إن مما يدل على المكانة العظيمة لأعمال القلوب كثرة ورودها في السنة بالحديث عن القلب وما يتعلق به من أعمال قلبية يحبها الله أو يبغضها، ونظرًا لكثرة الأحاديث في ذلك فإني أكتفي بذكر طرف منها، مع الإشارة إلى بيان الأهمية، والله الموفق والمعين: …
١ - إن من الدلائل العظيمة على مكانة عمل القلب أن صلاح الجوارح أو فسادها مرتبطٌ بصلاح القلب أو فساده:
يقول -ﷺ-: «أَلَا وَإِنَّ فِي الجَسَدِ مُضْغَةً؛ إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الجَسَدُ كُلُّهُ، أَلَا وَهِيَ القَلْبُ».
٢ - ويكفي في الدلالة على أهمية عمل القلوب أنها موطن نظر الرب -﷾-:
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: «إِنَّ اللهَ لَا يَنْظُرُ إِلَى صُوَرِكُمْ وَأَمْوَالِكُمْ، وَلَكِنْ يَنْظُرُ إِلَى قُلُوبِكُمْ وَأَعْمَالِكُمْ» (^٢).
٣ - إكثار النبي -ﷺ- من الدعاء بتثبيت القلوب على الدين يدل على كثرة
_________________
(١) تفسير ابن جرير (١٤/ ١٩٧).
(٢) أخرجه مسلم في كتاب البر والصلة والآداب، باب تحريم ظلم المسلم وخذله واحتقاره، ودمه وعرضه وماله (٤/ ١٩٨٧) ح (٢٥٦٤).
[ ٧٤ ]
تقلبها بسبب كثرة أمراضها، وهذا يجعل المؤمن مهتمًّا بالإكثار من هذا الدعاء؛ لخوفه على قلبه من التقلب، فعَنْ أَنَسٍ -﵁- قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يُكْثِرُ أَنْ يَقُولَ: «يَا مُقَلِّبَ القُلُوبِ، ثَبِّتْ قَلْبِي عَلَى دِينِكَ»، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، آمَنَّا بِكَ وَبِمَا جِئْتَ بِهِ، فَهَلْ تَخَافُ عَلَيْنَا؟! قَالَ: «نَعَمْ، إِنَّ القُلُوبَ بَيْنَ أُصْبُعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ اللَّهِ، يُقَلِّبُهَا كَيْفَ يَشَاءُ» (^١).
٤ - ومما يدل على أهمية عمل القلب أن أحد شرطي (^٢) قبول العمل إخلاص العبد لله رب العالمين: عَنْ أَبِي أُمَامَةَ الْبَاهِلِيِّ -﵁- قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ -ﷺ- فَقَالَ: أَرَأَيْتَ رَجُلًا غَزَا يَلْتَمِسُ الْأَجْرَ وَالذِّكْرَ مَا لَهُ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «لَا شَيْءَ لَهُ»، فَأَعَادَهَا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، يَقُولُ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «لَا شَيْءَ لَهُ»، ثُمَّ قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ لَا يَقْبَلُ مِنَ الْعَمَلِ إِلَّا مَا كَانَ لَهُ خَالِصًا، وَابْتُغِيَ بِهِ وَجْهُهُ» (^٣).
_________________
(١) أخرجه أحمد في المسند (١٩/ ١٦٠) ح (١٢١٠٧)، والترمذي في أبواب القدر، باب ما جاء أن القلوب بين أصبعي الرحمن (٤/ ٤٤٨) ح (٢١٤٠) وقال الترمذي: "هذا حديث حسن"، وابن ماجه في كتاب الدعاء، باب دعاء رسول الله -ﷺ- (٢/ ١٢٦٠) ح (٣٨٣٤)، والحاكم في المستدرك عن جابر بن عبد الله ﵄ في كتاب التفسير، ومن سورة آل عمران (٢/ ٣١٧) ح (٣١٤٠)، وصححه على شرط مسلم، ووافقه الذهبي، وصححه الألباني في مشكاة المصابيح (١/ ٣٧) ح (١٠٢) للخطيب التبريزي، ت: محمد ناصر الدين الألباني، المكتب الإسلامي بيروت، ط ٣، ١٩٨٥ م، وقال شعيب الأرناؤوط في تحقيقه للمسند (١٩/ ١٦٠) ح (١٢١٠٧): "إسناده قوي على شرط مسلم".
(٢) لا يقبل العمل إلا بشرطين: الإخلاص، ومتابعة النبي -ﷺ-.
