع الثلاثة" (١).
ورغم ذلك فإن د. الشيباني استطاع أن يستنبط من الفكر الإسلامي مفهوم الهدف التربوي وتقسيماته، وقد قال في ذلك: "ليس هناك ما يمنع في الشريعة الإسلامية والفكر الإِسلامي من تعريف الهدف بما عرفناه (٢)، أو بأي تعريف آخر يتقارب معه في المعنى ولا يتعارض مع روح الشريعة والفكر الإسلامي، ومن الأخذ بذلك التقسيم الثلاثي طالما أنه يوسع مجال الهدَف التربوي، ومن مجال الاستفادة من العمل التربوي ليشمل الفرد والمجتمع ومهنة التعليم نفسها" (٣). وذلك يدل دلالة واضحة على مرونة الشريعة الإسلامية لاستيعاب كل ما يتعلق بالعملية التعليمية والتربوية، وقدرتها على توظيف الشريعة الإسلامية لخدمة العلوم التربوية المعاصرة. ولا يعني هذا أن علماء المسلمين ومنهم ابن الجوزي قد أغفلوا أهداف التربية الإسلامية بصفة عامة، بل لقد ذكروها في كتاباتهم التربوية من دون تحديد لمسماها، وصنفها بعض
_________________
(١) المرجع السابق، ص ٢٨٣.
(٢) التعريف الذي ذكره د. الشيباني للهدف التربوي هو أنه: "التغير المرغوب الذي تسعى العملية التربوية أو الجهد التربوي إلى تحقيقه، سواء في سلوك الفرد وفي حياته الشخصية، أو في حياة المجتمع وفي البيئة التي يعيش فيها الفرد، أو في العملية التربوية نفسها وفي عمل التعليم كنشاط أساسي وكمهنة من المهن الأساسية في المجتمع"، مرجع سابق. فلسفة التربية الأسلامية. ص ٢٨٢.
(٣) مرجع سابق، الشيباني. فلسفة التربية الإسلامية. ص ٢٨٣.
[ ٥٥٦ ]
التربويين المعاصرين، وفي ذلك يقول د. الشيباني: "فقد ظهرت في السنوات الأخيرة بعض الدراسات المتواضعة، وحاول أصحابها أن يحددوا الأهداف العامة للتربية العامة حسبما فهموه من النصوص الدينية ومن التراث الفكري والتربوي الإِسلامي" (١).
ولمعرفة هذه الأهداف العامة المستنبطة من هذا التراث يمكن الرجوع إلى كتاب د. الشيباني، فلسفة التربية الإسلامية، ص ٢٩٦ - ٣٠١.
والذي يبدو عند قراءة هذا الفصل وموازنته بآراء ابن الجوزي التربوية، أنه لم يكتب في هذا الموضوع، لأنه كتب عن التربية بصفة عامة بعكس د. الشيباني الذي أفاض فيه بحكم تخصصه التربوي.
أما الفصل الثامن فموضوعه "فلسفة المناهج الدراسية في التربية الإسلامية"، تحدث فيه عن أهمية المناهج الدراسية في التربية الإسلامية، ومفهوم المنهج الدراسي في التربية الإسلامية وفي التربية الحديثة، وأهم الخصائص العامة لهذه المناهج في التربية الإِسلامية، والمبادئ العامة التي تقوم عليها مناهج التربية الإِسلامية، مع معرفة الأسس العامة التي تقوم عليها مناهج التربية الإِسلامية كالأساس الديني، والفلسفي، والنفسي، والاجتماعي. كذلك معرفة الأهداف التي تسعى إلى تحقيقها مناهج التربية الإِسلامية، وأهم التقسيمات الممكنة لهذه المناهج.
