القلب في اللغة: يطلق على عدة معان، منها:
المضغة (^٢) أي: العضو الموجود في داخل الصدر، العقل، ويسمى لب الشيء وخالصه قلبًا، والقلب تحويلك الشيء عن وجهه.
وسمي القلب بهذا الاسم لكثرة تقلبه، وقال الشاعر (^٣):
مَا سمِّيَ القلبُ إلَّا من تقلُّبِه (^٤)
والقلب في الاصطلاح: يطلق على معنيين (^٥):
_________________
(١) ينظر: تهذيب اللغة (١٥/ ٤٠٠)، الكليات (٦١٦) للكفوي، ت: عدنان درويش ومحمد المصري، مؤسسة الرسالة.
(٢) والمضغة: قطعة من اللحم قدر ما يمضغ؛ لأن القلب كالقطعة التي تؤخذ فتمضغ. ينظر: الصحاح (٤/ ١٣٢٦)، مقاييس اللغة (٥/ ٣٣٠) لابن فارس، ت: عبد السلام هارون، دار الفكر، ١٣٩٩ هـ، المفردات في غريب القرآن (٧٧٠) مادة (مضغ).
(٣) استشهد به الخليل بن أحمد في العين (٥/ ١٧١) ولم ينسبه لأحد، وكتاب العين ت: د. مهدي المخزومي وإبراهيم السامرائي، دار ومكتبة الهلال، وهو كذلك في التهذيب (٩/ ١٤٣)، واللسان (١/ ٦٨٧) غير منسوب. ينظر: مادة (قلب).
(٤) ينظر في هذه المعاني: تهذيب اللغة (٩/ ١٤٣)، الصحاح (١/ ٢٠٤)، مقاييس اللغة (٥/ ١٧)، مادة (قلب).
(٥) ينظر: إحياء علوم الدين (٣/ ٣) للغزالي، دار المعرفة بيروت، التبيان في أقسام القرآن (٤١٤) لابن القيم، ت: محمد الفقي، دار المعرفة بيروت، التعريفات (١٧٨)، التنوير شرح الجامع الصغير (٣/ ١٥١) لمحمد بن إسماعيل الأمير، ت: د. محمد إسحاق، مكتبة دار السلام الرياض، ط ١، ١٤٣٢ هـ، التعريفات الفقهية (١٧٦) للبركتي، دار الكتب العلمية، ط ١، ١٤٢٤ هـ، أعمال القلوب للدكتور خالد السبت (١/ ١٦)، دار ابن الجوزي، ط ١، ١٤٣٩ هـ.
[ ٢٨ ]
١ - العضو الذي في الجهة اليسرى من الصدر، ويضخُّ الدم إلى سائر أجزاء الجسم.
٢ - لطيفة (^١) ربانية لها تعلق وثيق بالقلب، وهي التي تحتوي على مشاعر الإنسان وإحساسه وحقيقته، وبها تحصل أعمال القلوب من الحب والخوف والرجاء والإخلاص والصدق واليقين ونحوه، أو ضد ذلك من آفات القلوب من الكبر والحسد والعجب والرياء واتباع الهوى … وهذه اللطيفة المتعلقة بالقلب من أمور الغيب التي لا تدركها العقول، وإنما يرجع فيها إلى الوحي، وهنا يحسن الكلام عن مسألة: هل العقل في القلب أم في الدماغ؟
ومجمل الأقوال في هذه المسألة على قولين:
القول الأول: إن العقل في القلب، وهو قول عمر وعلي وأبي هريرة -﵃- (^٢)، وهو قول الجمهور، قال به الشافعية والمالكية، وهو الراجح من قولي العلماء عند الإمام أحمد، وقال به جماهير المتكلمين (^٣).
_________________
(١) اللطيفة: أمر خفي لطيف رقيق. ينظر: المعجم الوسيط (٢/ ٨٢٦) (لطف).
(٢) ينظر: العدة في أصول الفقه (١/ ٩١ - ٩٣) لأبي يعلى، ت: د. أحمد بن علي سير المباركي، بدون ناشر، ط ٢، ١٤١٠ هـ، التمهيد في أصول الفقه (١/ ٥٠ - ٥١) لأبي الخطاب الحنبلي، ت: مفيد أبو عمشة ومحمد بن علي بن إبراهيم، الناشر: مركز البحث العلمي جامعة أم القرى، طبعة دار المدني، ط ١، ١٤٠٦ هـ.