(٣) أخرجه النسائي في كتاب الجهاد، باب من غزا يلتمس الأجر والذكر (٦/ ٢٥) ح (٣١٤٠)، وجوَّد إسناده ابن حجر في الفتح (٦/ ٢٨) دار المعرفة بيروت، ١٣٧٩ هـ، رقم كتبه وأبوابه وأحاديثه: محمد فؤاد عبد الباقي، قام بإخراجه وصححه وأشرف على طبعه: محب الدين الخطيب، عليه تعليقات العلامة: عبد العزيز بن عبد الله بن باز، وحسنه الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة (١/ ١١٨) ح (٥٢) مكتبة المعارف للنشر والتوزيع، الرياض، الطبعة: الأولى، وقال في صحيح سنن النسائي، مكتبة المعارف الرياض، ط ١، ١٤١٩ هـ، (٢/ ٣٨٣ - ٣٨٤) ح (٣١٤٠): "حسن صحيح".
[ ٧٥ ]
٥ - ودل على مكانة عمل القلب أن شروط لا إله إلا الله ارتبطت بأعمال القلوب، وهي لا تنفع قائلها في الآخرة إلا إذا حقق هذه الشروط، وهذه إشارة إلى ذلك:
أ) شهادة التوحيد مع إخلاص القلب بها سبب لشفاعة النبي -ﷺ-: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -﵁- أَنَّهُ قَالَ: قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَنْ أَسْعَدُ النَّاسِ بِشَفَاعَتِكَ يَوْمَ القِيَامَةِ؟ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «لَقَدْ ظَنَنْتُ -يَا أَبَا هُرَيْرَةَ- أَنْ لَا يَسْأَلنِي عَنْ هَذَا الحَدِيثِ أَحَدٌ أَوَّل مِنْكَ؛ لِمَا رَأَيْتُ مِنْ حِرْصِكَ عَلَى الحَدِيثِ، أَسْعَدُ النَّاسِ بِشَفَاعَتِي يَوْمَ القِيَامَةِ مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ خَالِصًا مِنْ قَلْبِهِ»، أَوْ: «نَفْسِهِ».
ب) شهادة التوحيد مع يقين القلب بها سبب للبشارة بالجنة: من حديث أبي هريرة -﵁-: قال رسول الله -ﷺ-: «فَمَنْ لَقِيتَ مِنْ وَرَاءِ هَذَا الْحَائِطَ يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ مُسْتَيْقِنًا بِهَا قَلْبُهُ فَبَشِّرْهُ بِالْجَنَّةِ» (^١).
ج) شهادة التوحيد مع علم القلب بمعناها ومقتضاها ولوازمها وصدقه فيها سبب لدخول الجنة: فعَنْ عُثْمَانَ بنِ عفَّانَ -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: «مَنْ مَاتَ وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ دَخَلَ الْجَنَّةَ» (^٢)، وقَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: «مَنْ مَاتَ وَهُوَ يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ صَادِقًا مِنْ قَلْبِهِ دَخَلَ الْجَنَّةَ» (^٣).
_________________
(١) أخرجه مسلم في كتاب الإيمان، باب من لقي الله بالإيمان وهو غير شاك فيه دخل الجنة وحرم على النار (١/ ٦٠) ح (٣١)، من حديث أبي هريرة -﵁-.
(٢) أخرجه مسلم في كتاب الإيمان، باب من لقي الله بالإيمان وهو غير شاك فيه دخل الجنة وحرم على النار (١/ ٥٥) ح (٢٦)، من حديث عثمان -﵁-.
(٣) أخرجه أحمد (٣٦/ ٣٢٩) ح (٢٢٠٠٣)، من حديث أنس ومعاذ ﵄، قال محقق المسند شعيب الأرناؤوط (٣٦/ ٣٢٩) ح (٢٢٠٠٣): "إسناده صحيح على شرط الشيخين"، شعب الإيمان (١/ ٩٧) ح (٧)، مسند أبي يعلى الموصلي (٦/ ١٠) ح (٣٢٢٨) ت: حسين سليم أسد، دار المأمون للتراث دمشق، ط ١، ١٤٠٤ هـ، وقال محققه (٦/ ١٠) ح (٣٢٢٨): "إسناده صحيح".
