ومن الأمور التي تدل على تأثير عمل القلب مسألة زيادة الإيمان ونقصانه، فكلما قوي عمل القلب زاد الإيمان، وإذا ضعف عمل القلب نقص الإيمان، ولا ينفي هذا أثر أعمال الجوارح في زيادة الإيمان ونقصانه؛ لارتباط الظاهر بالباطن.
ولقد توافرت الأدلة على إثبات زيادة الإيمان ونقصانه، ومنها:
_________________
(١) مجموع الفتاوى (٧/ ٦٧٢).
(٢) مجموع الفتاوى (٧/ ٦٧٢).
(٣) معارج القبول (٢/ ٥٨٩).
[ ١١٣ ]
الدليل الأول: قوله: ﴿وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾ [الأنفال: ٢].
وفي الآية إثبات صريح أن المؤمنين إذا تُلِيت عليهم آيات الكتاب العزيز زاد إيمانهم، وذلك بسبب -كما قال السعدي ﵀-: "أنهم يلقون له السمع، ويحضرون قلوبهم لتدبره، فعند ذلك يزيد إيمانهم؛ لأن التدبر من أعمال القلوب، ولأنه لا بد أن يبيِّن لهم معنى كانوا يجهلونه، أو يتذكَّرون ما كانوا نَسوه، أو يُحدِث في قلوبهم رغبةً في الخير، واشتياقًا إلى كرامة ربهم، أو وجلًا من العقوبات، وازدجارًا عن المعاصي، وكل هذا مما يزداد به الإيمان" (^١).
الدليل الثاني: قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ [آل عمران: ١٧٣].
قيل للإمام سفيان بن عيينة (^٢) ﵀: الإيمان يزيد وينقص؟ قال: "أليس تقرءون القرآن: ﴿فَزَادَهُمْ إِيمَانًا﴾ في غير موضع؟!، قيل: ينقص؟ قال: "ليس شيء يزيد إلا وهو ينقص" (^٣).
الدليل الثالث: قوله تعالى: ﴿وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى﴾ [مريم: ٧٦].
قال العلامة السعدي ﵀: "وفي هذا دليل على زيادة الإيمان ونقصه، كما
_________________
(١) تفسير السعدي (٣١٥).
(٢) الإمام الكبير، حافظ العصر، شيخ الإسلام سفيان بن عيينة بن أبي عمران ميمون الهلالي، طلب الحديث وهو حدث، بل غلام، ولقي الكبار، وحمل عنهم علمًا جمًّا، وأتقن، وجود، وجمع، وصنف، وعمر دهرًا، وازدحم الخلق عليه، وانتهى إليه علو الإسناد، ورحل إليه من البلاد. قال الخطيب البغدادي عنه: فأما سفيان فكان له في العلم قدر كبير، ومحل خطير، أدرك نيفًا وثمانين نفسًا من التابعين، وتوفي ﵀ سنة (١٩٨ هـ). ينظر: تاريخ بغداد (١٠/ ٢٤٤)، سير أعلام النبلاء (٨/ ٤٥٤)، الأعلام (٣/ ١٠٥).
(٣) الشريعة للآجري (٢/ ٦٠٥)، الإبانة الكبرى لابن بطة (٢/ ٨٥٠).
[ ١١٤ ]
قاله السلف الصالح" (^١).
الدليل الرابع: قَالَ أَبُو سَعِيدٍ الخدري -﵁-: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- يَقُولُ: «مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ، وَذَلِكَ أَضْعَفُ الْإِيمَانِ» (^٢).
دل الحديث على أن الإيمان يزيد وينقص من جهة كونه فيه تفاضل بين ما هو أقوى وأضعف، فالدرجة الأولى من إنكار المنكر تدل على زيادة الإيمان، وتليها الثانية، والدرجة الثالثة تدل على ضعف الإيمان ونقصه، والله أعلم.
