اعتقاد القلب وعمله وعمل الجوارح، وأنه لا يزيد ولا ينقص (^١).
٤ - مرجئة الفقهاء (^٢): وهم أخف فرق الأرجاء، ويرون أن الإيمان اعتقاد بالقلب وقول باللسان والأعمال ليست داخلة فيه، بل هي من لوازمه أو ثمراته، ولا يزيد ولا ينقص (^٣).
ثالثًا: الصوفية (^٤): وهي تيار خليط من عدة فرق، لكن يبرز لديهم الاهتمام
_________________
(١) ينظر: مقالات الإسلاميين (١/ ١٢٠ - ١٢١)، الملل والنحل (١/ ١١٣).
(٢) ينسب إرجاء الفقهاء إلى حماد بن أبي سليمان الكوفي، وهو من تلاميذ الإمام إبراهيم النخعي، وقد أنكر قول تلميذه وتبرأ منه، لكن حماد بن أبي سليمان خالف سلف الأمة؛ واتبعه من اتبعه، ودخل في هذا طوائف من أهل الكوفة ومن بعدهم، وأنكر حماد ومن اتبعه تفاضل الإيمان ودخول الأعمال فيه والاستثناء فيه. وقد دخل في هذا الإرجاء جماعة هم عند الأمة أهل علم ودين، ولم يكفِّرهم أحد من السلف، بل جعلوا هذا من بدع الأقوال والأفعال؛ لا من بدع العقائد، فإن كثيرًا من النزاع فيها لفظي؛ لكن اللفظ المطابق للكتاب والسنة هو الصواب، فليس لأحد أن يقول بخلاف قول الله ورسوله، لا سيما وقد صار ذلك ذريعة إلى بدع أهل الكلام من أهل الإرجاء وغيرهم، وإلى ظهور الفسق، فصار ذلك الخطأ اليسير في اللفظ سببًا لخطأ عظيم في العقائد والأعمال، فلهذا عظم القول في ذم الإرجاء حتى قال إبراهيم النخعي ﵀: "لَفتنتهم -يعني المرجئة- أخوف على هذه الأمة من فتنة الأزارقة"، وقال الزهري ﵀: "ما ابتدعت في الإسلام بدعة أضر على أهله من هذه" يعني الإرجاء. والذي حصل هو أن مذهب مرجئة الفقهاء مهَّد لرأي جهم، ثم جاء المرجئة المتكلمون كالأشعري والماتريدي، فجعلوه عقيدة أكثر طوائف الأمة. ينظر: الإبانة الكبرى (٢/ ٨٨٥)، مجموع الفتاوى (٧/ ٣٩٤ - ٣٩٥، ٥٠٧)، ظاهرة الإرجاء (٣١٢).
(٣) ينظر: متن الطحاوية بتعليق الألباني (٦٢)، المكتب الإسلامي بيروت، ط ٢، ١٤١٤ هـ، مجموع الفتاوى (٧/ ١٩٤).
(٤) هي: "حركة دينية انتشرت في العالم الإسلامي في القرن الثالث الهجري كنزعاتٍ فردية تدعو إلى الزهد وشدة العبادة، كرد فعل مضاد للانغماس في الترف الحضاري. ثم تطورت تلك النزعات بعد ذلك حتى صارت طرقًا مميزة معروفة باسم الصوفية، ويتوخّى المتصوفة تربية النفس والسمو بها بغية الوصول إلى معرفة الله تعالى بالكشف والمشاهدة، لا عن طريق اتباع الوسائل الشرعية، ولذا جنحوا في المسار حتى تداخلت طريقتهم مع الفلسفات الوثنية: الهندية والفارسية واليونانية المختلفة. ويلاحظ أن هناك فروقًا جوهرية بين مفهومي الزهد والتصوف أهمها: أن الزهد مأمور به، والتصوف جنوح عن طريق الحق الذي اختطَّه أهل السنة والجماعة". ينظر: الموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب والأحزاب المعاصرة (١/ ٢٤٩).
[ ١٢٠ ]
الكبير بأعمال القلوب، وتسميتها أحوالًا ومقامات وتفصيل دقائقها، ولكنهم ضلوا عن المنهج القويم في فهم هذه الأعمال بسبب بعدهم عن الكتاب والسنة وفهم السلف، وبسبب كذلك تأثرهم بصوفية الهند واليونان وقعوا في خلل عظيم في أعمال القلوب.
وهذه شواهد على هذه الانحرافات من كتاب ظاهرة الأرجاء: "فمن ذلك ضلالهم في الرضا -الجامع للانقياد والقبول- فقد خرجوا فيه عما كان عليه السلف إلى معنى فلسفي وثنيٍّ، هو الرضا المطلق بكل ما في الوجود لأنه من إرادة الله وقدره، حتى اعتقدوا وجوب الرضا بالكفر والفسوق والعصيان، ووقعوا في الجبر المحض تحت ستار ما أسموه شهادة الحقيقة الكونية والاستبصار بسر الله في القدر (^١).