[ ٧٦ ]
٦ - وكذلك يدل على عظم عمل القلب أن السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله، سبب حصولهم على ذلك ما وقر في قلوبهم من أعمال قلبية عظيمة، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -﵁-، عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- قَالَ: «سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللَّهُ فِي ظِلِّهِ يَوْمَ لَا ظِلَّ إِلَّا ظِلُّهُ: الإِمَامُ العَادِلُ، وَشَابٌّ نَشَأَ فِي عِبَادَةِ رَبِّهِ، وَرَجُلٌ قَلْبُهُ مُعَلَّقٌ فِي المَسَاجِدِ، وَرَجُلَانِ تَحَابَّا فِي اللَّهِ اجْتَمَعَا عَلَيْهِ وَتَفَرَّقَا عَلَيْهِ، وَرَجُلٌ طَلَبَتْهُ امْرَأَةٌ ذَاتُ مَنْصِبٍ وَجَمَالٍ، فَقَالَ: إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ، وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ أَخْفَى حَتَّى لَا تَعْلَمَ شِمَالُهُ مَا تُنْفِقُ يَمِينُهُ، وَرَجُلٌ ذَكَرَ اللَّهَ خَالِيًا فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ» (^١).
٧ - وتبرز مكانة عمل القلب وأثره في الحياة أن السعادة مرتبطة بتعلق القلب بالآخرة، فمن جعل همه الآخرة، وسعى لها سعيها وهو مؤمن، رزقه الله السعادة بالقناعة والرضا بما قسم الله له، وفتح له أبواب الرزق والبركة من حيث لا يحتسب، ومن جعل همه الدنيا ضاقت عليه الدنيا، وتشعبت همومه في أوديتها، وسيطر على قلبه الطمع في الدنيا، ونزع الله البركة منه: فعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «مَنْ كَانَتِ الآخِرَةُ هَمَّهُ جَعَلَ اللَّهُ غِنَاهُ فِي قَلْبِهِ، وَجَمَعَ لَهُ شَمْلَهُ، وَأَتَتْهُ الدُّنْيَا وَهِيَ رَاغِمَةٌ، وَمَنْ كَانَتِ الدُّنْيَا هَمَّهُ جَعَلَ اللَّهُ فَقْرَهُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ، وَفَرَّقَ عَلَيْهِ شَمْلَهُ، وَلَمْ يَأْتِهِ مِنَ الدُّنْيَا إِلَّا مَا قُدِّرَ لَهُ» (^٢).
_________________
(١) أخرجه البخاري واللفظ له في كتاب الأذان، باب من جلس في المسجد ينتظر الصلاة وفضل المساجد (١/ ١٣٣) ح (٦٦٠)، ومسلم في كتاب الزكاة، باب فضل إخفاء الصدقة (٢/ ٧١٥) ح (١٠٣١).
(٢) أخرجه الترمذي في أبواب صفة القيامة والرقائق والورع، باب .. (٤/ ٦٤٢) ح (٢٤٦٥)، وأخرجه الطبراني في المعجم الكبير (١١/ ٢٦٦) ح (١١٦٩٠) ت: حمدي بن عبد المجيد السلفي، مكتبة ابن تيمية القاهرة، ط ٢، ويشمل القطعة التي نشرها لاحقا المحقق الشيخ حمدي السلفي من المجلد ١٣، دار الصميعي الرياض، ط ١، ١٤١٥ هـ، وذكره الألباني في السلسة الصحيحة (٢/ ٦٣٣) ح (٩٤٩)، وصححه في صحيح الجامع (٢/ ١١٠٩) ح (٦٥٠٥). وأخرجه ابن ماجه بلفظ: «مَنْ كَانَتِ الدُّنْيَا هَمَّهُ فَرَّقَ اللَّهُ عَلَيْهِ أَمْرَهُ، وَجَعَلَ فَقْرَهُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ، وَلَمْ يَأْتِهِ مِنَ الدُّنْيَا إِلَّا مَا كُتِبَ لَهُ، وَمَنْ كَانَتِ الْآخِرَةُ نِيَّتَهُ جَمَعَ اللَّهُ لَهُ أَمْرَهُ، وَجَعَلَ غِنَاهُ فِي قَلْبِهِ، وَأَتَتْهُ الدُّنْيَا وَهِيَ رَاغِمَةٌ» من حديث زيد بن ثابت -﵁- في كتاب الزهد، باب الهم بالدنيا (٢/ ١٣٧٥) ح (٤١٠٥)، وصححه الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة (٢/ ٦٣٤) ح (٩٥٠)، وصححه شعيب الأرناؤوط في تحقيقه لسنن ابن ماجه (٥/ ٢٢٧) ح (٤١٠٥).
