الإيحاء: "هو انتقال الأفكار من شخصٍ إلى آخر، أو انتقال الأفكار والآراء من مؤثر إلى متأثر" (٣). وقد يكون الإيحاء من الشخص إلى نفسه، كأن يقول لنفسه: إنك قوي الإرادة، وتملك شخصية قوية، فمع تكرار ذلك مرارًا في كل يوم تقوى إرادة الإنسان. وطبيعة الإيحاء في المنهج التربوي الإِسلامي، يستمدّ قوته الروحية من قوة الله تعالى وهديه وتشريعه، قال الله تعالى: ﴿أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾ (٤). وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ (٥).
ومن مصادر الإيحاء الذاتي بالقوة، الاعتزاز بالإيمان بالله تعالى
_________________
(١) المرجع السابق، الجزء الأول، ص ٣٦١ - ٣٦٢.
(٢) سورة الأعراف، الآية ٣٢.
(٣) مرجع سابق، زيدان. معجم المصطلحات النفسية والتربوية. ص ١٩١.
(٤) سورة البقرة، الآية ١٦٥.
(٥) سورة الذاريات، الآية ٥٨.
[ ٣٩٣ ]
والتوكّل عليه. قال الله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا﴾ (١). وقال -﷿-: ﴿فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾ (٢). لذلك فالمؤمن القوي أفضل من المؤمن الضعيف، لأنه يستمدّ قوته وعزته من صلته بالله تعالى، ومن اتباعه لأوامر الله -﷿- واجتنابه لنواهيه.
وفي هذا المعنى يقول ابن الجوزي: "ومتى صحت التقوى رأيت كلَّ خيرٍ، والمتقي لا يرائى الخلق، ولا يتعرض لما يؤذي دينه، ومن حفظ حدود الله حفظه الله" (٣)، ثم وثَّقَ كلامه بوصية الرسول - ﷺ - لابن عباس -﵄-: "احفظِ اللهَ يحفظْك. احفظِ اللهَ تجده أمامك" (٤). ثم ضرب مثلًا لنبي الله يونس -﵇-، عندما أنقذه إيمانه بالله تعالى من سجنه في بطن الحوت، أما فرعون هلك بسبب كفره وطغيانه. فقال في ذلك ابن الجوزي: "إن يونس -﵇- لما كانت ذخيرته خيرًا نجا بها من الشدة. قال الله -﷿-: ﴿فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ (١٤٣) لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ (٥). أما فرعون فلما لم تكن له ذخيرة خير لم يجد في شدته مخلَّصًا، فقيل له: ﴿آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ﴾ (٦). فأجعل لك ذخائر خير من تقوى تجد تأثيرها" (٧). ويقصد ابن الجوزي بالذخائر التي يتمسك بها الإنسان ويستمد منها قوته مراعاةُ تطبيق شرع الله تعالى وأحكامه، فقال في ذلك: "واعلم أن أوفى الذخائر: غضّ الطرف عن محرم، وإمساك اللسان عن فضول كلمةٍ، ومراعاة لحد، وإيثار الله ﷾ على هوى النفس" (٨). ثم استشهد بقصة (٩) الثلاثة الذين دخلوا الغار، وتوسلوا لله تعالى بصالح أعمالهم، فقال فيها: "وقد عرفت حديث الثلاثة الذين دخلوا إلى غارٍ، فانطبقتْ علهيم صخرةٌ، فقال أحدهم: اللهم
_________________
(١) سورة فاطر، الآية ١٠.
(٢) سورة النساء، الآية ١٣٩.
(٣) مرجع سابق، ابن الجوزي. لفتة الكبد إلى نصيحة الولد. ص ٥٥.
(٤) مرجع سابق، ابن حنبل، أحمد. المسند. الجزء الأول ص ٢٩٣.
(٥) سورة الصافات، الآيتان ١٤٣ - ١٤٤.
(٦) سورة يونس، الآية ٩١.
(٧) مرجع سابق، ابن الجوزي. لفتة الكبد إلى نصيحة الولد. ص ٥٥.
(٨) المرجع السابق، ص ٥٦.
(٩) المرجع السابق، ص ٥٦.
[ ٣٩٤ ]
إنه كان لي أبوان وأولادُ، فكنت أقفُ بالحليبِ على أبويّ أسقيهما قبل أولادي، فإن كنتُ فعلتُ ذلك لأجلِك فافرجْ عَنا، فانفرجَ ثلثُ الصخرةِ. وقال الآخرُ: اللهم إني استأجرتُ أجيرًا فتسخطَ أجَره، فاتجرتُ به، فجاء يومًا فقال: ألا تخافُ اللهَ وتعطيني أجرتي؟ فقلتُ: انطلقْ إلى تلك البقرِ ورعاتهِا فخذْها، فإن كنتُ فعلتُ ذلك لأجلِك فافرجْ عنا فانفرَج ثلثا الصخرة. فقال الآخر: اللهم إني علقتُ بنت عم لي فلما دنوتُ منها، قالت: اتقِ اللهَ ولا تفضَّ الخاتمَ إلا بحقْهِ، فقمتُ عَنها. فإن كنت فعلت ذلك لأجلك فافرج عنا. فرفعت الصخرة، وخرجوا (١) ". وعلى ذلك فإن الإنسان الصالح التقي يصبر أمام الشدائد وينتظر الفرج من الله، وكذلك المجاهد يستمد قوة الإرادة والشخصية من الله تعالى لأنه يجاهد في سبيله.
وهكذا بيَّن ابن الجوزي أن الإِنسان المسلم، لابد أن يستمد قوته الروحية من إيمانه بالله تعالى، وتطبيق أحكامه، حتى تكون له نورًا وهدى في حياته. وهناك أساليب تربوية أُخرى لتقوية الإرادة وتربيتها لم يذكرها ابن الجوزي فيما درست من كتبه.
أهم الآراء التربوية المستخلصة من هذا الجانب جانب تربية الإرادة هي:
١ - أهمية تدريب الإِنسان على استحضار النية الخيّرة في جميع أقواله وتصرفاته.
٢ - إن استحضار الإِنسان نياته الخيرة في جميع أقواله وأفعاله له دور في بناء الإرادة القوية.
٣ - التنوع في استخدام الأساليب والوسائل الإرادية، حتى تقوى شخصية الإِنسان.
٤ - أهمية تدريب الفرد على ضبط دوافعه الفطرية، وانفعالاته النفسية منذ صغره.
_________________
(١) مرجع سابق، النيسابوري. صحيح مسلم. الجزء الرابع، ص ٢٠٩٩، كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار، باب قصة أصحاب الغار الثلاثة، والتوسل بصالح الأعمال، حديث رقم ١٠٠ - (٢٧٤٣). وقد وردت بلفظ مختلف عما أورده ابن الجوزي، ولكن هي القصة نفسها والمعنى.
[ ٣٩٥ ]
٥ - أهمية استخدام الحوافز المادية والمعنوية عند تدريب الإرادة، حتى تنقاد النفس مرغمةً، ثم راضيةً إلى ما يحبه الله ﷻ ورسوله - ﷺ -.
٦ - أهمية مراعاة طبيعة النفس البشرية، وما فيها من قوة وضعفٍ عند تدريب إرادتها.
[ ٣٩٦ ]