لقد استطاع د. الشيباني من خلال تتبعه التاريخي للمناهج الدراسية في الأقطار العربية والإسلامية في العصور الإسلامية، أن يحدد -بصفة عامة- طبيعة المنهج الدراسي وخصائصه ومميزاته وأسسه والتقسيمات الممكنة للمناهج في التربية الإسلامية، وهدفه من ذلك وضحه بقوله: "والذي يهمنا في هذه الخصائص والمميزات أنها متمشية مع روح الإسلام وروح التربية فيه، وتستلزمها مبادئه وتعاليمه والفلسفة المستمدة منه للتربية والإصلاح، ولا يهمنا بعد ذلك أن تكون -المناهج الدراسية المطبقة فعلًا في العالم الإِسلامي عاكسة لهذه الخصائص ومتمشية معها أو غير
_________________
(١) المرجع السابق، ص ٢٩٦.
[ ٥٥٧ ]
متمشية، لأن عدم تمشيها مع هذه الخصائص في فترة من فترات التاريخ الإسلامي، أو في قطر من أقطاره لا يخل بوجود هذه الخصائص في الفكر التربوي الإِسلامي، على الأقل في مستوى ما يجب أن يكون" (١).
أما ابن الجوزي فقد اقتصر على ذكر المنهج التعليمي الذي يحبذه، وهو التركيز على العلوم الإسلامية، والتحذير من علم النجوم والكيمياء وعلم الكلام، ولم يهمل علم الطب بل قد ألف فيه وذكر منافعه.
أما الفصل التاسع فموضوعه "فلسفة طرق التدريس في التربية الإسلامية"، تحدث فيه د. الشيباني عن مفهوم طريقة التدريس وأهميتها في التربية الإسلامية وتقسيماتها المختلفة، وأهم طرق التدريس العامة في التربية الإسلامية، وهي تتمثل في الطريقة الاستقرائية أو الاستنباطية، والطريقة القياسية، وطريقة المحاضرة والحوار والمناظرة، وطريقة الحَلْقة والرواية والسماع والقراءة والإملاء والحفظ والدراية والرحلة.
كذلك تحدث عن أهم الخصائص والأهداف العامة لطرق التدريس في التربية الإسلامية، والأسس العامة لهذه الطرق وهي تتمثل في الأساس الديني والحيوي والنفسي والاجتماعي.
وأخيرًا ذكر أهم المبادئ العامة التي تقوم عليها طرق التدريس في التربية الإِسلامية وهي تتمثل في مراعاة دوافع وحاجات وميول المتعلم، ومراعاة مستوى نضجه ومراعاة الفروق الفردية بين المتعلمين، مع أهمية تحديد غرض المتعلم وتهيئة فرص الممارسة العملية، والاهتمام بالفهم وإدراك العلاقات وتكامل الخبرة واستمرارها والجِدّة والأصالة واستقلالية التفكير.
إذا وازنا ما تحدث عنه د. الشيباني بآراء ابن الجوزي في هذا المجال، فإننا نلاحظ أنه كتب في بعض طرق التدريس ومبادئه العامة التي يقوم عليها في التربية الإِسلامية دون تحديد لمسماها.
أما الكتاب الثالث فهو كتاب الأسس النفسية والتربوية لرعاية الشباب.
_________________
(١) المرجع السابق، ص ٣٥٥.
[ ٥٥٨ ]
موضوعات الكتاب
قسم د. الشيباني محتويات الكتاب إلى خمسة أبواب وقسم الأبواب إلى فصول، ثم أورد في كل فصل مباحث، وقد اشتملت في مجموعها على أربعة وعشرين فصلًا، وسأكتفي بذكر الأبواب والفصول -كما فعلت بشأن الكتابين السابقين- وهي على الوجه الآتي:
الباب الأول: أهمية الشباب والتحديد الزمني لمرحلته. وفصوله هي:
• الفصل الأول: أهمية الشباب وأهمية رعايته في مجتمعنا العربي.
• الفصل الثاني: التحديد الزمني لمرحلة الشباب.
الباب الثاني: خصائص الشباب وحاجاتهم:
• الفصل الثالث: الخصائص والمميزات العامة للنمو الجسمي والانفعالي في مرحلة الشباب.
• الفصل الرابع: الخصائص والمميزات العامة للنمو العقلي في مرحلة الشباب.
• الفصل الخامس: الميول العقلية في مرحلة الشباب.
• الفصل السادس: الخصائص والمميزات العامة للنمو الاجتماعي في مرحلة الشباب.
• الفصل السابع: الحاجات الجسمية والنفسية والاجتماعية في مرحلة الشباب.
• الفصل الثامن: العقبات الذاتية والبيئية التي تحول بين الشباب وإرضاء حاجاتهم.
الباب الثالث: مشكلات الشباب
• الفصل التاسع: مشكلات الشباب وأسس علاجها.
• الفصل العاشر: العوامل التي تكمن وراء مشكلات الشباب الصحية والجسمية.
[ ٥٥٩ ]
• الفصل الحادي عشر: الأمراض والاضطرابات والانحرافات الجسمية التي يعاني منها بعض الشباب والمواطنين الليبيين.
• الفصل الثاني عشر: بعض المشكلات الجسمية والصحية الأخرى للشباب.
• الفصل الثالث عشر: المشكلات النفسية للشباب العربي.
الباب الرابع: فلسفة وأهداف رعاية الشباب العربي.
• الفصل الرابع عشر: المشكلات العقلية للشباب.
• الفصل الخامس عشر: المشكلات الاجتماعية للشباب.
• الفصل السادس عشر: الفلسفة التي ينبغي أن تبنى عليها رعاية الشباب العربي.
• الفصل السابع عشر: كيف يمكننا أن نبني أهدافًا صالحة لرعاية شبابنا العربي.
الباب الخامس: الميادين المختلفة لرعاية الشباب.
• الفصل الثامن عشر: الرعاية الصحية للشباب العربي.
• الفصل التاسع عشر: الرعاية العقلية للشباب العربي.
• الفصل العشرون: رعاية الذوق الفني والجمالي للشباب العربي.
• الفصل الحادي والعشرون: الرعاية النفسية للشباب العربي.
• الفصل الثاني والعشرون: الرعاية الاجتماعية للشباب العربي.
• الفصل الثالث والعشرون: الرعاية السياسية للشباب العربي.
• الفصل الرابع والعشرون: الرعاية الروحية للشباب العربي.
مناقشة موضوعات الكتاب في ضوء آراء ابن الجوزي التربوية
لقد أفرد د. الشيباني كتابًا كاملًا لبحث كل ما يتعلق بالشباب ومشكلاته وعلاجها، أما ابن الجوزي فقد تحدث عن هذه المرحلة ضمن مراحل النمو الإنساني الأُخرى، وحددها بالمرحلة من زمن البلوغ إلى سنة
[ ٥٦٠ ]
خمس وثلاثين وهو زمن الشباب" (١)، وقد حددها د. الشيباني من "سن الثانية عشرة إلى سن الخامسة والعشرين" (٢).
ويرجع سبب الاختلاف بين ابن الجوزي ود. الشيباني في تحديد هذا الزمن إلى طبيعة الحياة في المجتمعات الإسلامية في عصر كل واحدٍ منهما. ويؤكد هذا المعنى د. الشيباني بقوله: "فالفرد في المجتمعات الأُولى يمكن أن يبدأ في تكوين أسرته ويتحمل مسؤولياته كراشد بمجرد بلوغه، وتحقق نضجه الجسمي والفسيولوجي. فكثيرًا ما يتزوج الشخص ويتحمل مسؤولياته كراشد في هذه المجتمعات البدائية البسيطة في سن السادسة عشرة أو السابعة عشرة من عمره، وبذلك لا تطول مدة مراهقته" (٣). بينما في المجتمعات الإسلامية المعاصرة يختلف الحال تمامًا، "ويعتبر الشباب فيها أشد حاجة إلى الرعاية والتوجيه نظرًا لكثرة فراغهم وكثرة المغريات وكثرة المؤثرات الخارجية التي يتعرضون لها" (٤).