[ ٧٧ ]
٨ - ومما يدل على مكانة عمل القلب أن حلاوة الإيمان ولذته وطعمه مرتبطة بتحقيق أعمال القلوب: عَنْ أَنَسٍ -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ حَلَاوَةَ الإِيمَانِ: أَنْ يَكُونَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا، وَأَنْ يُحِبَّ المَرْءَ لَا يُحِبُّهُ إِلَّا لِلَّهِ، وَأَنْ يَكْرَهَ أَنْ يَعُودَ فِي الكُفْرِ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُقْذَفَ فِي النَّارِ» (^١)، ويَقُولُ -ﷺ-: «ذَاقَ طَعْمَ الْإِيمَانِ مَنْ رَضِيَ بِاللهِ رَبًّا، وَبِالْإِسْلَامِ دِينًا، وَبِمُحَمَّدٍ رَسُولًا» (^٢).
٩ - ومما يشعر بأهمية عمل القلب وأثره العظيم أن الله جعل موطن التقوى في القلوب، وجعل أسبابها في عمله: فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: «التَّقْوَى هَاهُنَا» وَيُشِيرُ إِلَى صَدْرِهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ .. الحديث.
١٠ - ودل على مكانة عمل القلب مدحُ النبي -ﷺ- لأهل اليمن وثناؤه عليهم برقة القلوب ولينها، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -﵁-، عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ-: «أَتَاكُمْ أَهْلُ اليَمَنِ، هُمْ أَرَقُّ أَفْئِدَةً وَأَلْيَنُ قُلُوبًا، الإِيمَانُ يَمَانٍ وَالحِكْمَةُ يَمَانِيَةٌ،
_________________
(١) أخرجه البخاري في كتاب الإكراه، باب من اختار الضرب والقتل والهوان على الكفر (٩/ ٢٠) ح (٦٩٤١)، ومسلم في كتاب الإيمان، باب بيان خصال من اتصف بهن وجد حلاوة الإيمان (١/ ٦٦) ح (٤٣).
(٢) أخرجه مسلم في كتاب الإيمان، باب ذاق طعم الإيمان من رضي بالله ربًّا (١/ ٦٢) ح (٣٤)، من حديث العباس بن عبد المطلب -﵁-.
[ ٧٨ ]
وَالفَخْرُ وَالخُيَلَاءُ فِي أَصْحَابِ الإِبِلِ، وَالسَّكِينَةُ وَالوَقَارُ فِي أَهْلِ الغَنَمِ» (^١).
١١ - ويدلُّ على أهمية تنقية القلب من أسباب الشقاء أن النبي -ﷺ- شهد لرجل بالجنة، والسبب سلامة قلبه من الغش والحسد: فعن أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ -﵁- قَالَ: كُنَّا جُلُوسًا مَعَ رَسُولِ اللهِ -ﷺ- فَقَالَ: «يَطْلُعُ عَلَيْكُمُ الْآنَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ»، فَطَلَعَ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ، تَنْطِفُ لِحْيَتُهُ مِنْ وضُوئِهِ، قَدْ تَعَلَّقَ نَعْلَيْهِ فِي يَدِهِ الشِّمَالِ، فَلَمَّا كَانَ الْغَدُ قَالَ النَّبِيُّ -ﷺ- مِثْلَ ذَلِكَ، فَطَلَعَ ذَلِكَ الرَّجُلُ مِثْلَ الْمَرَّةِ الْأُولَى. فَلَمَّا كَانَ الْيَوْمُ الثَّالِثُ قَالَ النَّبِيُّ -ﷺ- مِثْلَ مَقَالَتِهِ أَيْضًا، فَطَلَعَ ذَلِكَ الرَّجُلُ عَلَى مِثْلِ حَالِهِ الْأُولَى، فَلَمَّا قَامَ النَّبِيُّ -ﷺ- تَبِعَهُ عَبْدُ اللهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ فَقَالَ: إِنِّي لَاحَيْتُ أَبِي فَأَقْسَمْتُ أَنْ لَا أَدْخُلَ عَلَيْهِ ثَلَاثًا، فَإِنْ رَأَيْتَ أَنْ تُؤْوِيَنِي إِلَيْكَ حَتَّى تَمْضِيَ فَعَلْتَ، قَالَ: نَعَمْ. قَالَ أَنَسٌ: وَكَانَ عَبْدُ اللهِ يُحَدِّثُ أَنَّهُ بَاتَ مَعَهُ تِلْكَ اللَّيَالِي الثَّلَاثَ، فَلَمْ يَرَهُ يَقُومُ مِنَ اللَّيْلِ شَيْئًا، غَيْرَ أَنَّهُ إِذَا تَعَارَّ وَتَقَلَّبَ عَلَى فِرَاشِهِ ذَكَرَ اللهَ -﷿- وَكَبَّرَ، حَتَّى يَقُومَ لِصَلَاةِ الْفَجْرِ. قَالَ عَبْدُ اللهِ: غَيْرَ أَنِّي لَمْ أَسْمَعْهُ يَقُولُ إِلَّا خَيْرًا، فَلَمَّا مَضَتِ الثَّلَاثُ لَيَالٍ وَكِدْتُ أَنْ أَحْقِرَ عَمَلَهُ، قُلْتُ: يَا عَبْدَ اللهِ، إِنِّي لَمْ يَكُنْ بَيْنِي وَبَيْنَ أَبِي غَضَبٌ وَلَا هَجْرٌ ثَمَّ، وَلَكِنْ سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- يَقُولُ لَكَ ثَلَاثَ مِرَارٍ: «يَطْلُعُ عَلَيْكُمُ الْآنَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ»، فَطَلَعْتَ أَنْتَ الثَّلَاثَ مِرَارٍ، فَأَرَدْتُ أَنْ آوِيَ إِلَيْكَ لِأَنْظُرَ مَا عَمَلُكَ، فَأَقْتَدِيَ بِهِ، فَلَمْ أَرَكَ تَعْمَلُ كَثِيرَ عَمَلٍ، فَمَا الَّذِي بَلَغَ بِكَ مَا قَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-، فَقَالَ: مَا هُوَ إِلَّا مَا رَأَيْتَ. قَالَ: فَلَمَّا وَلَّيْتُ دَعَانِي، فَقَالَ: مَا هُوَ إِلَّا مَا رَأَيْتَ، غَيْرَ أَنِّي لَا أَجِدُ فِي نَفْسِي لِأَحَدٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ غِشًّا، وَلَا أَحْسُدُ أَحَدًا عَلَى خَيْرٍ أَعْطَاهُ اللهُ
_________________
(١) أخرجه البخاري في كتاب المغازي، باب قدوم الأشعريين وأهل اليمن (٥/ ١٧٣) ح (٤٣٨٨).
[ ٧٩ ]
إِيَّاهُ. فَقَالَ عَبْدُ اللهِ: هَذِهِ الَّتِي بَلَغَتْ بِكَ، وَهِيَ الَّتِي لَا نُطِيقُ (^١).
١٢ - مما يدل على خطورة أعمال القلوب الفاسدة كالرياء والسمعة: أن أهلها أول من تسعر بهم النار، ولا ينفعهم ما قدموه من عمل:
دَخَلَ شُفيٌّ الأصبحي المَدِينَةَ، فَإِذَا هُوَ بِرَجُلٍ قَدْ اجْتَمَعَ عَلَيْهِ النَّاسُ، فَقَالَ: مَنْ هَذَا؟ فَقَالُوا: أَبُو هُرَيْرَةَ، قَالَ: فَدَنَوْتُ مِنْهُ حَتَّى قَعَدْتُ بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُوَ يُحَدِّثُ النَّاسَ، فَلَمَّا سَكَتَ وَخَلَا قُلْتُ لَهُ: أَسْأَلُكَ بِحَقٍّ، وَبِحَقٍّ لَمَا حَدَّثْتَنِي حَدِيثًا سَمِعْتَهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- عَقَلْتَهُ وَعَلِمْتَهُ، فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: أَفْعَلُ، لَأُحَدِّثَنَّكَ حَدِيثًا حَدَّثَنِيهِ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- عَقَلْتُهُ وَعَلِمْتُهُ، ثُمَّ نَشَغَ أَبُو هُرَيْرَةَ نَشْغَةً فَمَكَثْنَا قَلِيلًا ثُمَّ أَفَاقَ، فَقَالَ: لَأُحَدِّثَنَّكَ حَدِيثًا حَدَّثَنِيهِ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- فِي هَذَا البَيْتِ مَا مَعَنَا أَحَدٌ غَيْرِي وَغَيْرُهُ، ثُمَّ نَشَغَ أَبُو هُرَيْرَةَ نَشْغَةً شَدِيدَةً، ثُمَّ أَفَاقَ فَمَسَحَ وَجْهَهُ فَقَالَ: أَفْعَلُ، لَأُحَدِّثَنَّكَ حَدِيثًا حَدَّثَنِيهِ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- وَأَنَا