للتوحيد أثر عظيم على القلوب، فكلما قوي توحيد العبد أثمر في قلبه ثمرات جليلة، وعاد ذلك عليه وعلى دعوته بآثار مباركة عظيمة، ومن ذلك:
١ - يقول ابن القيم ﵀: "فإذا جرد العبد التوحيد فقد خرج من قلبه خوف ما سواه، وكان عدوه أهون عليه من أن يخافه مع الله تعالى، بل يفرد الله بالمخافة،
_________________
(١) القول السديد شرح كتاب التوحيد (١٨ - ١٩).
(٢) ينظر في ذلك: نضرة النعيم في مكارم أخلاق الرسول الكريم ﷺ (٤/ ١٣٤١ - ١٣٤٢) لعدد من المختصين بإشراف إمام الحرم المكي د. صالح بن حميد، دار الوسيلة جدة، ط ٤.
[ ١٣٩ ]
وقد أمَّنه منه، وخرج من قلبه اهتمامه به واشتغاله به وفكره فيه، وتجرد الله محبة وخشية وإنابة وتوكلًا واشتغالًا به عن غيره، فيرى أن إعمالَه فكره في أمر عدوه وخوفه منه واشتغاله به من نقص توحيده، وإلا فلو جرد توحيده لكان له فيه شغل شاغل، والله يتولى حفظه والدفع عنه، فإن الله يدافع عن الذين آمنوا (^١)، فإن كان مؤمنًا فالله يدافع عنه ولا بد، وبحسب إيمانه يكون دفاع الله عنه" (^٢).
٢ - التوحيد من أعظم أسباب شرح الصدر، وعلى حسب قوته وكماله يكون انشراح صدر صاحبه، قال تعالى: ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ﴾ [الزمر: ٢٢]، وقال تعالى: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ﴾ [الأنعام: ١٢٥]، فالهدى والتوحيد من أعظم أسباب شرح الصدر، والشرك والضلال من أعظم أسباب ضيق الصدر وانحراجه، ومنها: النور الذي يقذفه الله في قلب العبد، وهو نور الإيمان، فإنه يشرح الصدر ويوسعه ويفرح القلب، فإذا فقد هذا النور من قلب العبد ضاق وحرج، وصار في أضيق سجن وأصعبه (^٣).
٣ - يحصل لصاحب التوحيد الهدى والكمال والأمن التّامّ في الدّنيا والآخرة.
قال تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الأنعام: ٨٢]. قال ابن كثير ﵀ "أي: هؤلاء الذين أخلصوا العبادة لله
_________________
(١) يشير بذلك إلى قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الحج: ٣٨].
(٢) بدائع الفوائد (٢/ ٢٤٥).
(٣) ينظر: زاد المعاد في هدي خير العباد (٢/ ٢٢ - ٢٣) لابن القيم، مؤسسة الرسالة بيروت، مكتبة المنار الكويت، ط ٢٧، ١٤١٥ هـ.
[ ١٤٠ ]
وحده لا شريك، له، ولم يشركوا به شيئًا هم الآمنون يوم القيامة، المهتدون في الدنيا والآخرة" (^١)، فبالتوحيد يحصل الأمن والاهتداء التام في الدنيا والآخرة، وبالشرك تصرف الهداية عن العبد، ويذهب الأمن ويحصل الخلل فيه في الدنيا وفي الآخرة.
٤ - التوحيد مع اعتراف العبد بظلمه وذنبه من أبلغ أدوية الكرب والهم والغم، وأبلغ الوسائل إلى الله -﷾- في قضاء الحوائج، ولذا جاء عن النبي -ﷺ- في دعوة ذي النون قوله: «دَعْوَةُ ذِي النُّونِ إِذْ دَعَا وَهُوَ فِي بَطْنِ الحُوتِ: لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ، فَإِنَّهُ لَمْ يَدْعُ بِهَا رَجُلٌ مُسْلِمٌ فِي شَيْءٍ قَطُّ إِلَّا اسْتَجَابَ اللَّهُ لَهُ» (^٢).
يقول ابن القيم ﵀: "وأما دعوة ذي النون فإن فيها من كمال التوحيد والتنزيه للرب تعالى واعتراف العبد بظلمه وذنبه ما هو من أبلغ أدوية الكرب والهم والغم، وأبلغ الوسائل إلى الله سبحانه في قضاء الحوائج" (^٣).