الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيِّئات أعمالنا، مَن يهده الله فلا مُضلَّ له، ومَن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، أرسله بالهدى ودين الحقِّ ليُظهره على الدِّين كلِّه، فبلَّغ الرسالةَ وأدَّى الأمانةَ، ونصحَ الأمَّةَ، اللَّهم صل وسلم وبارك عليه، وعلى آله وأصحابه، ومَن سلك سبيلَه واهتدى بهديه إلى يوم الدِّين.
أما بعد: فالسلام عليكم أيها الإخوة المسلمون المستمعون في أمريكا ورحمة الله وبركاته، وأسأل الله ﷿ لي ولكم العونَ والتسديدَ، وأن يوفِّقنا جميعًا لِمَا يُرضيه.
[ ٣ ]
وحديثي معكم في الموضوع الذي رغبتم الحديثَ فيه؛ وهو أثرُ العبادات في حياة المسلم، فأقول: العبادةُ اسمٌ جامعٌ لكلِّ ما يُحبُّه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة، وهذا هو أحسن ما قيل في تعريف العبادة، وللعبادة أهميةٌ عُظمى؛ وذلك أنَّ الله ﷿ خلق الخَلقَ وأرسل الرسلَ وأنزلَ الكتبَ للأمر بعبادته والنهي عن عبادة غيره، فقال ﷾: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالأِنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ﴾ أي: خلقهم الله لأمرهم بعبادته ونهيهم عن معصيته، وقال ﷾: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ فقال سبحانه: ﴿مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾
والعبادة أنواعٌ كثيرة؛ منها الخوف والرجاء والتوكل والرغبة والرهبة والإنابة والاستعانة والاستغاثة
[ ٤ ]
والذبح والنذر وغير ذلك من أنواع العبادة.
ومن العبادات؛ أركان الإسلام وهي التي اشتمل عليها حديث جبريل المشهور، حيث سأل النَبِيَّ صلى الله عيه وسلم عن الإسلام فقال: "أن تشهدَ أن لا إله إلا الله، وأنَّ محمدًا رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلًا" أخرجه مسلم في صحيحه من حديث عمر ﵁، وهو أوَّلُ حديث عنده في كتاب الإيمان (٨) .
وجاءت في حديث عبد الله بن عمر ﵄ حيث قال ﵊: "بُنِيَ الإسلامُ على خمس؛ شهادة أن لا إله إلا الله وأنَّ محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وحجّ البيت، وصوم رمضان " وهو أوَّلُ حديث عند البخاري في كتاب الإيمان (٨)، وهو في صحيح مسلم (١٩) .
[ ٥ ]
ثمَّ إنَّ العبادة لا بدَّ في قبولها من شرطين؛ أحدهما: إخلاص العمل لله، والثاني: تجريد المتابعة لرسول الله، فلا بدَّ من تجريد الإخلاص لله وحده، فلا يُشرَكُ مع الله غيره، ولا يُصرفُ من أنواع العبادة شيء لغير الله ﷾، ولا بد من تجريد المتابعة للرسول، فلا يُعبد الله إلاَّ وفقًا لما جاء به الرسول الكريم صلوات الله وسلامه وبركاته عليه، وهذا هو مقتضى شهادة أن لا إله إلا الله وشهادة أنَّ محمدًا رسول الله؛ لأنَّ مقتضى أشهد أن لا إله إلا الله إخلاص العمل لله وحده، فلا يُصرف شيء من أنواع العبادة لغيره، بل تكون العبادات كلُّها خالصةً لوجهه ﷾، ومقتضى أشهد أن محمدًا رسول الله أن تكون العبادةُ وفقًا لِمَا جاء عن الرسول الكريم ﷺ، فلا يُعبد الله بالبدع والمحدثات والمنكرات التي ما أنزل الله تعالى بها
[ ٦ ]
من سلطان، بل تكون العبادة وفقًا للسنة، ولما جاء به الرسول الكريم ﷺ.
والحاصلُ أنَّ مقتضى أشهد أن لا إله إلا الله إخلاص العمل لله، ومقتضى أشهد أنَّ محمدًا رسول الله ﷺ تجريد المتابعة لرسول الله ﷺ، فلا بدَّ في أيِّ عملٍ من الأعمال أن يكون لله خالصًا وأن يكون لسنة نبيه محمدٍ ﷺ موافقًا ومطابقًا، فإذا اختلَّ أحَدُ هذين الشرطين بأن فُقد الإخلاصُ، أو فُقدت المتابعةُ، أو فُقِدَا معًا فإنَّ العملَ مردودٌ على صاحبه، ولا يقبل عند الله ﷿، قال تعالى: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾ في بيان ردّ العمل بسبب عدم الإخلاص: وقال الرسول الكريم ﷺ في بيان ردِّ العمل إذا كان مبنيًا على بدعة: "مَن أحدثَ في أمرنا هذا ما ليس منه فهو ردٌّ" رواه البخاري (٢٦٩٧)، ومسلم (١٧١٨) من حديث
[ ٧ ]
عائشة ﵂، وفي لفظ لمسلم: "مَن عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو ردٌّ"
وقال ﵊: "فإنَّه مَن يعش منكم بعدي فسيرى اختلافًا كثيرًا، فعليكم بسُنَّتِي وسُنَّة الخلفاء المهديين الراشدين تَمسَّكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ، وإيّاكم ومحدثات الأمور، فإنَّ كلَّ محدثة بدعة، وكلَّ بدعة ضلالة" رواه أبو داود (٤٦٠٧)،والترمذي (٢٦٧٦) من حديث العرباض ابن سارية، وقال الترمذي: "حديث حسن صحيح"
وقد بَيَّن ﵊ في حديث الثلاث وسبعين فرقة الذين يَدخل منهم النار اثنتان وسبعون فرقة، وفرقةٌ واحدة تنجو، بَيَّن ﵊ أنَّ هذه الفرقة الناجية هم الذين كانوا على ما كان عليه رسول الله ﷺ وأصحابُه الكرام رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم.