(٣) ينظر: التمهيد في أصول الفقه (١/ ٤٨)، المعلم بفوائد مسلم (٢/ ٣١٤) للمازري، ت: محمد الشاذلي النيفر، الدار التونسية والمؤسسة الوطنية للكتاب بالجزائر، ط ٢، ١٩٨٨ م، شرح النووي على مسلم (١١/ ٢٩) المسمى: المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج، دار إحياء التراث العربي بيروت، ط ٢، ١٣٩٢ هـ، وقال النووي: "وحكوا الأول أيضًا عن الفلاسفة"، الذخيرة للقرافي (١٢/ ٣٦٩)، ت: محمد حجي وآخرين، دار الغرب الإسلامي بيروت، ط ١، ١٩٩٤ م، الأمنية في إدراك النية (١٧) للقرافي، دار الكتب العلمية بيروت، شرح الزركشي على مختصر الخرقي (٧/ ٢٤٦) دار العبيكان، ط ١، ١٤١٣ هـ، أضواء البيان (٥/ ٢٧٥) للشنقيطي، دار الفكر بيروت، ١٤١٥ هـ. والمتكلمون مصطلح يطلق على: من يعتمد على علم الكلام لإثبات العقائد بالحجج العقلية، وقد ذمه السلف وحذروا منه. ينظر: موقف المتكلمين من الاستدلال بنصوص الكتاب والسنة (٢١) للدكتور سليمان الغصن، دار العاصمة الرياض، ط ٢، ١٤٣٣ هـ. وينظر أيضًا في ذم علم الكلام وأهله ما ورد في المصدر السابق (٧٤ - ١٠٦) تحت عنوان: موقف السلف من علم الكلام والمتكلمين.
[ ٢٩ ]
القول الثاني: في الدماغ، ونسب إلى الأحناف (^١)، والرواية الثانية عند الإمام أحمد، وهي المنصوص عليها عنه (^٢)، وهو قول الأطباء (^٣).
أدلة أصحاب القول الأول:
يقول أصحاب القول الأول: جاءت النصوص الكثيرة في كتاب الله وسنة رسوله -ﷺ- في النص صراحة على أن العقل في القلب، وأُسِندَ إلى القلب العمى، والفقه، والإيمان، ومرض النفاق، وغير ذلك من الأمور التي أخبر بها -﷾-، وأسندها إلى القلب ولم يسندها إلى الدماغ، فدل ذلك على أن العقل في القلب، وهذه بعض الأدلة على إثبات ذلك:
الدليل الأول: قول الله تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا﴾ [الحج: ٤٦].
_________________
(١) ينظر: البحر الرائق شرح كنز الدقائق ومنحة الخالق وتكملة الطوري (١/ ٤٢)، البحر الرائق لابن نجيم المصري، وعلى هامشه منحة الخالق لابن عابدين، وتكملة البحر الرائق للطوري، دار الكتاب الإسلامي، ط ٢، وينظر كذلك: شرح النووي على مسلم (١١/ ٢٩).
(٢) ينظر: العدة في أصول الفقه (١/ ٨٩ - ٩٠)، شرح الزركشي على مختصر الخرقي (٧/ ٢٤٦).
(٣) ينظر: المعلم بفوائد مسلم (٢/ ٣١٤)، شرح النووي على مسلم (١١/ ٢٩)، ونسبه الشنقيطي ﵀ إلى الفلاسفة، ينظر: أضواء البيان (٥/ ٢٧٥). وينظر أيضًا: الفتاوى (٣٢) للعلامة محمد الأمين الشنقيطي، ت: سليمان العمير، مجمع الفقه الإسلامي بجدة، دار عالم الفوائد، إشراف العلامة بكر أبو زيد، ط ١، ١٤٢٦ هـ.
[ ٣٠ ]
استدلَّ أهل العلم بهذه الآية على أن العقل محله القلب، وفيها دلالة صريحة على ذلك؛ حيث إنه -﷾- أسند العقل إلى القلب لأنه محله، كما أن السمع محله الأذن، ودونَك طرفًا من أقوالهم في تفسيرهم لهذه الآية:
قال القرطبي (^١) ﵀: "أضاف العقل إلى القلب لأنه محله" (^٢).