وقد توسع د. الشيباني في موضوع رعاية الشباب وتوجيههم، أما ابن الجوزي فقد اقتصر على بيان أهمية هذه المرحلة من الناحية الجنسية، وأهم الإجراءات الوقائية المتبعة للإعلاء من هذه الحاجة الفطرية، خوفًا من الانزلاق في مهاوي الفاحشة والفساد الأخلاقي، ثم أكد ضرورة معاملة الفرد في هذه المرحلة معاملة طيبة وإعداده للقيام بمسؤوليات أسرته.
والذي يبدو من الموازنة أن إسهاب د. الشيباني في عرض هذا الموضوع الحيوي الخطير، وإيجاز ابن الجوزي فيه يعودان إلى طبيعة ظروف عصر كل واحد منهما، وما يتعرض له الشباب من مسؤوليات وعقبات تفرضها طبيعة عصره، فطبيعة الحياة أيام ابن الجوزي تمكن الشاب من الزواج مبكرًا ومن تحمل مسؤوليات أسرته، أما طبيعة الحياة المعاصرة
_________________
(١) مرجع سابق، ابن الجوزي. "تنبيه النائم الغمر على موسم العمر" ص ٥٨.
(٢) الشيباني، د. عمر، محمد، التومي. الأسس النفسية والتربوية لرعاية الشباب. بيروت، دار الثقاقة، طبعة عام ١٣٩٣ هـ - ١٩٧٣ م، ص ٣٥ - ٣٧.
(٣) المرجع السابق، ص ٣٤.
(٤) المرجع السابق، ص ٣٥.
[ ٥٦١ ]
فإنها تمتاز بالتطور والنمو والتعقيد في مختلف جوانب الحياة، التي تقف حائلًا دون تحقيق رغبات الشباب وآمالهم بيسر وسهولة، يضاف إلى ذلك كثرة المغريات والكماليات التي أصبحت ضرورات، وكثرة المؤثرات والضغوط الخارجية التي يتعرضون لها. لذلك فطبيعة العصر حددت للشباب -في كلا العصرين- طريقة ونمط الحياة التي يعيشونها سواء كانت سهلة أو معقدة.
ومن هنا نجد أن د. الشيباني أدرك بحكم عمله المباشر في مجالات تربية الشباب ورعايتهم، أهمية وضع الأسس النفسية والتربوية لتربيتهم ورعايتهم وحل مشكلاتهم التي يتعرضون لها. بينما نرى أن ابن الجوزي كتب عن هذه المرحلة كغيرها من المراحل دون أن يتعرض للمشكلات التي تواجه الشباب في ذلك الوقت، لأنه على ما أعتقد لم تواجههم مشكلات كالتي يعاني منها الشباب حاليًّا بسبب سهولة الحياة وخلوِّها من التعقيدات المختلفة.
وخلاصة القول الذي نخرج به من هذه الموازنة:
أن هناك تشابهًا من جهة واختلافًا من جهة أُخرى بين كل من ابن الجوزي ود. الشيباني، ومن أسباب التشابه والتقارب بينهما اعتمادهما على المصادر التشريعية نفسها في الإسلام مثل القرآن الكريم والسُّنّة النبوية الشريفة والإجماع والقياس. . . الخ، وقد أدى هذا الاعتماد على هذه المصادر الأصيلة إلى ثبات وواقعية وحيوية هذه الآراء، وجدَّتها إلى وقتنا الحاضر.
أما نواحي الاختلاف بينهما فتبرز في الآتي:
١ - أن ابن الجوزي كتب في التربية بصفة عامة دون تحديد للأسباب التي دفعته لذلك. أما د. الشيباني فهو أستاذ متخصص في التربية، التي قال فيها درجة الدكتوراة، وقد دفعه اهتمامه الشخصي وحبه للتربية الإسلامية إلى التعمق في هذه التربية والكتابة فيها كتابة المتخصص. يضاف إلى ذلك توليه المناصب التربوية التي صقلت العلم بالتجربة العملية في الوظيفة.