الدليل الخامس: حديث الشفاعة الطويل، وفيه قوله -ﷺ-: "فَيَأْتُونِي، فَأَقُولُ: أَنَا لَهَا، فَأَسْتَأْذِنُ عَلَى رَبِّي، فَيُؤْذَنُ لِي، وَيُلْهِمُنِي مَحَامِدَ أَحْمَدُهُ بِهَا لَا تَحْضُرُنِي الآنَ، فَأَحْمَدُهُ بِتِلْكَ المَحَامِدِ، وَأَخِرُّ لَهُ سَاجِدًا، فَيَقُولُ: يَا مُحَمَّدُ، ارْفَعْ رَأْسَكَ، وَقُلْ يُسْمَعْ لَكَ، وَسَلْ تُعْطَ، وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ، فَأَقُولُ: يَا رَبِّ، أُمَّتِي أُمَّتِي، فَيَقُولُ: انْطَلِقْ فَأَخْرِجْ مِنْهَا مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ شَعِيرَةٍ مِنْ إِيمَانٍ، فَأَنْطَلِقُ فَأَفْعَلُ، ثُمَّ أَعُودُ، فَأَحْمَدُهُ بِتِلْكَ المَحَامِدِ، ثُمَّ أَخِرُّ لَهُ سَاجِدًا، فَيُقَالُ: يَا مُحَمَّدُ، ارْفَعْ رَأْسَكَ، وَقُلْ يُسْمَعْ لَكَ، وَسَلْ تُعْطَ، وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ، فَأَقُولُ: يَا رَبِّ، أُمَّتِي أُمَّتِي، فَيَقُولُ: انْطَلِقْ فَأَخْرِجْ مِنْهَا مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ -أَوْ: خَرْدَلَةٍ- مِنْ إِيمَانٍ فَأَخْرِجْهُ، فَأَنْطَلِقُ، فَأَفْعَلُ، ثُمَّ أَعُودُ فَأَحْمَدُهُ بِتِلْكَ المَحَامِدِ، ثُمَّ أَخِرُّ لَهُ سَاجِدًا، فَيَقُولُ: يَا مُحَمَّدُ، ارْفَعْ رَأْسَكَ، وَقُلْ يُسْمَعْ لَكَ، وَسَلْ تُعْطَ، وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ، فَأَقُولُ: يَا رَبِّ أُمَّتِي أُمَّتِي، فَيَقُولُ: انْطَلِقْ فَأَخْرِجْ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ أَدْنَى أَدْنَى أَدْنَى مِثْقَالِ حَبَّةِ خَرْدَلٍ مِنْ إِيمَانٍ، فَأَخْرِجْهُ مِنَ النَّارِ، فَأَنْطَلِقُ فَأَفْعَلُ" (^٣).
_________________
(١) تفسير السعدي (٤٩٩).
(٢) أخرجه مسلم في كتاب التوحيد، باب بيان كون النهي عن المنكر من الإيمان، وأن الإيمان يزيد وينقص، (١/ ٦٩) ح (٤٩).
(٣) أخرجه البخاري في كتاب التوحيد، باب كلام الرب -﷿- يوم القيامة مع الأنبياء وغيرهم (٩/ ١٤٧) ح (٧٥١٠)، ومسلم في كتاب الإيمان، باب أدنى أهل الجنة منزلة فيها (١/ ١٨٢) ح (١٩٣).
[ ١١٥ ]
وقال الإمام النووي ﵀ في شرحه على مسلم: "وقوله -ﷺ-: «أدنى أدنى أدنى» هكذا هو في الأصول مكرر ثلاث مرات، وفي هذا الحديث دلالة لمذهب السلف وأهل السنة ومن وافقهم من المتكلمين في أن الإيمان يزيد وينقص، ونظائره في الكتاب والسنة كثيرة" (^١).
وقال الإمام ابن القيم ﵀: "ومذهب أهل السنة والجماعة: أن الإيمان يزيد وينقص" (^٢).
وقد أجمع أئمة السلف على أن الإيمان يزيد وينقص (^٣).
_________________
(١) شرح مسلم للنووي (٣/ ٦٣).
(٢) إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان (٢/ ١٨٢).
(٣) وممن ذكر الإجماع ابن بطة في الإبانة الكبرى (٢/ ٨٣٢)، وابن عبد البر في التمهيد (٩/ ٢٣٨)، والبغوي في شرح السنة (١/ ٣٨ - ٣٩) لأبي محمد الفراء البغوي، ت: شعيب الأرناؤوط، المكتب الإسلامي دمشق بيروت، ط ٢، ١٤٠٣ هـ، وابن تيمية في مجموع الفتاوى (٧/ ٦٧٢)، وابن كثير في تفسيره (١/ ١٦٥).
[ ١١٦ ]