وقال السمعاني (^٣) ﵀ في تفسيره لهذه الآية: "أي: يعلمون بها، ويقال: إن العقل علم غريزي (^٤)، واستدل من قال: إن محله القلب بهذه الآية" (^٥).
_________________
(١) محمد بن أحمد بن أبي بكر الأنصاري المالكي أبو عبد الله القرطبي، وكان من عباد الله الصالحين، والعلماء العارفين الورعين الزاهدين في الدنيا، المشغولين بما يعنيهم من أمور الآخرة، وكان إمامًا علمًا، من الغوّاصين على معاني الحديث، حسن التصنيف، جيد النقل، وكان ﵀ في تفسيره يميل إلى مذهب الأشعري في العقيدة في باب الأسماء والصفات. من مؤلفاته: الجامع لأحكام القرآن، الكتاب الأسنى في أسماء الله الحسنى، والتذكرة بأمور الآخرة وغيرها. توفي عليه رحمة الله في سنة (٦٧١ هـ). ينظر: شذرات الذهب (٧/ ٥٨٤) لابن العماد الحنبلي، ت: محمود الأرناؤوط، وخرج أحاديثه عبد القادر الأرناؤوط، دار ابن كثير دمشق بيروت، ط ١، ١٤٠٦ هـ، نفح الطيب (٢/ ٢١٠) للتلمساني، ت: إحسان عباس، دار صادر بيروت، موسوعة مواقف السلف في العقيدة والمنهج والتربية (٧/ ٣٩٦) للمغرواي، المكتبة الإسلامية القاهرة والنبلاء للكتاب مراكش، ط ١.
(٢) تفسير القرطبي (١٢/ ٧٧) ت: أحمد البردوني وإبراهيم أطفيش، دار الكتب المصرية القاهرة، ط ٢، ١٣٨٤ هـ.
(٣) أبو المظفر منصور بن محمد بن عبد الجبار التميمي السَّمْعاني، مفتي خرسان، له تصانيف عديدة، وكان شوكًا في أعين المخالفين وحجة لأهل السنة، وكان مناظرًا فقيهًا، وصنف التفسير وكتاب الانتصار في الحديث، والبرهان والقواطع في أصول الفقه، وغيرها، توفي ﵀ في سنة (٤٨٩ هـ). ينظر: سير أعلام النبلاء (١٩/ ١١٤)، البداية والنهاية (١٦/ ١٥٩) لابن كثير، ت: عبد الله التركي، دار هجر، ط ١، ١٤١٨ هـ، سنة النشر ١٤٢٤ هـ، موسوعة مواقف السلف في العقيدة والمنهج والتربية (٦/ ٣٦٨).
(٤) من الغريزة وهي الطبيعة، وكأنها شيء غرز في الإنسان، ينظر في ذلك: مقاييس اللغة (٤/ ٤١٦)، لسان العرب (٥/ ٣٨٧) مادة (غرز).
(٥) تفسير السمعاني (٣/ ٤٤٥) ت: ياسر بن إبراهيم وغنيم بن عباس دار الوطن الرياض، ط ١، ١٤١٨ هـ.
[ ٣١ ]
وقال الشنقيطي (^١) ﵀: "والتحقيق: أن العقل في القلب كما دل عليه الوحي" (^٢).
وقال أيضًا: "والآية تدل على أن محل العقل في القلب، ومحل السمع في الأذن" (^٣).
الدليل الثاني على أنه في القلب: قوله تعالى: ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج: ٤٦].
ومن ضمن ما قال الرازي (^٤) ﵀ في تفسيره لهذه الآية: " .. هل تدل الآية على أن العقل هو العلم وعلى أن محل العلم هو القلب؟ الجواب: نعم؛ لأن المقصود من قوله: ﴿قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا﴾ العلم، وقوله: ﴿يَعْقِلُونَ بِهَا﴾ كالدلالة على
_________________
(١) الإمام المفسر محمّد الأمين بن محمّد المختار بن عبد القادر الجكني الشنقيطي، كان ﵀ يتمتع بأخلاق ومزايا فاضلة أكسبته الثقة والاحترام في أوساط أولي الأمر وكبار أهل العلم، وكان أديبًا ضليعًا، تلقى العلم على يديه أفواج لا يحصون من طلاب العلم، من مصنفاته: أضواء البيان في تفسير القرآن، ومنع جواز المجاز، وألفية في المنطق. وفاته: سنة (١٣٩٣ هـ) عليه رحمة الله. ينظر: الأعلام (٦/ ٤٥)، موسوعة مواقف السلف في العقيدة والمنهج والتربية (١٠/ ١)، ترجمة الشيخ الملحقة بكتابه أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن (٩/ ٤٧٩).