وَهُوَ فِي هَذَا البَيْتِ مَا مَعَنَا أَحَدٌ غَيْرِي وَغَيْرُهُ، ثُمَّ نَشَغَ أَبُو هُرَيْرَةَ نَشْغَةً شَدِيدَةً، ثُمَّ مَالَ خَارًّا عَلَى وَجْهِهِ فَأَسْنَدْتُهُ عَلَيَّ طَوِيلًا، ثُمَّ أَفَاقَ فَقَالَ: حَدَّثَنِي رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «أَنَّ اللَّهَ ﵎ إِذَا كَانَ يَوْمُ القِيَامَةِ يَنْزِلُ إِلَى العِبَادِ لِيَقْضِيَ بَيْنَهُمْ وَكُلُّ أُمَّةٍ جَاثِيَةٌ، فَأَوَّلُ
_________________
(١) أخرجه أحمد (٢٠/ ١٢٤) ح (١٢٦٩٧)، وقال المنذري في الترغيب والترهيب في كتاب الأدب (٣/ ٣٤٨) ح (٤٣٨٤): "رواه أحمد بإسناد على شرط البخاري ومسلم والنسائي، ورواته احتج بهم أيضًا إلا شيخه سويد بن نصر، وهو ثقة"، وقال العراقي في تخريج أحاديث الإحياء، طبعة دار ابن حزم بيروت، ط ١، ١٤٢٦ هـ، مطبوع بهامش إحياء علوم الدين (١٠٨٥): "رواه أحمد بإسناد صحيح على شرط الشيخين"، والهيثمي في مجمع الزوائد في كتاب الأدب، باب في سلامة الصدر من الغش والحسد (٨/ ٧٨ - ٧٩) ح (١٣٠٤٨)، ت: حسام الدين القدسي، مكتبة القدسي، القاهرة، ١٤١٤ هـ، وقال: "ورجال أحمد رجال الصحيح"، وقال البوصيري في إتحاف الخيرة المهرة بزوائد المسانيد العشرة، ت: دار المشكاة للبحث العلمي، دار الوطن الرياض، ط ١، ١٤٢٠ هـ (٦/ ٧٨) ح (٥٣٨٣): "هذا إسناد صحيح على شرط البخاري ومسلم"، وقال محقق المسند (٢٠/ ١٢٥) ح (١٢٦٩٧): "إسناده صحيح على شرط الشيخين".
[ ٨٠ ]
مَنْ يَدْعُو بِهِ رَجُلٌ جَمَعَ القُرْآنَ، وَرَجُلٌ قُتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَرَجُلٌ كَثِيرُ المَالِ، فَيَقُولُ اللَّهُ لِلْقَارِئِ: أَلَمْ أُعَلِّمْكَ مَا أَنْزَلْتُ عَلَى رَسُولِي؟ قَالَ: بَلَى يَا رَبِّ. قَالَ: فَمَاذَا عَمِلْتَ فِيمَا عُلِّمْتَ؟ قَالَ: كُنْتُ أَقُومُ بِهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَآنَاءَ النَّهَارِ، فَيَقُولُ اللَّهُ لَهُ: كَذَبْتَ، وَتَقُولُ لَهُ المَلَائِكَةُ: كَذَبْتَ، وَيَقُولُ اللَّهُ: بَلْ أَرَدْتَ أَنْ يُقَالَ: إِنَّ فُلَانًا قَارِئٌ، فَقَدْ قِيلَ ذَاكَ، وَيُؤْتَى بِصَاحِبِ المَالِ فَيَقُولُ اللَّهُ لَهُ: أَلَمْ أُوَسِّعْ عَلَيْكَ حَتَّى لَمْ أَدَعْكَ تَحْتَاجُ إِلَى أَحَدٍ؟ قَالَ: بَلَى يَا رَبِّ، قَالَ: فَمَاذَا عَمِلْتَ فِيمَا آتَيْتُكَ؟ قَالَ: كُنْتُ أَصِلُ الرَّحِمَ وَأَتَصَدَّقُ، فَيَقُولُ اللَّهُ لَهُ: كَذَبْتَ، وَتَقُولُ لَهُ المَلَائِكَةُ: كَذَبْتَ، وَيَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: بَلْ أَرَدْتَ أَنْ يُقَالَ: فُلَانٌ جَوَادٌ فَقَدْ قِيلَ ذَاكَ، وَيُؤْتَى بِالَّذِي قُتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَيَقُولُ اللَّهُ لَهُ: فِي مَاذَا قُتِلْتَ؟ فَيَقُولُ: أُمِرْتُ بِالجِهَادِ فِي سَبِيلِكَ فَقَاتَلْتُ حَتَّى قُتِلْتُ، فَيَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى لَهُ: كَذَبْتَ، وَتَقُولُ لَهُ المَلَائِكَةُ: كَذَبْتَ، وَيَقُولُ اللَّهُ: بَلْ أَرَدْتَ أَنْ يُقَالَ: فُلَانٌ جَرِيءٌ، فَقَدْ قِيلَ ذَاكَ»، ثُمَّ ضَرَبَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- عَلَى رُكْبَتِي فَقَالَ: «يَا أَبَا هُرَيْرَةَ، أُولَئِكَ الثَّلَاثَةُ أَوَّلُ خَلْقِ اللَّهِ تُسَعَّرُ بِهِمُ النَّارُ يَوْمَ القِيَامَةِ». وَقَالَ الوَلِيدُ أَبُو عُثْمَانَ: فَأَخْبَرَنِي عُقْبَةُ بْنُ مُسْلِمٍ أَنَّ شُفَيًّا هُوَ الَّذِي دَخَلَ عَلَى مُعَاوِيَةَ فَأَخْبَرَهُ بِهَذَا. قَالَ أَبُو عُثْمَانَ: وَحَدَّثَنِي العَلَاءُ بْنُ أَبِي حَكِيمٍ، أَنَّهُ كَانَ سَيَّافًا لِمُعَاوِيَةَ فَدَخَلَ عَلَيْهِ رَجُلٌ، فَأَخْبَرَهُ بِهَذَا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، فَقَالَ مُعَاوِيَةُ: قَدْ فُعِلَ بِهَؤُلَاءِ هَذَا فَكَيْفَ بِمَنْ بَقِيَ مِنَ النَّاسِ؟ ثُمَّ بَكَى مُعَاوِيَةُ بُكَاءً شَدِيدًا حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ هَالِكٌ، وَقُلْنَا: قَدْ جَاءَنَا هَذَا الرَّجُلُ بِشَرٍّ، ثُمَّ أَفَاقَ مُعَاوِيَةُ وَمَسَحَ عَنْ وَجْهِهِ، وَقَالَ: صَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا
[ ٨١ ]
يُبْخَسُونَ (١٥) أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [هود: ١٥، ١٦] (^١).
وعن أبي هريرة -﵁-: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- يَقُولُ: «إِنَّ أَوَّلَ النَّاسِ يُقْضَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَيْهِ رَجُلٌ اسْتُشْهِدَ، فَأُتِيَ بِهِ فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَهَا، قَالَ: فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا؟ قَالَ: قَاتَلْتُ فِيكَ حَتَّى اسْتُشْهِدْتُ، قَالَ: كَذَبْتَ، وَلَكِنَّكَ قَاتَلْتَ لِأَنْ يُقَالَ: جَرِيءٌ، فَقَدْ قِيلَ، ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ حَتَّى أُلْقِيَ فِي النَّارِ، وَرَجُلٌ تَعَلَّمَ الْعِلْمَ، وَعَلَّمَهُ وَقَرَأَ الْقُرْآنَ، فَأُتِيَ بِهِ فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَهَا، قَالَ: فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا؟ قَالَ: تَعَلَّمْتُ الْعِلْمَ، وَعَلَّمْتُهُ وَقَرَأْتُ فِيكَ الْقُرْآنَ، قَالَ: كَذَبْتَ، وَلَكِنَّكَ تَعَلَّمْتَ الْعِلْمَ لِيُقَالَ: عَالِمٌ، وَقَرَأْتَ الْقُرْآنَ لِيُقَالَ: هُوَ قَارِئٌ، فَقَدْ قِيلَ، ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ حَتَّى أُلْقِيَ فِي النَّارِ، وَرَجُلٌ وَسَّعَ اللهُ عَلَيْهِ، وَأَعْطَاهُ مِنْ أَصْنَافِ الْمَالِ كُلِّهِ، فَأُتِيَ بِهِ فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَهَا، قَالَ: فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا؟ قَالَ: مَا تَرَكْتُ مِنْ سَبِيلٍ تُحِبُّ أَنْ يُنْفَقَ فِيهَا إِلَّا أَنْفَقْتُ فِيهَا لَكَ، قَالَ: كَذَبْتَ، وَلَكِنَّكَ فَعَلْتَ لِيُقَالَ: هُوَ جَوَادٌ، فَقَدْ قِيلَ، ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ، ثُمَّ أُلْقِيَ فِي النَّارِ» (^٢).
