• الغيبة درجات، وجمهور العلماء وأكثرهم يعدون الغيبة صغيرة وقيل العكس والحق أن الغيبة تختلف بحسب القول المغتاب به فالغيبة بالقذف كبيرة ولا تساويها الغيبة بقبح الخلقه أو الهيئة مثلا والله أعلم.
• تعريف الغيبة وحدها المتفق عليه:
الغيبة هي ذكر المرء المُعين غير الكافر المُحارب، وغير الظالم بما يكرهه من أمور دنياه أو دينه الذي استتر به، سواء ذكرته باللفظ أو بالإشارة والرمز، وكل ذلك محرم مالم يكن لموجب شرعي كالنصح أو الاستفتاء أو نحوه.
• الغيبة ضابطها ذكر الشخص بما يكره، وهذا يختلف باختلاف ما يُقال فيه، وقد يشتد تأذيه بذلك.
• كل ما يُفهم المقصود (ذكرك أخاك بما يكرهه لو بلغه) فهو داخل في الغيبة ولو كان باللسان أو الفعل أو التصريح أو التعريض أو الهمز والغمز والكتابة فكل هذا حرام.
• الغيبة لا تختص باللسان فحيث ما أفهمت الغير ما يكرهه المغتاب ولو بالتعريف أو الفعل أو الإشارة أو الغمز أو اللمز أو الكتابة فهو غيبة.
• لا يوجد فرق بين الغيبة والنميمة إلا في بعض الأشياء منها أن النميمة تكون بقصد الإفساد أما الغيبة فلا يلزم ذلك ومنها أن الغيبة يشترط لها أن تكون في غيبة المغتاب.
• الغيبة لا تكون إلا مع التعيين، أو الإبهام مع معرفة السامعين بالمتكلم عنه.
• الكافر الحربي لا تحرم غيبته أو السخرية أو الاستهزاء به، وهذا كلَه بشرط أن يكون ذلك بحق فلا يكذب المسلم أو ينطق بألفاظ محرمة، وأن لا يترتب عليها مفسدة كأن يؤدي ذلك إلى الاستهزاء بالإسلام والمسلمين أو وقوع ضرر على مسلم بسبب هذا الاستهزاء أو مفسدة، والأولى هو التورع عن ذلك وعدم تضييع الأوقات بما لا يُفيد، والاشتغال بما يعود على المسلمين بعودة عزهم والتمكين لدينهم،علمًا أن غيبة غير المسلم عمومًا ذميًا أو محاربًا هناك من أهل العلم من لا يرى بأس بذلك.
[ ٤ ]
• ذكر ما صح من التاريخ القديم، لا حرج فيه، فقد سئل الشيخ ابن عثيمين ﵀ عنه فقال: ما زال العلماء ﵏ الذين يؤلفون في تراجم الرجال يذكرون الإنسان بما فيه من خير، وشر وما دام المقصود بيان حال هذا الشخص فإنه لا بأس به.
• التعميم في القول لا يُعد غيبة فمن اغتاب أهل قرية لم تكن غيبة حتى يسمي قومًا معروفين، فلو اغتاب رجل أهل قرية فقال: أهل القرية كذا، لم يكن ذلك غيبة لأنه لا يريد جميع أهل القرية، بل المراد البعض وهو مجهول فلا شيء على السامع لأن المذكور مجهول، ولا يحسن هذا التعميم ولو أراد الخصوص، وعلى هذا لا تكون الغيبة إلا عن قوم معلومين فلو قلت أهل مصر كذا بخلاء أو قوم سوء فلا يكون ذلك غيبة لأن فيهم البار والفاجر، وعُلم أنه لم يرد الجميع، ومثل قول القائل (هذه المؤسسة حرامية) أو ما أشبه ذلك كأن يقول أهل هذه القرية ظلمة فليس من الغيبة كما نص على ذلك أهل العلم وإن كان فيه تجني على العموم، لأن الغيبة لا تكون إلا على شخص أو أناس معلومين أو مبهمين يعلم المخاطب أعيانهم، والكف عن ذلك أفضل، فالغيبة المحرمة هو أن يذكر إنسانا بعينه أو جماعة بأعيانهم، ولا شك أن الأورع والأحوط الابتعاد عن كل ما يسيء إلى المسلم ويؤذيه ولو كان مجهولا.