وضلوا في الرجاء والمحبة: حيث افتعلوا بينهما تناقضًا، فاحتقروا الرجاء واعتبروه أضعف مقامات المريدين، وغلوا في المحبة حتى أسقطوا ما يقابلها من الخوف، وجعلوا
_________________
(١) أي: النظر في القدر دون الشرع: وذلك بالنظر إلى الحقيقة الكونية دون الحقيقة الشرعية (أمر الله ونهيه)، والوقوع في الجبرية المحضة، وهذا مخالفٌ للحس والعقل، فإن الإنسان بحسه يعرف ما يضره وما ينفعه، وهذا داخل في الحقيقة الشرعية الدينية، وكذلك مخالف عقلًا، فإنه إذا عومل أحدهم بموجب مذهبه بأن يُضرب أو يُجاع، فإن لام من فعل به ذلك فقد نقض قوله، وقيل له: هذا فعلٌ مقضيٌّ مقدور، فإن كان القدر حجةً له أيضًا، وإلا فليس بحجةٍ لك ولا له. ينظر: شرح الرسالة التدمرية، للدكتور محمد الخميس (٤٧٨ - ٤٧٩) دار أطلس الخضراء، طبعة ١٤٢٥ هـ.
[ ١٢١ ]
همهم -بزعمهم- عبادة الله لذاته، لا طمعًا في جنته ولا خوفًا من ناره، وجعلوا ذروة المحبة الفناء (^١) في المحبوب؛ ولهذا قال فيهم السلف: من عبد الله بالحب وحده فهو زنديق (^٢). وأفضى بهم هذا إلى احتقار الجنة والنار، واحتقار مقام الأنبياء، بل اعتقاد الحلول (^٣) والوحدة (^٤) عياذًا بالله.
ومن الناحية العملية وضعوا قاعدة: (المحبة نار في القلب تحرق ما سوى المحبوب)، واتخذوها ذريعة للتنصل من التعبدات التي تشغلهم عن المحبوب -بزعمهم- كالاشتغال بجهاد أعدائه وتعلم دينه وتعليمه ونشر دعوته بين العالمين.
وضلوا في التوكل فجعلوه سلبية مطلقة، وتواكلًا رخيصًا، وتسولًا للمعطين، وتعمدًا لإلحاق الضرر بالنفس، وتركًا للأسباب المشروعة، بل تركًا لأعظم التعبدات
_________________
(١) والفناء عند الصوفية هو فناء عن وجود ما سوى الله، وبهذا يصير المخلوق هو عين الخالق، وهو قول أهل وحدة الوجود، وأن كل موجود هو الله. ينظر: مجموع الفتاوى (٢/ ٣٤٣)، عقيدة الصوفية وحدة الوجود الخفية (٦٤) للدكتور أحمد القصير، مكتبة الرشد، ط ١، ٢٤٢٤ هـ.
(٢) نسبه في إحياء علوم الدين (٤/ ١٦٦) إلى مكحول الدمشقي، ونقله ابن تيمية في عدة مواضع من كتبه عن بعض السلف، ولم يصرح باسم قائله، ينظر: مجموع الفتاوى (١٠/ ٨١، ٢٠٧، ١١/ ٣٩٠، ١٥/ ٢١). والزنديق: مرادف للمنافق في عصر النبوة، وهو من يبطن الكفر ويظهر الإسلام. ينظر: المغني (٦/ ٣٧٠) لابن قدامة المقدسي، مكتبة القاهرة، ط: عام ١٣٨٨ هـ، الصارم المسلول على شاتم الرسول (٣٦١) لابن تيمية، ت: محمد محيي الدين عبد الحميد، طبعة الحرس الوطني السعودية.
(٣) وهو أن يحل الخالق في المخلوق، ويمتزج به امتزاجًا كاملًا بحيث تتلاشى الذات الإنسانية في الذات الإلهية، وهو كقول النصارى، وغلاة الروافض، وغلاة التصوف كأتباع الحلاج، ويدخل في ذلك ما يسمى بوحدة الوجود، وأن ما في الوجود هو الله. ينظر: مجموع الفتاوى (١٠/ ٥٩، ١٥/ ٤٢٣)، نظرية الاتصال عند الصوفية في ضوء الإسلام (٣٥) لسارة بنت عبد المحسن آل سعود، دار المنارة جدة، ط ١، ١٤١١ هـ، عقيدة الصوفية وحدة الوجود الخفية (٤٥).
(٤) يقصد بها وحدة الوجود عند ذكر معنى الفناء؛ لأنهما عند أهل التصوف بمعنى واحد.
[ ١٢٢ ]
كالدعاء مثلًا، فأسقطوا به وبالمحبة من أعمال القلوب الشيء الكثير، فضلًا على أنهم غفلوا عن أعظم درجات التوكل، وهو التوكل على الله في إقامة دينه، والجهاد في سبيله، ومقاومة الكفر والفساد كما هو توكل الأنبياء.
وضلوا في الزهد فأخرجوه من عمل قلبي إيجابي إلى مظهر سلبي، حتى إنهم حرموا به طلب العلم؛ لأن ذلك كما قالوا يؤدي إلى تقدير الناس للعالم، وهذا -بزعمهم- ينافي الزهد، وعبّدوا الأمة للفقر وبه، وحتى سموا أنفسهم الفقراء، وسموا الله تعالى الفقر" (^١).
_________________
(١) ظاهرة الإرجاء (٤٤٤ - ٤٤٦).
[ ١٢٣ ]