_________________
(١) أخرجه الترمذي في أبواب الزهد، باب ما جاء في الرياء والسمعة (٤/ ٥٩١) ح (٢٣٨٢)، وقال الترمذي: "هذا حديث حسن غريب"، وابن حبان في صحيحه، باب الإخلاص وأعمال السر، ذكر البيان بأن من راءى في عمله يكون في القيامة من أول من يدخل النار (٢/ ١٣٦) ح (٤٠٨) بترتيب: ابن بلبان، ت: شعيب الأرنؤوط، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط ١، ١٤٠٨ هـ، والحاكم في المستدرك في كتاب الزكاة (١/ ٥٧٩) ح (١٥٢٧) وصححه وأقره الذهبي، وابن خزيمة في كتاب الزكاة، باب التغليظ في الصدقة مراءاة وسمعة .. (٢/ ١١٨٨) ح (٢٤٨٢) ت: د. الأعظمي، المكتب الإسلامي، ط ٣، ١٤٢٤ هـ، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (١/ ١١٤) ح (٢٢)، وصحح إسناده شعيب الأرناؤوط في تحقيقه لصحيح ابن حبان (٢/ ١٣٧) ح (٤٠٨).
(٢) أخرجه مسلم في كتاب الإمارة، باب من قاتل للرياء والسمعة استحق النار (٣/ ١٥١٣) ح (١٩٠٥).
[ ٨٢ ]
١٣ - للإيمان أثر عظيم إذا خالطت حلاوته القلوب، فيفرح العبد به ويستبشر، ويكون ذلك من أسباب الثبات على الإيمان: فعن عَبْدِ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ -﵁- قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو سُفْيَانَ بْنُ حَرْبٍ: أَنَّ هِرَقْلَ قَالَ لَهُ: سَأَلْتُكَ: هَلْ يَزِيدُونَ أَمْ يَنْقُصُونَ؟ فَزَعَمْتَ أَنَّهُمْ يَزِيدُونَ، وَكَذَلِكَ الإِيمَانُ حَتَّى يَتِمَّ، وَسَأَلْتُكَ: هَلْ يَرْتَدُّ أَحَدٌ سَخْطَةً لِدِينِهِ بَعْدَ أَنْ يَدْخُلَ فِيهِ؟ فَزَعَمْتَ أَنْ لَا، وَكَذَلِكَ الإِيمَانُ حِينَ تُخَالِطُ بَشَاشَتُهُ القُلُوبَ، لَا يَسْخَطُهُ أَحَدٌ (^١).
١٤ - الكبر من الآفات المفسدة للقلوب، والصادة لها عن الحق، ومن كان في قلبه شيء منه، ولو مثقال ذرة لا يدخل الجنة: فقَالَ -ﷺ-: «لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ كِبْرٍ»، قَالَ رَجُلٌ: إِنَّ الرَّجُلَ يُحِبُّ أَنْ يَكُونَ ثَوْبُهُ حَسَنًا وَنَعْلُهُ حَسَنَةً! قَالَ: «إِنَّ اللهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الْجَمَالَ، الْكِبْرُ بَطَرُ الْحَقِّ (^٢)، وَغَمْطُ النَّاسِ (^٣)» (^٤).
_________________
(١) أخرجه البخاري في كتاب الإيمان، باب سؤال جبريل النبي -ﷺ- عن الإيمان والإسلام والإحسان وعلم الساعة (١/ ١٩) ح (٥١).
(٢) أي: يتكبر عن الحق ولا يقبله. ينظر: تهذيب اللغة (١٣/ ٢٢٩)، النهاية في غريب الحديث والأثر (١/ ١٣٥) مادة (بطر).
(٣) أي: احتقار الناس وازدراؤهم والاستهانة بهم. ينظر: غريب الحديث لابن سلام (٣/ ٣١٤) ت: د. محمد عبد المعيد خان، مطبعة دائرة المعارف العثمانية، حيدر آباد الدكن، ط ١، ١٣٨٤ هـ، النهاية في غريب الحديث والأثر (٣/ ٣٨٧) مادة (غمط).
(٤) أخرجه مسلم في كتاب الإيمان، باب تحريم الكبر وبيانه (١/ ٩٣) ح (٩١).
[ ٨٣ ]
المبحث الثاني:
النصوص من الكتاب والسنة في بيان أثر عمل القلب وتأثره.
المطلب الأول: من نصوص القرآن الكريم في إثبات أثر عمل القلب وتأثره.
المطلب الثاني: من نصوص السنة في في إثبات أثر عمل القلب.
[ ٨٤ ]