على الرغم من أن معظم آراء ابن الجوزي التربوية موافقة للمنهج التربوي الإسلامي، فقد كان هناك بعض الآراء التربوية المخالفة والمتعارضة مع الفكر التربوي الإسلامي وربما كان ذلك ناتجًا من تأثر ابن الجوزي -في أثناء قراءته- بالفكر اليوناني، أو المذاهب المعاصرة لحياته.
وهناك بعض الآراء مبنية على الأحاديث الضعيفة، وهي كالآتي:
١ - بيَّن ابن الجوزي أن هناك علاقة بين القدرات العقلية وشكل الإنسان، وصدَّرها بآراء الحكماء فقال في ذلك:
"إذا كان الرأس صغيرًا رديء الشكل دلَّ على رداءةٍ في هيئة الدماغ. . .
وحسن الصوت دليل على الحمق وقلة الفطنة، واللحم الكثير الصلب دليل على غلظ الحس والفهم، والغباوة والجهل في الطول أكثر. ومن العلامات التي لا تخطئ طول اللحية، فإن صاحبها لا يخلو من الحمق" (١).
وهذا الرأي تؤيده الأحاديث الضعيفة أو الموضوعة، وهي:
أ - "ما خلا قصيرٌ من حكمةٍ. قال في المقاصد لم أقف عليه. . . وعن الحسن بن علي رفعه إن الله جعلَ البهاءَ والهَوَج -بفتحتين أي الحمق- في الطوال، ورواه بعضهم ما خلا قصيرٌ من حكمةٍ، ولا طويل من حماقةٍ" (٢).
ب - وقد ورد حديث: "طولُ اللحيةِ دليل على قلةِ العقلِ. يروى
_________________
(١) مرجع سابق، ابن الجوزي. أخبار الحمقى والمغفلين. ص ٢٨ - ٢٩.
(٢) العجلوني، الجراحي، إسماعيل، محمد. كشف الخفاء ومزيل الإلباس عما اشتهر من الأحاديث على ألسنة الناس. (تحقيق) القلاش، أحمد، القاهرة، مكتبة التراث الإِسلامي، ودار التراث، الجزء الثاني، ص ٢٦١.
[ ٤٨٧ ]
عن عمرو بن العاص رفعه "اعتبروا عقلَ الرجل في ثلاثٍ في طولِ لحيتهِ وكنيتهِ ونقشِ خاتمهِ". أسنده الديلمي وهو واه" (١).
وهذا الحديث مخالف للحديث الصحيح الذي أمر فيه الرسول - ﷺ - بإعفاء اللحية وقال فيه: "أَنِهكوا الشواربَ، وأعفوا اللحى" (٢).
ومع ضعف هذا الرأي، وعدم صحته، فقد أثبتت الدراسات النفسية التجريبية الحديثة خطأه أيضًا، عندما قام بعض الباحثين ببحث "قضية ذكاء الإنسان وقياسه، فحاول البعض الربط بين الذكاء وتضاريس الجمجمة أو اتساع الجبهة، وحاول البعض الآخر قياسه عن طريق بعض السمات الشخصية، مثل درجة الحساسية للألم، والقدرة على التمييز الحسي، ثم ما لبث العلماء أن كشفوا عن خطأ هذه الاعتبارات" (٣).
وبناء على عدم وجود آيات قرآنية أو أحاديث نبوية صحيحة، أو حتى دراسات علمية تثبت صحة وصدق وجود علاقة ارتباط بين القدرات العقلية وشكل الإنسان، فإن هذا رأي لا يؤخذ به في الفكر التربوي الإسلامي لابن الجوزي الذي لم يعقب على خطأه.
٢ - كذلك بيَّن ابن الجوزي أن هناك صفات جسمية يستدلّ بها على الأذكياء، فقال في ذلك: "الخلق المعتدل والبنية المتناسبة دليل على قوة العقل وجودة الفطنة، فإذا غلظت الرقبة دلت على قوة الدماغ ووفوره، ومن كانت عينه تتحرك بسرعة وحِدّة فهو مكار محتال لصّ، وأحمدُ العيون الشهلُ، فإذا لم تكن الشهلاء شديدة البريق، ولا يظهر عليها صفرة ولا حمرة دلت على طبع جيد، وإن كانت العين صغيرة غائرة فصاحبها مكار حسود، ومن كان نحيف الوجه فهو فهيم مهتم
_________________
(١) مرجع سابق، الأثري. كتاب تمييز الطيب من الخبيث فيما يدور على ألسنة الناس من الحديث. ص ١٠٣.
(٢) مرجع سابق، العسقلاني. الباري بشرح صحيح البخاري. الجزء العاشر، ص ٣٥١، كتاب اللباس، باب إعفاء اللحى. وعَفَوْا: كثروا وكثرت أموالهم، حديث رقم ٥٨٩٣.
(٣) مرجع سابق، السمالوطي، د. نبيل محمد توفيق. الإسلام وقضايا علم النفس الحديث. ص ١٦٨.
[ ٤٨٨ ]
بالأمور، واللطف في النِّحاف والقصار أظهر، والمعتدلون في الطول صالحو الحال" (١).
