١٠ - ويدل على أهمية عمل القلب وعظيم مكانته عند الله: أنه ذكر -﷾- في اثنتي عشرةَ آية أنه عليم بذات الصدور وهي القلوب (^١)، وهذا يجعل المؤمن على خوف وحذر من أعمال القلوب التي لا يحبها الله؛ لأن الله لا يخفى عليه شيء منها، وقد أحاط بها علمًا.
ودونَك بعض هذه الآيات التي تبين هذه الحقيقة العظيمة، التي متى ما رسخت في القلب أثمرت الخوف من الله، وخشيته في السر والعلن:
قال تعالى: ﴿هَاأَنْتُمْ أُولَاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلَا يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ [آل عمران: ١١٩].
وقال تعالى: ﴿أَلَا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ أَلَا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ [هود: ٥].
وقال تعالى: ﴿يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَهُوَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ [الحديد: ٦].
وقال تعالى: ﴿يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ [التغابن: ٤].
_________________
(١) ينظر: تفسير البغوي (٢/ ٩٦، ٣/ ٢٦)، فتح القدير (٤/ ٥١٩) للشوكاني، دار ابن كثير، دار الكلم الطيب، دمشق، بيروت، ط ١، ١٤١٤ هـ، تفسير السعدي (٢٢٤).
[ ٦٦ ]
قال الطبري ﵀: "والله ذو علم بالذي في صدور خلقه من خير وشر وإيمان وكفر، لا يخفى عليه شيء من أمورهم، سرائرها وعلانيتها، وهو لجميع ذلك حافظ، حتى يجازي جميعهم جزاءهم على قدر استحقاقهم" (^١).
١١ - طهارة القلب وصلاحه من أسباب النجاة من خزي الدنيا وعذاب الآخرة:
قال تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [المائدة: ٤١].
ومما يدل على أهمية عمل القلب ما يستنبط من الآية الكريمة أن طهارة القلوب سبب للسلامة من خزي الدنيا وعذاب الآخرة (^٢)، قال السعدي ﵀: "ودل على أن طهارة القلب سبب لكل خير، وهو أكبر داع إلى كل قول رشيد وعمل سديد" (^٣).
١٢ - ولمكانة خشوع القلب لذكر الله تعالى وما نزل من الحق، فقد عاتب المؤمنين على عدم ذلك، وحذرهم من قسوة القلب:
قال تعالى: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ [الحديد: ١٦].
_________________
(١) تفسير الطبري (٦/ ١٧٠).
(٢) وهذا يكون بمفهوم المخالفة، وهو حجة عند جمهور أهل الأصول ما عدا الأحناف. ينظر: روضة الناظر وجنة المناظر (٢/ ١١٤) لابن قدامة المقدسي، مؤسسة الريّان للطباعة والنشر والتوزيع، ط ٢، ١٤٢٣ هـ.
(٣) تفسير السعدي (٢٣٢).
[ ٦٧ ]
قال ابن مسعود -﵁-: "ما كان بين إسلامنا وبين أن عاتبنا الله بهذه الآية: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الحديد: ١٦] إلا أربع سنين" (^١).
وقال السعدي ﵀ في تفسيره لهذه الآية: "أي: ألم يجئ الوقت الذي تلين به قلوبهم وتخشع لذكر الله الذي هو القرآن، وتنقاد لأوامره وزواجره، وما نزل من الحق الذي جاء به محمد -ﷺ-؟! وهذا فيه الحث على الاجتهاد على خشوع القلب لله تعالى، ولما أنزله من الكتاب والحكمة، وأن يتذكر المؤمنون المواعظ الإلهية والأحكام الشرعية كل وقت، ويحاسبوا أنفسهم على ذلك، ﴿وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ﴾ أي: ولا يكونوا كالذين أنزل الله عليهم الكتاب الموجب لخشوع القلب والانقياد التام، ثم لم يدوموا عليه، ولا ثبتوا، بل طال عليهم الزمان واستمرت بهم الغفلة، فاضمحل إيمانهم وزال إيقانهم، ﴿فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾، فالقلوب تحتاج في كل وقت إلى أن تذكر بما أنزله الله، وتناطق بالحكمة، ولا ينبغي الغفلة عن ذلك؛ فإن ذلك سبب لقسوة القلب وجمود العين" (^٢).