[ ٥٦٢ ]
إن د. الشيباني كشف عن هذه الأسباب التي دفعته للكتابة في مثل هذا المجال، عندما قال في مقدمة كتاب من أسس التربية الإسلامية: "وإنني لأرجو أن يكون ما أقدمه اليوم من جهد متواضع حافزًا لغيري على مزيد من الدراسة الواعية والبحث العميق في مجال التربية الإسلامية ليتسنى لنا قطع الشرط المطلوب في إلقاء الضوء على تراثنا (١) التربوي الخالد المليء بالأفكار والمبادئ التربوية الصالحة للتطبيق في كل زمان ومكان، وفي إحياء وتجديد وتصفية (٢) هذا التراث ونقله إلى أجيالنا الحاضرة والمقبلة، وليتحقق لنا بالتالي ربط حاضرنا بماضينا وربط ما نسعى إليه من تقدم وتجديد في كافة مجالات الفكر والحياة بأصالتنا الفكرية وبتعاليم ديننا الإسلامي الحنيف وتراثنا الإسلامي الخالد" (٣).
٢ - تميزت الفترة التي عاش فيها ابن الجوزي من (٥١٠ - ٥٩٧ هـ)، بالكثير من نواحي القوة والضعف في جميع جوانب الحياة العلمية والسياسية والأخلاقية والاجتماعية والاقتصادية (وسبق أن بينا ذلك في الباب الثاني من هذا البحث).
أما الفترة الزمنية التي يعيش فيها د. الشيباني أعني في وقتنا الحاضر، فهي وليدة عصور متعددة فمن "عصر ظهور الإسلام وازدهاره وامتداده، ثم عصر الانحسار والانحراف والانحطاط إلى عصر الاستعمار والغزو الأجنبي" (٤) وما خلفه من آثار واضحة نتيجة "إيفاد البعثات، واستقدام الأساتذة الأجانب، ونقل مناهج التعليم وكتبه إلى مدارسنا وتأسيس مدارس أجنبية في بلادنا، ونقل نتائج الثقافة الغربية إلى لغات الشعوب الإِسلامية، إن ذلك كله أدى بتزايد واستمرار عملية
_________________
(١) المقصود بالتراث في هذا السياق: القرآن الكريم والسنة النبوية وما كتبه العلماء والمربون المسلمون السابقون.
(٢) التصفية: تخص ما كتبه العلماء والمربون فقط.
(٣) مرجع سابق، الشيباني. من أسس التربية الإسلامية. ص ٨.
(٤) المبارك، محمد. المجتمع الإسلامي المعاصر. بيروت، دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع، الطبعة الرابعة، ١٣٩٩ - ١٩٧٩ م، ص ٤٦.
[ ٥٦٣ ]
التغريب (١) " (٢).
وبعد التحرر من الاستعمار الأجنبي وخروج المستعمر (الغازي الكافر) من الدول الإسلامية، ابتُليت الأمّة الإسلامية بالغزو الفكري والعقائدي والاجتماعي والأخلاقي في شؤون حياتها كافة.
وقد مر المجتمع الإِسلامي المعاصر خلال اتصاله ولقائه وتأثره بالمجتمع الأوروبي الغربي "بمراحل متعاقبة أولها مرحلة الذهول والدهشة والإعجاب والشعور بالنقص، ثم كانت مرحلة النقل والتقليد والاقتباس، ومرحلة تتراوح بين التوفيق بين القيم الغربية والقيم الإسلامية تارة، والصراع بينهما تارة أخرى، ثم كانت أخيرًا مرحلة الذاتية بالنسبة للاتجاه الأصيل أو الإسلامي التي تقابل بالنسبة للاتجاه الآخر مرحلة الانسلاخ النهائي من الإسلام والاندماج كليًّا في أحد تيارات الفكر الغربي" (٣).
