أولًا: ورد في القرآن الكريم آيات كثيرة في إثبات أثر عمل القلب وتأثره بما يعمل صاحبه، فقد ذكر الله -﷾- أن قلوب المؤمنين يصيبها الوجل، وتطمئن بذكره، وأنها تخشع وتخضع لأمره، وذكر -﷾- كذلك أثر عمل القلب في نزول السكينة على المؤمن في وقت الشدائد، والثبات على الحق، والنصر على الأعداء، وأثر عمل القلب على كلمة التوحيد، والنصوص في ذلك كثيرة، ودونك أمثلة على ذلك:
١ - وجل القلب وخوفه من الله، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ الآية [الأنفال: ٢]. وفيها إثبات أثر ذكر الله على القلب بحصول الوَجَل، ومعناه: الخوف من الله (^٢)، ولا شك أن الذكر لا يحدث أثره في حصول وجل القلب من الله تعالى إلا إذا تواطأ القلب مع الحواس.
٢ - طمأنينة القلب، قال تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد: ٢٨]، دلت الآية على أثر ذكر الله على قلب المؤمن، فهو يأنس ويطيب ويسكن بذكر الله تعالى (^٣).
_________________
(١) ينظر: ظاهرة الإرجاء في الفكر الإسلامي (٤٣٧ - ٤٤٠) للدكتور سفر الحوالي، دار الحسن البصري، ط ١، ١٤٣٨ هـ.
(٢) ينظر: تفسير ابن كثير (٥/ ٤٢٥).
(٣) ينظر: تفسير الطبري (١٦/ ٤٣٢) لمحمد بن جرير الطبري، ت: د. عبد الله بن عبد المحسن التركي، دار هجر للطباعة، ط ١، ١٤٢٢ هـ.
[ ٨٥ ]
ذكر ابن القيم ﵀ في بيان المقصود بقوله تعالى: ﴿بِذِكْرِ اللَّهِ﴾ قولين:
"أحدهما: أنه ذكر العبد ربه، فإنه يطمئن إليه قلبه ويسكن، فإذا اضطرب القلب وقلق فليس له ما يطمئن به سوى ذكر الله …
والقول الثاني: أن ذكر الله هاهنا القرآن، وهو ذكره الذي أنزله على رسوله، به طمأنينة قلوب المؤمنين، فإن القلب لا يطمئن إلا بالإيمان واليقين، ولا سبيل إلى حصول الإيمان واليقين إلا من القرآن، فإن سكون القلب وطمأنينته من يقينه، واضطرابه وقلقه من شكه، والقرآن هو المحصل لليقين، الدافع للشكوك والظنون والأوهام، فلا تطمئن قلوب المؤمنين إلا به. وهذا القول هو المختار" (^١).
ولا شك أن أعظم ما يطمئن به القلب القرآن العظيم، ثم يليه ما ورد في السنة من أذكار.
٣ - تثبيت الله للقلوب المؤمنة على الحق عند الشدائد، قال تعالى: ﴿وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَنْ نَدْعُوَ مِنْ دُونِهِ إِلَهًا لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا﴾ [الكهف: ١٤]، وفي الآية بيان لأثر تثبيت الله لقلوب أصحاب الكهف على الحق، حيث ربط الله -﷾- على قلوبهم، بمعنى: ثبتهم وصبرهم، وجعل قلوبهم مطمئنة في تلك الحال المزعجة، وهذا منّة منه -﷾- ولطف بهم ورحمة، حيث ثبتهم وصبرهم على فراق قومهم، ومفارقة ما كانوا فيه من رغد العيش وكثرة النعم (^٢)، وهكذا تكون القلوب إذا اتصلت بالله وقربت منه، يذيقها الله في الدنيا جنة
_________________
(١) مدارج السالكين (٢/ ٤٨٠) لابن القيم، ت: محمد المعتصم بالله البغدادي، دار الكتاب العربي بيروت، ط ٣، ١٤١٦ هـ.
(٢) ينظر: تفسير ابن كثير (٥/ ١٤٠)، تفسير السعدي (٤٧١).
[ ٨٦ ]
معجلة قبل جنة الآخرة، تغنيها عن لذائذ الدنيا ومتعها، وسيأتي الإشارة إلى ذلك في أثناء البحث.
٤ - إخبات القلب، قال تعالى: ﴿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ﴾ [الحج: ٥٤]، أثبت -﷾- للقلوب صفة الإخبات، وهو من أعمال القلوب ومعناه: "تخشع وتخضع، وتسلّم لحكمته، وهذا من هدايته إياهم" (^١).
والإخبات له أثره على العبد المؤمن في صلاحه واستقامته، كما قال تعالى: ﴿وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ (٣٤) الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَالصَّابِرِينَ عَلَى مَا أَصَابَهُمْ وَالْمُقِيمِي الصَّلَاةِ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ [الحج: ٣٤، ٣٥].
وفي الآيتين دليل على أثر الإخبات -وهو عمل قلبي عظيم- في حصول الأمور الآتية:
- وجل القلب وخوفه من الله عند ذكره.
- الصبر على المصائب.
- إقامة الصلاة.
- الإنفاق في وجوه البر.
وهذا يدل على الأثر العظيم للإخبات في حياة العبد المؤمن.
٥ - نزول السكينة على القلب، قال تعالى: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا﴾ [الفتح: ١٨].
أي: علم -﷾- ما في قلوبهم من الإيمان والوفاء والصدق والسمع والطاعة، فأنزل في
_________________
(١) تفسير السعدي (٥٤٢).
[ ٨٧ ]