أهل السنة والجماعة يرون أن الإيمان قول وعمل، يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، وأن أعمال القلوب داخلة في مسمى الإيمان، وهي قول القلب وعمله.
وجاءت نصوص الكتاب والسنة دالة على أن الإيمان قول وعمل، ومن ذلك:
الدليل الأول: قوله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ [البينة: ٥].
وفي هذه الآية الكريمة جعل الله -﷾- الدين في عمل القلب وعمل الجوارح، فشملت القول والعمل، روى الإمام اللالكائي (^١) عن الإمام البخاري (^٢) -رحمهما
_________________
(١) هبة الله بن الحسن بن منصور الرازي أبو القاسم الحافظ المجود، المفتي الشافعي اللالكائي. عني بالحديث فصنف فيه أشياء كثيرة، ولكن عاجلته المنية قبل أن تشتهر كتبه، وله كتاب في السنة وشرفها، وذكر طريقة السلف الصالح في ذلك، وله شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة، وهو من أكبر مصادر عقيدة السلف، وغير ذلك، وتوفي ﵀ سنة (٤١٨ هـ). ينظر: تاريخ بغداد (١٦/ ١٠٨) للخطيب البغدادي، ت: الدكتور بشار عواد معروف، دار الغرب الإسلامي بيروت، ط ١، ١٤٢٢ هـ، سير أعلام النبلاء (١٧/ ٤١٩)، البداية والنهاية (١٥/ ٦١٨)، موسوعة مواقف السلف (٦/ ٦٠).
(٢) شيخ الإسلام وإمام الحفاظ أبو عبد الله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة بن بردزبه الجعفي مولاهم البخاري صاحب الصحيح والتصانيف، وكان رأسًا في الذكاء، رأسًا في العلم، ورأسًا في الورع والعبادة، وقد رحل في طلب العلم إلى سائر محدثي الأمصار، وقال ابن خزيمة: "ما تحت أديم السماء أعلم بالحديث من البخاري"، وألف كتابه الصحيح، والتاريخ، وله كتب تعتبر من الأجزاء، منها: الأدب المفرد، وخلق أفعال العباد وغير ذلك، وتوفي ﵀ سنة (٢٥٦ هـ). ينظر: تاريخ بغداد (٢/ ٣٢٢)، تذكرة الحفاظ (٢/ ١٠٤) للذهبي دار الكتب العلمية، بيروت، ط ١، ١٤١٩ هـ، البداية والنهاية (١٤/ ٥٢٦).
[ ١٠٥ ]
الله- أنه لقي أكثر من ألف رجل كلهم يقول: الدين قول وعمل، ويستدل بهذه الآية (^١).
وقال الحافظ ابن كثير ﵀ في تفسير لهذه الآية الكريمة: "وقد استدل كثير من الأئمة -كالزهري (^٢) والشافعي (^٣) - بهذه الآية الكريمة على أن الأعمال داخلة في الإيمان" (^٤).
_________________
(١) ينظر: شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة (١/ ١٩٥) للالكائي، ت: أحمد بن سعد بن حمدان الغامدي، دار طيبة السعودية، ط ٨، ١٤٢٣ هـ، وصحح إسناده الحافظ ابن حجر في الفتح (١/ ٤٧).
(٢) محمد بن مسلم بن عبيد الله الزهري أبو بكر القرشي المدني. سكن الشام، وكان بأيلة، ويقولون تارة: الزهري، وتارة: ابن شهاب، ينسبونه إلى جد جده، وهو أحد الفقهاء والمحدثين، وأعلام التابعين بالمدينة، رأى عشرة من الصحابة رضوان الله عليهم، وكان قد حفظ علم الفقهاء السبعة، وكتب عمر بن عبد العزيز ﵀ إلى الآفاق: عليكم بابن شهاب، فإنكم لا تجدون أحدًا أعلم بالسنة الماضية منه. مات ﵀ سنة (١٢٤ هـ). ينظر: وفيات الأعيان (٤/ ١٧٧)، سير أعلام النبلاء (٥/ ٣٢٦)، الأعلام (٧/ ٩٧).
(٣) الإمام عالم العصر ناصر الحديث فقيه الملة أبو عبد الله محمد بن إدريس بن العباس القرشي المطلبي، وقال أحمد بن حنبل: ما أحد مس بيده محبرة ولا قلمًا إلا وللشافعي في رقبته منة. وقال عبد الله بن أحمد بن حنبل: قلت لأبي: أي رجل كان الشافعي؟ فإني سمعتك تكثر من الدعاء له، فقال: يا بني، كان الشافعي كالشمس للدنيا، وكالعافية للبدن، هل لهذين من خلف؟! أو عنهما من عوض؟! كانت وفاته بمصر سنة (٢٠٤ هـ) عليه رحمة الله. ينظر: تاريخ بغداد (٢/ ٥٦)، وفيات الأعيان (٤/ ١٦٣)، سير أعلام النبلاء (١٠/ ٥)، البداية والنهاية (١٠/ ٢٥١).
(٤) تفسير ابن كثير (٨/ ٤٥٧).
[ ١٠٦ ]
الدليل الثاني: قوله تعالى: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة: ١٣٦].
استدل الإمام الآجُرِّيُّ (^١) ﵀ بهذه الآية على فرضية الإيمان باللسان (^٢).
ولكن هذا القول باللسان يستلزم أن يكون القلب متواطئًا مع اللسان ليترتب عليه الثواب والجزاء؛ لأن نطق اللسان بدون اعتقاد القلب نفاقٌ وكفر، وقول اللسان الخالي من عمل القلب عديم الفائدة قليل النفع، وإن العبد يؤجر عليه إذا كان خيرًا ومعه أصل الإيمان، ولكن الفرق كبير بين قول مجرد وقول حضر معه القلب (^٣)، والله أعلم.