• ذكر قبيلة باسمها وإن كانت معلومة لا يدخل في التعيين الذي قصده العلماء في هذه المسألة.
• ذكر أهل قرية أو بلدة بمنقصة لا يعد غيبة وكذلك ذكر مهنة معينة.
• مناجاة الإنسان نفسه بغيبة أي واحد من الناس لا تدخل في حد الغيبة وكذلك ما يحدَث به نفسه وكذلك ما يحدَث به من لا يفهمه، وأيضًا غيبة أعيان الناس عند من لا يعرفهم.
• سب الأموات لا يجوز إلا لمصلحة راجحة كتحذير من عمله السيء لا على سبيل التفكَه والتندَر أو بقصد إيذاء الأحياء فذلك لا يجوز.
• يشرع غيبة بعض الناس إذا كان فيها دفع تهمة وهو منها بريء كأن يقول أحد أن فلانًا سارق فتقول إن فلان على نيَاته ومغفَل وشأنه أقل من أن يسرق، والأعمال بالنيات.
• لا حرج في ذكر حكايات بعض الرموز التاريخية لمن لا يعرفهم الناس المعاصرون بأعيانهم.
[ ٥ ]
• من الحالات التي تباح فيها الغيبة وقد تستحب وقد تجب أحيانًا:
١ - المظلوم له أن يذكر ظالمه بما فيه إما على وجه دفع ظلمه واستيفاء حقه أو يذكر ظالمه على وجه القصاص من غير عدوان ولا دخول في كذب ولا ظلم الغير فقد رخَص الله للمظلوم الجهر بالقول السيئ ليُشفي غضبه حتى لا يثوب إلى السيف أو إلى البطش باليد، ففي هذا الإذن توسعة على من لا يمسك نفسه عند لحاق الظلم به، وترك ذلك أفضل.
٢ - ما يكون على وجه النصيحة للمسلمين في دينهم ودنياهم وإن تضمَن ذكر عيب الغير.
• تُباح الغيبة لكل غرض شرعي وقد تجب أحيانًا ومنها:
١ - التظلم عند من له ولاية كالسلطان والقاضي.٢ - الاستعانة على تغيير المنكر ورد العاصي. ٣ - الاستفتاء.٤ - تحذير المسلمين من الشر وذلك من وجوه منها: جرح المجروحين من الرواة والشهود والمصنَفين وهو واجب، الإخبار بعيب عند المشاورة،إذا رأيت من يشتري شيئًا معيبًا أو عبدًا سارقًا أو شاربًا أو نحو ذلك تذكره للمشتري بقصد النصيحة لا الإيذاء والإفساد، إذا رأيت متفقهًا يتردد إلى فاسق أو مبتدع يأخذ عنه علمًا وخفت عليه ضرره فعليك بنصيحته ببيان حاله قاصدًا النصيحة، أن يكون له ولاية لا يقوم بها على وجهها لعدم أهليته أو لفسقه فلك أن تذكره لمن له عليه ولاية ليستدل به على حاله فلا يغتر به ويلزم الاستقامة. ٥ - أن يكون مُجاهرًا بفسقه أو بدعته فيجوز ذكره بما يُجاهر به ولا يجوز بغيره إلا بسبب آخر.٦ - التعريف ويحرم ذكره على سبيل التنقَص.
• ذكر الناس بما يكرهون هو في الأصل على وجهين:
١ - ذكر النوع.٢ - ذكر الشخص المعيَن الحي أو الميت.
أما الأول فكل صنف ذمَه الله ورسوله يجب ذمَه وليس ذلك من الغيبة كما أن كل صنف مدحه الله ورسوله يجب مدحه وما لعنه الله ورسوله لُعن.
• من أهم أسباب الغيبة:
الحقد والحسد، وحب الانتقام، والغيظ من المغتاب، وإرادة رفعة النفس بخفض غيره، والوشاية، وموافقة الجلساء والأصحاب ومجاملتهم فيما هم عليه من الباطل، والسخرية والاستهزاء بالآخرين وغير ذلك.