(٢) العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير (١/ ١٦١) للشنقيطي، ت: خالد السبت، إشراف بكر أبو زيد، دار عالم الفوائد مكة، ط ٢، ١٤٢٦ هـ.
(٣) أضواء البيان (٥/ ٢٧٥).
(٤) العلامة الكبير ذو الفنون فخر الدين محمد بن عمر بن الحسين الرازي، انتشرت كتبه في البلاد شرقًا وغربًا، وكان يتوقد ذكاء، وقد بدت منه في تواليفه بلايا وعظائم وسحر وانحرافات عن السنة، عرف بعدائه لعقيدة السلف، وألف الكتب في ذلك، والله يعفو عنه، فإنه توفي على طريقة حميدة، والله يتولى السرائر. توفي عليه رحمة الله سنة (٦٠٦ هـ). ينظر: سير أعلام النبلاء (٢١/ ٥٠٠)، البداية والنهاية (١٧/ ١١)، موسوعة مواقف السلف في العقيدة والمنهج والتربية (٧/ ٢٨٣).
[ ٣٢ ]
أن القلب آلة لهذا التعقل، فوجب جعل القلب محلًّا للتعقّل، ويسمَّى الجهل بالعمى؛ لأن الجاهل لكونه متحيرًا يشبه الأعمى" (^١).
وقد أشار الشنقيطي ﵀ إلى أن هذه الآية تدلّ على أن العقل محله القلب (^٢).
الدليل الثالث: قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ [ق: ٣٧].
قال القرطبي ﵀ عن المراد بالقلب هنا: "أي: عقل؛ لأن القلب محل العقل في قول الأكثرين" (^٣).
الدليل الرابع: قوله تعالى: ﴿لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا﴾ [الأعراف: ١٧٩].
قال الشنقيطي ﵀ في تفسيره لهذه الآية: "وقوله: ﴿لَا يَفْقَهُونَ﴾ الفقه في لغة العرب معناه: الفهم والإدراك، أي: لا يفهمون بهذه القلوب عن الله؛ لأن الله لم ينفعهم بها … كما قال: ﴿فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلَا أَبْصَارُهُمْ وَلَا أَفْئِدَتُهُمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأحقاف: ٢٦]، ونفيه الفقه عن القلوب يدل كما ذكرنا مرارًا على أن مركز العقل هو القلب، لا الدماغ كما يقوله الإفرنج (^٤)، ومما يؤسفنا أن عامة المسلمين لا يكاد في الوقت الحاضر -لجهلهم- يختلف من عامتهم اثنان في أن العقل في الدماغ ..
_________________
(١) تفسير الرازي (٢٣/ ٢٣٣ - ٢٣٤) مع تصرف يسير، مفاتيح الغيب للفخر الرازي، دار إحياء التراث العربي بيروت، ط ٣، ١٤٢٠ هـ.
(٢) ينظر: العذب النمير (٤/ ٤٠).
(٣) تفسير القرطبي (١/ ١٨٩).
(٤) جيل من الناس يسكنون أوروبا كما في المعجم الوسيط (١/ ٢١) مادة (أفر)، وهو اسم أطلقه العرب على الأوروبيين بعد الحروب الصليبية في الشرق. ينظر: معجم اللغة العربية المعاصرة (١/ ١٠٢) للدكتور أحمد مختار عبد الحميد ومعه فريق عمل، عالم الكتب، ط ١، ١٤٢٩ هـ.
[ ٣٣ ]
والله يصرح بأن العقل في القلب، ولا شكَّ أن الذي خلق نور العقل وجعله في العبد ونوَّره به هو أعلم بالموضع الذي وضعه فيه … فالذي يقول: ليس الفقه في القلوب كالذي يقول: ليس الإبصار بالعيون، وليس السماع بالآذان؛ لأن الله قال: ﴿قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا﴾ ﴿أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا﴾ ﴿آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا﴾، فدلَّ على أن الإبصار بالعين، والسماع بالأذن، والفقه بالقلب.