الدليل الثالث: قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ﴾ [المائدة: ٤١].
استدل الإمام ابن بطة (^٤) ﵀ بهذه الآية على عمل القلب فقال: "وقال:
_________________
(١) الإمام، المحدث، القدوة، شيخ الحرم الشريف، أبو بكر محمد بن الحسين بن عبد الله البغدادي الآجُرِّي، له الكثير من المؤلفات، منها: كتاب الشريعة في السنة، وهو من أعظم المصادر السلفية التي غاظت المبتدعة، وكتاب الرؤية، وكتاب أخلاق العلماء، وغير ذلك، وتوفي ﵀ سنة (٣٦٠ هـ). ينظر: تاريخ بغداد (٣/ ٣٥)، البداية والنهاية (١٥/ ٣٣٠)، سير أعلام النبلاء (١٦/ ١٣٣)، موسوعة مواقف السلف (٥/ ٢٠٨).
(٢) ينظر: الشريعة للآجري (٢/ ٦١٢) ت: الدكتور عبد الله بن عمر بن سليمان الدميجي، دار الوطن الرياض السعودية، ط ٢، ١٤٢٠ هـ.
(٣) ينظر: تفسير السعدي (٦٧).
(٤) الإمام، القدوة، العابد، الفقيه، المحدث، شيخ العراق، أبو عبد الله عبيد الله بن محمد بن محمد بن حمدان العكبري الحنبلي، ابن بطة، مصنف كتاب الإبانة الكبرى، ويعتبر من أكبر مصادر العقيدة السلفية، وله فيه تعليقات بأسلوب رصين متين، وتوفي ﵀ سنة (٣٨٧ هـ). ينظر: تاريخ بغداد (١٢/ ١٠٠)، سير أعلام النبلاء (١٦/ ٥٢٩)، موسوعة مواقف السلف (٥/ ٣٧٣).
[ ١٠٧ ]
﴿قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ﴾ فذلك ما فرضه على القلب من الإقرار والمعرفة والتصديق، وهو رأس الإيمان وهو عمله، وفرض على اللسان القول والتعبير عن القلب، وما عقد عليه وأقر به" (^١).
الدليل الرابع: قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [البقرة: ٨٢]، وذكر الله ذلك في مواضع كثيرة من كتابه.
وذكر الإمام الآجري كلامًا متينًا معلّقًا على هذه الآيات الكثيرة التي جمعت بين الإيمان والعمل، فقال ﵀: "اعلموا -رحمنا الله وإياكم يا أهل القرآن، ويا أهل العلم، ويا أهل السنن والآثار، ويا معشر من فقههم الله تعالى في الدين بعلم الحلال والحرام- أنكم إن تدبرتم القرآن كما أمركم الله تعالى؛ علمتم أن الله تعالى أوجب على المؤمنين بعد إيمانهم به وبرسوله العمل، وأنه تعالى لم يثن على المؤمنين بأنه قد رضي عنهم، وأنهم قد رضوا عنه، وأثابهم على ذلك الدخول إلى الجنة والنجاة من النار، إلا الإيمان والعمل الصالح، وقرن مع الإيمان العمل الصالح، لم يدخلهم الجنة بالإيمان وحده حتى ضم إليه العمل الصالح الذي قد وفقهم له، فصار الإيمان لا يتم لأحد حتى يكون مصدقًا بقلبه، وناطقًا بلسانه، وعاملًا بجوارحه.
لا يخفى على من تدبر القرآن وتصفحه، وجده كما ذكرت، واعلموا -رحمنا الله تعالى وإياكم- أني قد تصفَّحت القرآن، فوجدت فيه ما ذكرته في ستة وخمسين موضعًا من كتاب الله -﷿- (^٢)، أن الله ﵎ لم يدخل المؤمنين الجنة بالإيمان وحده، بل أدخلهم الجنة برحمته إياهم، وبما وفَّقهم له من الإيمان به والعمل الصالح" (^٣).
_________________
(١) الإبانة الكبرى لابن بطة (٢/ ٧٦٦) ت: رضا معطي، وعثمان الأثيوبي، ويوسف الوابل، والوليد بن سيف النصر، وحمد التويجري، دار الراية للنشر والتوزيع، الرياض.
(٢) وقد سردها ﵀ في كتابه الشريعة (٢/ ٦٢١ - ٦٣١).
(٣) الشريعة للآجري (٢/ ٦١٨).
[ ١٠٨ ]
الدليل الخامس: قَالَ أَبَو هُرَيْرَةَ -﵁-: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، فَمَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، فَقَدْ عَصَمَ مِنِّي نَفْسَهُ وَمَالَهُ، إِلَّا بِحَقِّهِ وَحِسَابُهُ عَلَى اللَّهِ» (^١).
قال الآجري ﵀ في تعليقه على هذا الحديث: "فهذا الإيمان باللسان نطقا فرضًا واجبًا، وأما الإيمان بما فرض على الجوارح تصديقًا بما آمن به القلب ونطق به اللسان فقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا﴾ إلى قوله: ﴿تُفْلِحُونَ﴾ [الحج: ٧٧]، وقال تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣]، في غير موضع من القرآن" (^٢).
والأدلة في إثبات أن الإيمان قول وعمل كثيرة جدًّا، وليس من مقصود الدراسة التفصيل في ذلك (^٣).