ولم ترد آيات قرآنية أو أحاديث نبوية صحيحة، تبيّن أن هناك علاقة وطيدة بين صفات الإنسان الجسمية والذكاء، وإنما العبرة بالعمل الصالح لقول الرسول - ﷺ -: "إن الله لا ينظرُ إلى صوركم وأموالكم. ولكن ينظرُ إلى قلوبكم وأعمالكم" (٢).
والأحاديث التي وردت في بيان العلاقة بين الصفات الجسمية والذكاء، كلها أحاديث ضعيفة أو موضوعة، سأذكرها مع بيان درجتها فيما يأتي:
أ - "احذورا صفر الوجوهِ فإنه إن لم تكن عن علةٍ أو سهرٍ، فإنه من غلٍ في قلوبهم للمسلمين. أورده الديلمي في مسنده عن ابن عباس، قال ابن الحجر: لم أقف له على أصل وإن ذكره ابن قيم في الطب النبوي له فذاك بغير سند" (٣).
ب - "إياك والأشقرَ الأزرقَ فإنه من قرنهِ إلى قدمهِ مكرٌ وخديعةٌ وغدرٌ. ذكره الديلمي عن ابن عمر مرفوعًا ولم يسنده ولده" (٤).
جـ - "الزرقةُ في العينِ يمنٌ. أخرجه ابن حبان في الضعفاء عن عائشة به مرفوعًا" (٥).
بالإضافة إلى كون هذه الأحاديث الضعيفة أو الموضوعة (ابن الجوزي لم يستشهد بها أو يذكرها)، فقد أثبتت الدراسات التجريبية خطأ القول بوجود علاقة بين الذكاء وشكل الإنسان.
_________________
(١) مرجع سابق، ابن الجوزي. الأذكياء. ص ٨.
(٢) مرجع سابق، النيسابوري. صحيح مسلم. الجزء الرابع، ص ١٩٨٧، كتاب البر والصلة والآداب، باب تحريم ظلم المسلم وخذله واحتقاره ودمه وعرضه وماله، حديث رقم ٣٤.
(٣) مرجع سابق، الأثري. كتاب تمييز الطيب من الخبيث فيما يدور على ألسنة الناس من الحديث. ص ١٠.
(٤) المرجع السابق، ص ٥١.
(٥) المرجع السابق، ص ٨٦.
[ ٤٨٩ ]
وعلى هذا فإن رأي ابن الجوزي هذا يعتبر مخالفًا للفكر التربوي الإسلامي، لأنه مخالف للعلم وما يخالف العلم يخالف التفكير الإسلامي أصلًا.
٣ - عدّد ابن الجوزي بعض الأسباب التي تورث النسيان وهي: "الحجامة في النقرة، وأكل الكُزْبرَة الرطبة والتفاح الحامض، والمشي بين جملين مقطورين، وكثرة الهم، وقراءة ألواح القبور، والنظر في الماء الدائم والبول فيه، والنظر الى المصلوب، ونبذ القمل، وأكل سؤر الفأر" (١).
وقد علّق العجلوني على قول ابن الجوزي فقال: "قال في المقاصد ولا يصح في المرفوع من ذلك شيء" (٢).
وقد ورد حديث يقول: "الحجامةُ في نقرةِ الرأسِ تورثُ النسيانَ فتجنبوا ذلك. رواه الديلمي من حديث عمرو بن واصل، قال: حكى لي محمد بن سوأة عن مالك بن دينار عن أنس مرفوعًا، وابن واصل اتهمه الخطيب بالوضع لاسيما وهو حكاية، وقد احتجم - ﷺ - في يافوخهِ من وجعٍ كان به" (٣).
وورد في القمل: "نبذُ القملِ يورثُ النسيانَ. أورده ابن عدي في حديث مرفوع شديد الوهي والضعف. وفي سنده الحكم بن عبد الله الأيلي متهم بالوضع، ولفظه ست تورث النسيان سؤر الفار، وإلقاء القملة وهي حية، والبول في الماء الراكد، وقطع القطار، ومضغ العلك، وأكل التفاح الحامض" (٤).
ومن هنا نجد أن رأيه مستند إلى أحاديث شديدة الضعف أو موضوعة، ولا يمكن أخذ رأيه في ذلك ولا يمكن اعتباره من الفكر التربوي الإسلامي الصحيح، بأي حال من الأحوال.
_________________
(١) مرجع سابق، ابن الجوزي. الحث على حفظ العلم في كبار الحفاظ. ص ١٨.
(٢) مرجع سابق، العجلوني، الجراحي. كشف الخفاء ومزيل الإلباس عما اشتهر من الأحاديث على ألسنة الناس. الجزء الثاني، ص ٤٣٤.
(٣) مرجع سابق، الأثري. كتاب تمييز الطيب من الخبيث فيما يدور على ألسنة الناس من الحديث. ص ٦٨.
(٤) مرجع سابق، العجلوني، الجراحي. كشف الخفاء ومزيل الإلباس عما اشتهر من الأحاديث على ألسنة الناس. الجزء الثاني، ص ٤٣٣.
[ ٤٩٠ ]