وهذا أمر معروف لا تكاد تحصَى الآيات الدالة عليه في القرآن" (^١).
الدليل الخامس والسادس: قوله تعالى: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ [الحجرات: ١٤]، وقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ﴾ [المجادلة: ٢٢].
و﴿كَتَبَ﴾ أي: ثبّت الإيمان في قلوبهم وغرسه غرسًا، لا تؤثر فيه الشبه والشكوك، وذكر القلوب لأنها موضع الإيمان (^٢).
وذكر الشنقيطي ﵀ في تعليقه على الآيتين السابقتين كلامًا مؤداه: أن الآيتين صريحتان في أن الموضع الذي يدخله الإيمان من المؤمن وينتفي دخوله فيه من الكافر هو القلب لا الدماغ؛ لأن أساس الإيمان إيمان القلب، والجوارح تبع له، كما قال -ﷺ-: «أَلَا وَإِنَّ فِي الجَسَدِ مُضْغَةً؛ إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ
_________________
(١) العذب النمير (٤/ ٣٤٧ - ٣٤٨) مع بعض الاختصار والتصرف اليسير.
(٢) ينظر: تفسير البغوي (٨/ ٦٣) ت: محمد عبد الله النمر وعثمان جمعة ضميرية وسليمان مسلم الحرش، دار طيبة، ط ٤، ١٤١٧ هـ، تفسير السعدي (٨٤٨) ت: عبد الرحمن بن معلا اللويحق، مؤسسة الرسالة، ط ١، ١٤٢٠ هـ.
[ ٣٤ ]
فَسَدَ الجَسَدُ كُلُّهُ، أَلَا وَهِيَ القَلْبُ» (^١).
فظهر لك دلالة الآيتين المذكورتين على أن المصدر الأول للإيمان القلب، فإذا آمن القلب آمنت الجوارح بفعل المأمورات وترك المنهيات، وذلك لأن القلب أمير البدن، وذلك يدل دلالة واضحة على أن القلب ما كان كذلك إلا لأنه محل العقل الذي به الإدراك والفهم كما ترى (^٢).
الدليل السابع والثامن: قول الله تعالى: ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ [البقرة: ٧]، وقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ [الصف: ٥].
وفي هاتين الآيتين ذكر الله أنه عاقب أصحاب القلوب التي كفرت بالطبع عليها، فلا تنتفع بالمواعظ، ولا تهتدي إلى الإيمان، ولا ينفذ فيها، وعاقب القلوب التي زاغت (^٣) أن أزاغها الله عن الهدى والاستقامة، وأوقعها في الشك والحيرة والخذلان بسبب من أهلها (^٤).
والآيات في هذا المعنى كثيرة.
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه، وهو لمحمد بن إسماعيل البخاري، ت: محمد زهير بن ناصر الناصر، دار طوق النجاة، ط ١، ١٤٢٢ هـ، أخرجه في كتاب الإيمان، باب فضل من استبرأ لدينه (١/ ٢٠) ح (٥٢)، ومسلم في صحيحه، وهو لمسلم بن الحجاج النيسابوري ت: محمد فؤاد عبد الباقي، دار إحياء التراث العربي بيروت، أخرجه في كتاب المساقاة، باب أخذ الحلال وترك الشبهات (٣/ ١٢١٩) ح (١٥٩٩) من حديث النعمان بن بشير -﵁-.
(٢) ينظر: الفتاوى للشنقيطي (٢٩).
(٣) من الزيغ، وهو الميل عن الاستقامة إلى الضلال. ينظر: المفردات في غريب القرآن (٣٨٧).
(٤) ينظر: تفسير ابن كثير (٨/ ١٠٩) ت: سامي سلامة، دار طيبة، ط ٢، ١٤٢٠ هـ، وتفسير السعدي (٤١).
