يقول الإمام البخاري ﵀: "كتبتُ عن ألف نفر من العلماء وزيادة، ولم أكتب إلا عمن قال: الإيمان قول وعمل، ولم أكتب عمن قال: الإيمان قول" (^٤).
وقد نقل الحافظ ابن عبد البر (^٥) ﵀ الإجماع على ذلك، فقال: "أجمع أهل
_________________
(١) أخرجه البخاري في كتاب الجهاد والسير، باب دعاء النبي -ﷺ- الناس إلى الإسلام (٤/ ٤٨) ح (٢٩٤٦)، وأخرجه مسلم في كتاب الإيمان، باب الأمر بقتال الناس حتى يقولوا لا اله إلا الله (١/ ٥٢) ح (٢١).
(٢) الشريعة للآجري (٢/ ٦١٣).
(٣) ينظر في هذه الأدلة في الإبانة الكبرى لابن بطة (٧٦٠ - ٨٠٨)، شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة (٤/ ٩١١ - ٩١٢).
(٤) سبق نقله عن الإمام البخاري ص (١٠٢).
(٥) الإمام، العلامة، حافظ المغرب، شيخ الإسلام، أبو عمر يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر النمري، الأندلسي، القرطبي، المالكي، صاحب التصانيف الفائقة، وكان إمامًا دينًا، ثقة، متقنًا، علامة، متبحرًا، صاحب سنة واتباع، وكان في أصول الديانة على مذهب السلف، لم يدخل في علم الكلام، بل قفا آثار مشايخه ﵏. له من المؤلفات الكثير منها: التمهيد، والاستذكار، والاستيعاب، وغيرها، وتوفي ﵀ في سنة (٤٦٣ هـ). ينظر: وفيات الأعيان (٧/ ٦٦)، سير أعلام النبلاء (١٨/ ١٥٣)، موسوعة مواقف السلف (٦/ ٢٦٧).
[ ١٠٩ ]
الفقه والحديث على أن الإيمان قول وعمل" (^١).
وورد عنهم أيضًا قولهم: الإيمان قول وعمل، يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية.
ونقل اللالكائي هذا القول عن الكثير من السلف، ومنهم: "أبو محمد عبد الرحمن بن أبي حاتم (^٢) قال: سألت أبي (^٣) وأبا زرعة (^٤) عن مذاهب أهل السنة في
_________________
(١) التمهيد (٩/ ٢٣٨) لابن عبد البر، ت: مصطفى بن أحمد العلوي، محمد عبد الكبير البكري، وزارة عموم الأوقاف والشؤون الإسلامية المغرب، ١٣٨٧ هـ.
(٢) عبد الرحمن بن محمد بن إدريس الحنظلي ابن أبي حاتم الحافظ الكبير ابن الحافظ الكبير، وكان من العبادة والزهادة والورع والحفظ والكرامات الكثيرة المشهورة على جانب كبير، له من المؤلفات: الجرح والتعديل، وهو من أجل الكتب المصنفة في هذا الشأن، وله التفسير الحافل الذي اشتمل على النقل الكامل، الذي يربي فيه على تفسير ابن جرير وغيره من المفسرين، وله كتاب الرد على الجهمية، وغير ذلك من المصنفات النافعة، وتوفي ﵀ سنة (٣٢٧ هـ). ينظر: البداية والنهاية (١٥/ ١١٣)، سير أعلام النبلاء (١٣/ ٢٦٣)، موسوعة مواقف السلف (٥/ ١٢١).
(٣) الإمام، الحافظ، الناقد، شيخ المحدثين، أبو حاتم الرازي محمد بن إدريس بن المنذر الحنظلي الغطفاني، كان أحد الأئمة الحفاظ الأثبات، مشهورًا بالعلم، مذكورًا بالفضل، بحر من بحور العلم، طوف البلاد، وبرع في المتن والإسناد، وجمع وصنف، وجرح وعدل، وصحح وعلل، وتوفي ﵀ سنة (٢٧٧ هـ). ينظر: تاريخ بغداد (٢/ ٤١٤)، سير أعلام النبلاء (١٣/ ٢٤٧)، تهذيب التهذيب (٩/ ٣١) لابن حجر، مطبعة دائرة المعارف النظامية الهند، ط ١، ١٣٢٦ هـ.