ود. الشيباني أحد الملتزمين بالاتجاه الإسلامي الأصيل، وقد لمس موطن الداء في واقعنا التربوي والتعليمي، وأدرك خطورة ذلك على تنشئة الأجيال الإسلامية الحاضرة، فكانت معظم مؤلفاته تدور حول الإصلاح التربوي والعودة إلى المصادر الإسلامية الثابتة من القرآن الكريم والسُّنّة النبوية الشريفة، لإعادة البناء التربوي الحالي إلى أصوله الإسلامية الأُولى، وتنقيته من شوائب الفكر الدخيل.
لذلك فرضت طبيعة العصر الحاضر على د. الشيباني أن يتناول موضوعات لم يتناولها ابن الجوزي مثال: "نحو بناء فلسفة تربوية تستمد أصولها من مبادئ الإسلام". أو قد يعالج موضوعات عالجها ابن الجوزي -مثل: "فضل المعلم ووظيفته في التربية الإِسلامية- من الوجهة الإسلامية وفق ما تجدّد من ظروف في الوقت الحاضر تتعلق بالمعلم ولم تكن في عصر ابن الجوزي.
_________________
(١) المقصود بعملية التغريب: انتقال المسلمين من العقلية الإسلامية إلى العقلية الغربية.
(٢) المبارك، محمد. بين الثقافتين الغربية والإسلامية. بيروت، دار الفكر، طبعة سنة ١٤٠٠ هـ - ١٩٨٠ م، ص ٧٨.
(٣) مرجع سابق، المبارك. المجتمع الإسلامي المعاصر. ص ١٠٢.
[ ٥٦٤ ]
والذي يبدو من الموازنة -بصفة عامة- تأثر د. الشيباني بآراء المربين المسلمين، بدليل استشهاده بأقوالهم في كثير من الأفكار التي يعرضها. بل لقد أكد في أكثر من موضع أن ما تركوه من آراء تربوية قيمة هي جزء من تراثنا الخالد، فقال في ذلك: ". . . ما تركه لنا هؤلاء العلماء والمربون من تراث مكتوب في هذا المجال [يعني واجبات المعلم وآدابه] يمثل جانبًا كبيرًا من تراثنا التربوي الإِسلامي الذي نعتز به" (١).
ونصل من هذه الموازنة إلى أن ابن الجوزي ود. الشيباني قد جعلا مصدر ثرائهما الفكري والتربوي هو كتاب الله -﷿- وأحاديث وسُنّة نبيه محمد - ﷺ -، ثم ما يتفرع عنهما من مصادر أخرى كالإجماع والقياس .. ثم النظر في تراثنا التربوي الذي خلفه لنا الأسلاف .. ونحو ذلك.
ولكن .. هل يعني هذا أن ابن الجوزي تناول بآرائه التربوية الدراسات التربوية المعاصرة؟
ولكي تكون الإجابة صحيحة وواضحة من الوجهة العلمية، لابدَّ من الإلمام -ولو بصورة عامة وسريعة- بالموضوعات التربوية التي تناولها المؤلفون، أو الباحثون أو المهتمون بالدراسات التربوية الإسلامية في وقتنا الحاضر، لموازنتها بآراء ابن الجوزي التربوية ثم لمعرفة ذلك، وتحديد مكان ابن الجوزي بين المربين المعاصرين.
ومن خلال الاستقراء العام للدليل الذي وضعه د. مقداد يالجن وهو دليل التأصيل الإسلامي للتربية لعام ١٤١١ هـ، بتكليف من عمادة البحث العلمي، بجامعة الإمام محمد بن سعود الإِسلامية بالرياض (٢)، نجد أن هذا الدليل يشمل الموضوعات الآتية:
_________________
(١) مرجع سابق، الشيباني. من أسس التربية الإسلامية. ص ٢٠١.