[ ٣٥ ]
ومن هاتين الآيتين يتضح اتصال العقل بالقلب، وأن محله في القلب، فكم من صاحب عقل عظيم وقدرات عقلية كبيرة، لكنه لما طُمِس على قلبه بسبب ضلاله لم ينفعه عقله الكبير -نسأل الله العافية من الخذلان-، تجده يعبد الأوثان من البقر والحجر المنحوت على شكل إنسان أو غيره، أو يدعو صاحب قبر ويطلب منه ما لا يُطلَبُ إلا من الله، ولديه أعلى الشهادات العلمية، والكثير من براءات الاختراع، لكن هذا العقل الكبير الذي طمس على قلب صاحبه لم ينتفع به فيترك عبادة المخلوق، ويتوجه إلى عبادة الخالق المستحق للعبادة -﷾-، وقال تعالى عنهم وعن أمثالهم: ﴿وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ [النور: ٤٠]، وهؤلاء ما ظلمهم الله ولكن ظلموا أنفسهم؛ ببعدهم عن الحق واتباع شياطين الإنس والجن، فصار علمهم الواسع في الدنيا، وأما الآخرة فقد غفلوا عنها، كما قال تعالى عنهم: ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ﴾ [الروم: ٧].
الدليل التاسع: قوله -ﷺ-: «أَلَا وَإِنَّ فِي الجَسَدِ مُضْغَةً؛ إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الجَسَدُ كُلُّهُ، أَلَا وَهِيَ القَلْبُ».
قال المازري (^١) ﵀ في بيان وجه الاستدلال بهذا الحديث على أن العقل في
_________________
(١) الشيخ الإمام الفقيه محمد بن علي بن عمر التيمي المازري، الفقيه المالكي، أحد الأعلام، كان من كبار أئمة زمانه، وآخر المشتغلين من شيوخ إفريقية بتحقيق الفقه ورتبة الاجتهاد ودقة النظر، له تآليف تدل على إمامته منها: كتاب المعلم بفوائد مسلم، وكتابٌ في الرد على الإحياء لأبي حامد الغزالي سماه: الكشف والإنباء عن كتاب الإحياء، وكتاب التعليقة على المدونة وغيرها، إلا أن مما يؤاخذ على المازري رحمه الله تعالى أشعريته الواضحة، وكتابه المعلم بفوائد مسلم خير دليل على ذلك، وتوفي ﵀ سنة (٥٣٦ هـ). ينظر: وفيات الأعيان (٤/ ٢٨٥) لابن خلكان، ت: إحسان عباس، دار صادر بيروت، ط ١٩، ١٩٧١، ١٩٩٤ م، سير أعلام النبلاء (٢٠/ ١٠٤)، موسوعة مواقف السلف (٧/ ١١٥).
[ ٣٦ ]
القلب: "واحتجوا أيضًا بهذا الحديث (^١)، وقد جعل النبي -ﷺ- صلاح الجسد كلّه وفساده كلّه تابعًا للقلب، والدّماغُ من جملة الجسد، فاقتضى ظاهر الحديث كون فساده وصلاحه تبعًا للقلب، وهذا يدل على أنه ليس بمحلّ للعقل" (^٢).
الدليل العاشر من الأثر: قول علي -﵁-: "إن العقل في القلب" (^٣).
أما أدلة أصحاب القول الثاني: فيستدل من يقول: إن العقل في الدماغ بأدلة عقلية وحسية، ولا يُعلم لهم دليل من الكتاب أو السنة (^٤)، والله أعلم.
ومن أدلتهم أنه إذا فسد الدماغ مع سلامة القلب فسد العقل، فلو كان موطن العقل القلب لما حصل له خلل، ويقولون: يحصل للقلب خلل فلا يتأثر العقل.
وأجيب: بأن هناك ارتباطًا بين العقل والقلب، والنصوص دلَّت على أنه في القلب، وأنه لا يمنع أن يكون هناك ارتباط بين القلب والدماغ (^٥)، لا يعلمه إلا الله -﷾-، والله أعلم.
وهنا قول يتفرَّع عن القول الأوَّل، وهو أن العقلَ في القلب وله اتصال وثيق بالدماغ، وهذا القول أقرب الأقوال؛ لأن فيه جمعًا بين القولين مع الإقرار بأن العقل في القلب كما جاء في الكتاب والسنة.
والعقل الذي في القلب له اتصال بالدماغ، والدليل الحسي يدل دلالة قوية على الترابط بين العقل والدماغ، والعلم عند الله تعالى.
