لأعمال القلوب مكانة عظيمة وأهمية عالية، تحدث عنها ابن القيم، فقال ﵀: "فعمل القلب هو روح العبودية ولبها، فإذا خلا عمل الجوارح منه كان كالجسد الموات بلا روح … ومن تأمل الشريعة في مصادرها ومواردها علم ارتباط أعمال الجوارح بأعمال القلوب، وأنها لا تنفع بدونها، وأن أعمال القلوب أفرض على العبد من أعمال الجوارح، وهل يميز المؤمن عن المنافق إلا بما في قلب كل واحد منهما من الأعمال التي ميزت بينهما؟! وهل يمكن أحد الدخول في الإسلام إلا بعمل قلبه قبل جوارحه؟! وعبودية القلب أعظم من عبودية الجوارح وأكثر وأدوم، فهي واجبة في كل وقت؛ ولهذا كان الإيمان واجب القلب على الدوام، والإسلام واجب الجوارح في بعض الأحيان" (^١).
وأعمال القلوب هي الأصل، وهي فرض على الأعيان باتفاق أهل الإيمان، من تركها بالكلية فهو إما كافر أو منافق، وأعمال الجوارح تابعة ومتممة لأعمال القلوب، فلا تتم إلا بها (^٢).
وسيتضح من خلال هذا المبحث مكانة أعمال القلوب من خلال اهتمام الكتاب والسنة بها، والتفصيل في ذكر أحوال القلوب (^٣).
_________________
(١) بدائع الفوائد (٣/ ١٩٢ - ١٩٣) لابن القيم، دار الكتاب العربي، بيروت.
(٢) ينظر: مجموع الفتاوى (١٨/ ١٨٤ - ١٨٥)، بدائع الفوائد (٣/ ١٨٧ - ١٨٨).
(٣) ينظر في أحوال القلوب: أعمال القلوب د. سهل العتيبي (١٠٣ - ١١٥) من مطبوعات عمادة البحث العلمي بجامعة الإمام محمد بن سعود، ١٤٢٦ هـ.
[ ٥٥ ]
وإن مما ينبغي التنبيه عليه أن الكثير من هذه الأعمال القلبية التي ستذكر في هذا المبحث سترد -إن شاء الله- في أثناء البحث بشيء من التفصيل.
وإن مما يدل على مكانة أعمال القلوب وأهميتها العظيمة عند الله تعالى إعتناء القرآن الكريم بالحديث عنها في كثير من آياته، وذلك بالثناء على المتصفين بأعمال القلوب التي يحبها الله، وبيان ما رتب -﷾- على ذلك من جزيل الثواب وعظيم العطايا في الدنيا والآخرة، وفي المقابل جاء التحذير من أعمال القلوب التي لا يحب الله من عبده أن يتصف بها، وذكر -﷾- ما رتب على ذلك من عقوبات إنذارًا وتحذيرًا، وهذا أوان الشروع في ذلك.