(٢) برزت فكرة هذا الدليل إلى الوجود أثناء عضوية د. مقداد يالجن في لجنة التأصيل الإسلامي للتربية، فقد اقترح عليهم عمل ثلاثة أدلة للتأصيل الإسلامي في التربية وعلم الاجتماع وعلم النفس. وكان د. مقداد قد بدأ فعلًا في تنفيذ هذا الدليل أثناء عرضه لهذا الاقتراح، إلى أن أتمه ووافقت عمادة البحث العلمي على طباعته. وهو الآن مطبوع. أما دليلا علم الاجتماع وعلم النفس فسوف يتم إنجازهما في هذا العام إن شاء الله تعالى.
[ ٥٦٥ ]
المقدمة
وذكر فيها الصعوبات والمشكلات التي واجهته، وبعض الدراسات المشابهة لهذا العمل التربوي المفيد، والمنهج المستخدم لكتابة هذا الدليل.
أولًا: نبذة عن اهتمام الجامعة بالتأصيل وبخاصة تأصيل التربية.
ثانيًا: دليل البحوث والمؤلفات التي تمَّ إنجازها، والتي ما زالت تحت الإنجاز (باللغة العربية) (وعناوينها مصنفة على أساس الحروف الأبجدية لسهولة التعرف على الموضوعات).
ثالثًا: دليل الباحثين وهو مصنف على أساس الحروف الأبجدية.
رابعًا: دليل البحوث والمؤلفات باللغات الأجنبية ويشمل:
أ - دليل البحوث باللغة الإنجليزية والفرنسية والألمانية.
ب - دليل البحوث باللغة التركية.
خامسًا: بعض النماذج لأعمال مكتبية لبحوث التربية الإسلامية.
سادسًا: دليل البحوث التي قُدمت والتي ستُقدَّم أيضًا إلى بعض المؤتمرات والندوات المقرر عقدها.
سابعًا: مجالات التأصيل الإِسلامي للتربية. ومشروع خريطة البحوث التربوية المقترحة.
ثامنًا: دليل المؤسسات والهيئات المهتمة بالتأصيل وبالتربية الإِسلامية بوجه خاص.
الخاتمة
وقد ذكر فيها أهمَّ ما يتميز به هذا الدليل عن غيره من الأعمال السابقة وهذه المميزات هي:
١ - "أنه يحتوي على أكبر كمية من البحوث والمؤلفات، وهذا لم تحوه أية دراسة سابقة في هذا المجال -حسب علم المؤلف-
٢ - أنه اشتمل على مشروع خريطة البحوث التربوية في المجالات التأصيلية وقد تضمّن (١٦٦) مشروع بحث .. وذلك ليختار الباحث الذي يريد الإسهام في التأصيل موضوعات مناسبة لاختصاصه أو ميوله واستعداده من غير إضاعة وقت في البحث عن الموضوعات التي تحتاج إلى الدراسة والتأصيل.
٣ - أنه اشتمل على البحوث التي ستُقدم إلى بعض المؤتمرات
[ ٥٦٦ ]
والندوات المقرّر عقدها في مجالات التأصيل، على أساس أن هذه البحوث بمثابة البحوث المسجّلة ومآلها معروف، وتعتبر في سبيل الإنجاز، ويمكن الاتصال بتلك الجهات المسؤولة عنها للحصول عليها بعد انعقاد تلك المؤتمرات والندوات، وعددها حسب الخطة ٦٧ بحثًا.
٤ - أنه اشتمل على أسماء وعناوين المؤسسات المعنية بالتأصيل للتعاون معها، ومتابعة نشاطها والحصول على بحوثها أو إنتاجها.
٥ - أنه دراسة عصرية ركزت على المؤلفات والبحوث العصرية المنجزة والمشروعات، وبذلك تميز عن الدراسات التراثية، سواء في مجال الأعلام (أعلام المربين) أو الموضوعات التربوية.
٦ - أن عناوين الموضوعات المنجزة أو التي هي بمنزلة (مشروعات) على حد سواء منظمة ومصنفة تحت عنوان، إما على أساس المجالات وإما على أساس حروف الهجاء (مرتَّبة كترتيب المعجم)، وذلك مما يسهّل للباحثين الحصول على مطالبهم في أقرب وقت ممكن" (١).