_________________
(١) أي: القائلون بأن العقل في القلب.
(٢) المعلم بفوائد مسلم (٢/ ٣١٤).
(٣) البخاري عن علي -﵁- في الأدب المفرد (٢٨١) ت: محمد فؤاد عبد الباقي، دار البشائر الإسلامية بيروت، ط ٣، ١٤٠٩ هـ، وذكره البيهقي في شعب الإيمان (٦/ ٣٦٨) للبيهقي، ت: د. عبد العلي، مكتبة الرشد الرياض بالتعاون مع الدار السلفية بومباي، ط ١، ١٤٢٣ هـ.
(٤) ينظر: الفتاوى للشنقيطي (٣٥).
(٥) ينظر: الذخيرة (١٢/ ٣٦٩)، التبيان في أقسام القرآن (٤٠٥).
[ ٣٧ ]
والذي ظهر من كلام شيخ الإسلام (^١) أنه يميل إلى ذلك حيث يقول ﵀: "والتحقيق (^٢) أن الروح التي هي النفس لها تعلق بهذا وهذا، وما يتصف من العقل به يتعلق بهذا وهذا (^٣)، لكن مبدأ الفكر والنظر في الدماغ، ومبدأ الإرادة في القلب" (^٤).
وهو الذي يرجحه ابن القيم (^٥) حيث يقول ﵀: "والتحقيق أن منشأ ذلك ومبدأه من القلب، ونهايته ومستقره في الرأس، وهي المسألة التي اختلف فيها الفقهاء: هل العقل في القلب أو في الدماغ؟ على قولين حكيا روايتين عن الإمام أحمد، والتحقيق أن أصله ومادته من القلب وينتهي إلى الدماغ" (^٦).
_________________
(١) أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله بن تيمية الحراني شيخ الإسلام، أبو العباس، الإمام العالم المفسر الفقيه المجتهد الحافظ المحدث، نادرة العصر، ذو التصانيف الباهرة، والذكاء المفرط، وطلب الحديث، واشتغل بالعلوم حتى صار من الأئمة الأعلام؛ كان عالِمًا باختلاف العلماء، وأعرف الناس بفقه المذاهب من أهلها الذين كانوا في زمانه وغيره، متضلعًا في الأصول والفروع والنحو واللغة، وله التصانيف الكثيرة. توفي ﵀ سنة (٧٢٨ هـ). ينظر: البداية والنهاية (١٨/ ٢٩٥)، الدرر الكامنة (١/ ١٦٨) لابن حجر العسقلاني، ت: محمد ضان، مجلس دائرة المعارف العثمانية الهند، ط ٢، ١٣٩٢ هـ، البدر الطالع (١/ ٦٣) للشوكاني، دار المعرفة بيروت.
(٢) وفي هذا -والله أعلم- إشارة إلى ترجيحه لهذا القول.
(٣) أي: القلب والدماغ.
(٤) مجموع الفتاوى (٩/ ٣٠٣ - ٣٠٤) لابن تيمية، جمع: عبد الرحمن بن قاسم، الناشر: مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف، المدينة النبوية، المملكة العربية السعودية، ١٤١٦ هـ. ومن أراد أن يتوسع في هذه المسألة، فلينظر كلام شيخ الإسلام ﵀ في مجموع الفتاوى (٩/ ٣٠٣ - ٣٠٤).
(٥) الإمام العلامة شمس الدين محمد بن أبي بكر بن أيوب الزرعي ثم الدمشقي الحنبلي المفسر النحوي الأصولي، الشهير بابن قيم الجوزية، وسمع الحديث واشتغل بالعلم، وبرع في علوم متعددة لا سيما علم التفسير والحديث والأصلين، لازم شيخ الإسلام سنين عدة وأخذ عنه علمًا وافرًا، وفاق أقرانه، واشتهر في الآفاق، وتبحر في معرفة مذاهب السلف، وله مصنفات قيمة، منها: زاد المعاد، وإعلام الموقعين، وبدائع الفوائد. مات رحمه الله تعالى في سنة (٧٥١ هـ). ينظر: البداية والنهاية (١٨/ ٥٢٣)، الدرر الكامنة (٥/ ١٣٧)، البدر الطالع (٢/ ١٤٣).
(٦) التبيان في أقسام القرآن (٤٠٤).