(٤) الإمام، سيد الحفاظ، عبيد الله بن عبد الكريم بن يزيد بن فروخ: محدث الري، وكان إمامًا ربانيًّا، متقنًا، حافظًا، مكثرًا صادقًا، وكان من أكثر الناس تواضعًا، وقال عنه ابن حبان: وكان أحد أئمة الدنيا في الحديث مع الدين والورع والمواظبة على الحفظ والمذاكرة وترك الدنيا وما فيه الناس، وتوفي ﵀ سنة (٢٦٤ هـ). ينظر: الثقات لابن حبان (٨/ ٤٠٧) طبع بإعانة: وزارة المعارف للحكومة العالية الهندية، تحت مراقبة: الدكتور محمد عبد المعيد خان مدير دائرة المعارف العثمانية، دائرة المعارف العثمانية بحيدر آباد الدكن، الهند، ط ١، ١٣٩٣ هـ، تاريخ بغداد (١٢/ ٣٣)، سير أعلام النبلاء (١٣/ ٦٥).
[ ١١٠ ]
أصول الدين، وما أدركا عليه العلماء في جميع الأمصار، وما يعتقدان من ذلك، فقالا: "أدركنا العلماء في جميع الأمصار حجازًا وعراقًا وشامًا ويمنًا، فكان من مذهبهم: الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص" (^١).
ومنهم من يقول: الإيمان قول وعمل ونية.
قال الشافعي ﵀: "وكان الإجماع من الصحابة والتابعين من بعدهم ممن أدركناهم أن الإيمان قول وعمل ونية، لا يجزئ واحد من الثلاثة إلا بالآخر" (^٢).
ومنهم من يقول: اعتقاد بالقلب وقول باللسان وعمل بالجوارح، يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية (^٣).
وهذه العبارات معناها عند السلف واحد، فهي تدل على حقيقة الإيمان وماهيّته الظاهرة والباطنة (^٤).
وذكر شيخ الإسلام ﵀ تنوع أقوال السلف في تفسير الإيمان، وقال: إنها كلها صحيحة (^٥).
ثم ذكر خلاصة مهمَّة في سبب ذلك التنوع، وبين أن المقصود منها الرد على
_________________
(١) شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة (١/ ١٩٨).
(٢) نقله اللالكائي عن كتاب الأم في شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة (٥/ ٩٥٦)، ونقله كذلك شيخ الإسلام ابن تيمية في مجموع الفتاوى (٧/ ٢٠٩)، ولم أجده في كتاب الأم المطبوع.
(٣) ينظر: الشريعة للآجري (٢/ ٦١١)، الإبانة الكبرى لابن بطة (٢/ ٧٦٠).
(٤) ينظر: الخراسانية في شرح عقيدة الرازيين (٧٠) لعبد العزيز الطريفي، مكتبة دار المنهاج الرياض، ط ١، ١٤٣٧ هـ.
(٥) ينظر: مجموع الفتاوى (٧/ ١٧٠).
[ ١١١ ]
المرجئة، فيقول ﵀: "والمقصود هنا أن من قال من السلف: الإيمان قول وعمل أراد قول القلب واللسان وعمل القلب والجوارح، ومن أراد الاعتقاد رأى أن لفظ القول لا يفهم منه إلا القول الظاهر، أو خاف ذلك فزاد الاعتقاد بالقلب، ومن قال: قول وعمل ونية قال: القول يتناول الاعتقاد وقول اللسان، وأما العمل فقد لا يفهم منه النية، فزاد ذلك، ومن زاد اتباع السنة؛ فلأن ذلك كله لا يكون محبوبًا لله إلا باتباع السنة. وأولئك لم يريدوا كل قول وعمل، إنما أرادوا ما كان مشروعًا من الأقوال والأعمال، ولكن كان مقصودهم الرد على المرجئة الذين جعلوه قولًا فقط، فقالوا: بل هو قول وعمل. والذين جعلوه أربعة أقسام، فسروا مرادهم كما سئل سهل بن عبد الله التستري (^١) عن الإيمان: ما هو؟ فقال: قول وعمل ونية وسنة؛ لأن الإيمان إذا كان قولًا بلا عمل فهو كفر، وإذا كان قولًا وعملًا بلا نية فهو نفاق، وإذا كان قولًا وعملًا ونية بلا سنة فهو بدعة (^٢) " (^٣).