وبعد الاستقراء لعناوين الموضوعات التربوية التي نوقشت من قبل المؤلفين، أو الباحثين والباحثات في الدراسات العليا (ماجستير ودكتوراة) لوحظ الآتي:
١ - تعدُّد وتنوع الموضوعات التربوية الإسلامية التي درست، وكل دراسة منها ركزت على جانب من جوانب الفكر التربوي الإسلامي.
٢ - إن الدراسات التربوية الحالية، تمثل ظاهرة العودة إلى الهوية الإسلامية الضائعة، في محاولة منها لتحديد معالم التربية المنشودة، ثم إحياء التراث الإسلامي وجعله مفيدًا وميسَّرًا وفق طبيعة العصر الحاضر وظروفه المتغيرة ضمن الحدود الإسلامية وضوابطها الشرعية.
٣ - إن أعداد البحوث والدراسات التربوية التي أُنجزت والتي هي في طور الإنجاز تدل على الرغبة الصادقة والجادة في تأصيل التربية إسلاميًا، وكذلك اهتمام المؤسسات التعليمية بعقد المؤتمرات وكتابة البحوث في هذا المجال يدل على مدى أهمية هذا الموضوع والحاجة
_________________
(١) يالجن، د. مقداد. التأصيل الإسلامي للتربية. الرياض، عمادة البحث العلمي بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالتعاون مع إدارة الثقافة والنشر، الطبعة الأولى، ١٤١١ هـ الجزء الأول، ص ٢٩٥ - ٢٩٦.
[ ٥٦٧ ]
الماسّة التي تدعو إليه.
إلى غير ذلك من مؤشرات ودلالات تبشر بأن التربية الإسلامية ستكون بإذن الله النظام المنقذ لكل مشكلات وأزمات التربية والتعليم في العالم الإِسلامي ومنه العالم العربي، بل وفي العالم كله.
فإذا وازنَّا ما لاحظناه من الدراسات التربوية بآراء ابن الجوزي التربوية، فإننا نجد أن هذه الدراسات التربوية الحالية تحاول تأصيل التربية إسلاميًّا، والعودة إلى المصادر الأساسية لها، بينما لا تحتاج آراء ابن الجوزي إلى تأصيل إسلامي، لأنها نابعة من الفكر التربوي الإِسلامي، وتعتبر جزءًا أصيلا وقيما من الفكر التربوي الإِسلامي الذي يُعتمد عليه عند عرض أو دراسة أي موضوع تربوي.
وعلى الرغم من أن الفكر التربوي لابن الجوزي يمثل قيمة علمية وتربوية، فإن ابن الجوزي لم يتناول موضوعات الدراسات التربوية المعاصرة، وذلك لأسباب عدة:
١ - إنه -كما سبق أن ذكرنا- غير متخصص في التربية، ولكن كتب ما كتب من الموضوعات التربوية بصفة عامة.
٢ - إنه تناول الآراء التربوية من الوجهة الإسلامية دون تأثير عقائد أو مذاهب أو تيارات مخالفة للمنهج الإسلامي، أَو ظروف فرضتها طبيعة العصر، إلا ما ذكره في ما يتعلق بعَلامات الذكاء الجسمية ومثلها في الحمقى.
٣ - إنه لا يمكن لبشر مهما أوتي من القوة والعلم أن يتناول جميع جوانب العلم، قال الله تعالى: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ (١).
٤ - الموضوعات التربوية التي تناولها أقل بكثير من الموضوعات التربوية الإسلامية التي تناولها، المربون المسلمون المعاصرون. وبعض الموضوعات المهمة لم يتطرق إليها ابن الجوزي مثل أهداف التربية الإِسلامية، والتربية الإبداعية والابتكارية.
٥ - أن هناك آراء تربوية مرفوضة لابن الجوزي لأنه أخذها من المربين الآخرين، أو لأنها مبنية على أحاديث ضعيفة أو موضوعة.
_________________
(١) سورة الإسراء، الآية ٨٥.
[ ٥٦٨ ]