• من علاج الغيبة أن ينظر إلى السبب الباعث لها فيقطع هذا السبب قدر المستطاع.
[ ٦ ]
• من الصغائر: استماع الغيبة والسكوت عن إنكارها مع الاستطاعة ولغير موجب شرعي.
• لا يتخلص المستمع من إثم سماع الغيبة إلا أن ينكر بلسانه فإن خافه فبقلبه وإن قدر على القيام أو قطع الكلام بكلام آخر لزمه ذلك.
• مستمع الغيبة لا يُعتبر مغتابًا لأنه لم يقع هو في الغيبة.
• ما ينبغي لمن سمع غيبة أخيه المسلم أن يردها ويزجر قائلها فإن لم ينزجر بالكلام زجره بيده فإن لم يستطع باليد ولا باللسان فارق ذلك المجلس فإن سمع غيبة شخص أو غيره ممن له عليه حق أو من أهل الفضل والصلاح كان الاعتناء بما ذكرناه أكثر.
• كيفية التعامل مع مجلس الغيبة عمومًا:
تنصحهم وإن كنت لا تستطيع فقم ولا تحضر الغيبة ولو استنكروا قيامك.
• كيف تصل أرحامك الذين يقعون في أعراض الناس ويغتابونهم؟
المسلم مأمور باجتناب المنهيات كلها، وبإتيان ما يستطيعه من المأمورات. فحضورك المجالس التي فيها الباطل عمومًا لا يجوز، وصلة الرحم واجبة عليك، ولكن بالكيفية التي لا تجعلك تقع في تلك المحاذير، كأن تصلهم عن طريق الهاتف أو بالكتابة، أو عن طريق الهدايا، وغير ذلك من الوسائل التي تُمليها الظروف أو تكون مجالستهم في وقت قصير مثلًا، وإذا كان المغتابون هم والديك فعليك نصحهم برفق وأدب، ويمكنك توجيه الحوار بعيدًا عن الأمور المحرمة والمبادرة بالكلام النافع، فإذا تمادوا في الغيبة وأردت الإعراض عن كلامهم حتى لا تستمع إلى الغيبة فلا حرج عليك، وخاصة إذا كان في القيام عنهم ضرر عليك أو مشقة أو كان يؤدي إلى مفسدة أكبر، فلا حرج عليك في الجلوس معهم ما دمت تنكر بقلبك، والقاعدة في ذلك أن شهود مجالس المنكر لا يجوز بشكل عام ولكن لا يدخل في ذلك شهود مجالس فيها أثر المنكر لا عينه وكذلك شهود مجالس المنكر للدعوة إلى الله والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أو شهودها لتخفيف المنكر بشرط أن لا يؤثر ذلك على المسلم أو شهودها لحاجة أو ضرورة أو مصلحة شرعية راجحة ومن المصلحة الراجحة صلة الأرحام وإذا كانت مجالس بعض الأقارب مجالس غيبة فينبغي الإنكار على المُغتاب وبيان حرمة الغيبة وينبغي في المجالس توجيه الحوار بعيدًا عن الأمور المحرمة والمبادرة بالكلام النافع فإذا لم ينفع ذلك وأبى الجالسون إلا الغيبة فلك اجتناب هذه المجالس ولكن لا يجب مراعاة للرحم أما الإعراض
[ ٧ ]
عن الغيبة والكلام الباطل وعدم استماعه والإصغاء إليه واجب وإن كنت مُجالسًا لهم ولا يضرك السماع في هذه الحال إن لم تكن مُستمعًا وينبغي الاقتصاد في حضور مثل هذه المجالس وتكون بقدر ماتتحقق به الصلة، وباختصار فمجالس الأقارب إذا كان فيها غيبة ونميمة فلك أن لا تشهدها مع صلتهم بما تستطيع.
• من جلس في مجلس منكر لموجب شرعي كعدم القدرة على المفارقة مثلًا فليجتهد في الإعراض عنهم بسمعه وقلبه ولا شيء عليه.
• إذا لم تقدر على التحلَل من المُغتاب تصريحًا فلتتحلل منه بالجملة عمومًا.