[ ٣٨ ]
وقال الشيخ ابن عثيمين (^١) ﵀: "فالعقل في القلب، والقلب في الصدر، لكن الدماغ يستقبل ويتصور، ثم يرسل هذا التصور إلى القلب لينظر أوامره، ثم ترجع الأوامر من القلب إلى الدماغ، ثم ينفذ الدماغ.
إذن الدماغ بمنزلة (السكرتير) (^٢) ينظم المعاملات ويرتبها، ثم يرسلها إلى القلب، إلى المسؤول الذي فوقه، هذا القلب يوقِّع يمضي أو يرد، ثم يدفع المعاملة إلى الدماغ، والدماغ يأمر الأعصاب وتتمشى، وهذا القول هو الذي تطمئن إليه النفس، وهو الموافق للواقع" (^٣).
وقال الشيخ الشنقيطي ﵀: "وجمع بعض العلماء بين قول أهل السنة وقول الفلاسفة بأن قال: إن أصل العقل في القلب كما في الكتاب والسنة، إلا أن نوره يتصل شعاعه بالدماغ" (^٤).
_________________
(١) الإمام الفقيه أبو عبد الله محمد بن صالح بن محمد بن عثيمين المقبل الوهيبي التميمي. ولد الشيخ في مدينة عنيزة في أسرة يعرف عنها الدين والاستقامة والصلاح، يعتبر من أكابر علماء هذا العصر الذين نصروا ورفعوا عقيدة السلف الصالح، ومؤلفاته في نصرة عقيدة أهل الكتاب والسنة أشهر من أن تذكر، فدروسه ومحاضراته وخطبه ومؤلفاته شاهدة على وضوح هذا الأمر، ويعد الشيخ ﵀ من المراجع الرئيسة لطلبة العلم بل وللعلماء في معرفة عقيدة السلف، وأما مؤلفاته فكثيرة جدًّا منها: فتح رب البرية بتلخيص الحموية، وشرح الواسطية لابن تيمية، والشرح الممتع على زاد المستقنع. كان ﵀ زاهدًا ورعًا متواضعًا، مشهودًا له بمواقف الخير والجهاد في سبيل الله تعالى والدعوة إليه، وتوفي ﵀ سنة (١٤٢١ هـ). ينظر: موسوعة مواقف السلف (١٠/ ٤٣٤)، الموسوعة الميسرة في تراجم أئمة التفسير والإقراء والنحو واللغة (٣/ ٢١١٨).
(٢) كلمة محدثة تطلق على من يقوم بحفظ سر العمل، ويسمى الأمين، مدير المكتب الذي يقوم على ترتيب المعاملات حسب أهميتها أو حسب ما يتفق عليه، ويوصلها إلى رئيس الدائرة، ويسمى قديمًا الحاجب. ينظر: المعجم الوسيط (٢/ ٧٧٦) مادة (كتم)، معجم لغة الفقهاء (١٧٥) لمحمد قلعجي وقنيبي، دار النفائس، ط ٢، ١٤٠٨ هـ.
(٣) مجموع فتاوى ورسائل العثيمين (٧/ ٣٠٠).
(٤) العذب النمير (١/ ١٦٠).
[ ٣٩ ]
وقال أيضًا عن هذا القول: "ومَنْ جمع بين القولين فقوله جائز عقلًا، ولا تكذيب فيه للقرآن ولا للسنة، ولكنه يحتاج إلى دليل يجب الرجوع إليه، ولا دليل عليه من النقل، فإن قام عليه دليل من عقل أو استقراء محتج به فلا مانع من قبوله، والعلم عند الله تعالى" (^١).
والذي يظهر أنه قد قام الدليل من السنة والعقل والحس على الترابط بين أجزاء الجسد، وتأثير القلب فيها جميعًا، كما في حديث النعمان بن بشير -﵁- الذي سبق (^٢)، ويدل على الترابط بين أجزاء الجسد أيضًا قوله -ﷺ-: «مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ مَثَلُ الْجَسَدِ؛ إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى» (^٣).
فالقلب إذن الذي هو محل العقل مرتبطٌ بالدماغ الذي يقوم بمهمة تحريك الأعضاء وتنفيذ الأوامر الصادرة من العقل الذي في القلب، والله أعلم.