[ ٨ ]
وقال الإمام مالك بن أنس رحمة الله عليه: "لن يصلح آخر هذه الأمّة إلاَّ بما صلح به أوّلها "، وقال ﵀: "مَن ابتدع في الإسلام بدعةً يراها حسنة فقد زعم أنَّ محمدًا خان الرسالة؛ لأنَّ الله يقول: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ فما لَم يكن يومئذ دينًا فلا يكون اليوم دينًا ".الاعتصام للشاطبي (١/٢٨) .
ولا يكفي أن يقول الإنسانُ أنا أعمل بهذا العمل وإن لَم يأتِ عن النَّبِيِّ ﷺ؛ لأنَّ قصدي طيبٌ وقصدي حسنٌ، والدليل على هذا أنَّ النَبِيَّ ﵊ لَمَّا بلغه أنَّ رجلًا من أصحابه الكرام ذبح أُضحيتَه قبل صلاة العيد قال له ﵊: "شاتُك شاةُ لحم" أي: ليست أضحية؛ لأنَّها لم تقع طبقًا للسُّنَّة، إذ إنَّ السُّنَّةَ أن يبدأ ذبح الأضاحي بعد صلاة العيد، أما الذبح قبل الصلاة فإنَّه يكون في غير وقته فلا يعتبر، والحديث أخرجه
[ ٩ ]
البخاري (٥٥٥٦)، ومسلم (١٩٦١)، وقال الحافظ في شرحه في الفتح (١٠/١٧): "قال الشيخ أبو محمد بن أبي جمرة: وفيه أنَّ العمل وإن وافق نيَّةً حسنة لم يصح إلاَّ إذا وقع على وفق الشرع ".
ومِمَّا يوضح ذلك أيضًا أنَّ عبد الله بن مسعود ﵁، صاحب الرسول الله ﷺ جاء إلى أُناس وقد تَحلَّقوا في المسجد، ومع كل واحد منهم عدد من الحصى، وفيهم رجل يقول سبِّحوا مائة، هلِّلوا مائة، كبِّروا مائة، فيعدون بالحصى حتى يأتوا بهذا الذِّكر، يعدونه بذلك الحصى، فوقف على رؤوسهم عبد الله بن مسعود ﵁ فقال: "ما هذا الذي أراكم تصنعون؟ قالوا: يا أبا عبد الرحمن! حصى نعدُّ به التكبيرَ والتهليلَ والتسبيحَ، قال: فعُدوا سيئاتكم فأنا ضامن أن لا يضيع من حسناتكم شيء، ويحكم يا أمّة محمد! ما
[ ١٠ ]
أسرع هلكتكم! هؤلاء صحابة نبيكم ﷺ متوافرون، وهذه ثيابُه لم تَبْلَ، وآنيتُه لم تكسر، والذي نفسي بيده إنكم لعلَى مِلَّة هي أهدى من مِلَّة محمد ﷺ أو مفتتحو باب ضلالة؟! قالوا: والله يا أبا عبد الرحمن! ما أردنا إلا الخير، قال: وكم من مريد للخير لن يصيبه "،هذا الأثر رواه الدارمي في سننه (١/٦٨–٦٩)،وأورده الألباني في السلسلة الصحيحة (٢٠٠٥) .
وأمّا الآثار المترتبة على العبادات فمنها؛ انشراحُ الصدر، وراحةُ البال، وسَعةُ الرزق، وسلامةُ الإنسان وارتياحُه واطمئنانُه.
وقد جاء في القرآن آياتٌ كثيرة، وفي السنة النبوية أحاديث عديدة، تدلّ على تلك الآثار، وعلى أنَّ تقوى الله ﷿ والأعمال الصالحة يترتب عليها سعادة الدنيا وسعادة الآخرة.
[ ١١ ]
قال الله ﷿: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ فإنَّ هذه الآيةَ الكريمة اشتملت على ذِكر العبادة، وعلى ذِكر الأثر المترتب عليها في حياة المسلم، وهي أنَّ من اتقى الله ﷿ وآمن به فإنَّ الله تعالى يُثيبُه ويعطيه في الحياة الدنيا من الرزق، ويفتح عليه من بركات السماء والأرض وذلك بإنزال الأمطار، وإخراج النبات والكنوز من الأرض.
وقال ﷿ في أهل الكتاب: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ﴾ يعني من الأرزاق التي يُنْزِلُها الله ﷿ إليهم من السماء بسبب المطر، وكذلك مِن تحت أرجلهم مِمَّا ينبته الله ﷿ في الأرض من
[ ١٢ ]
النبات والزروع، وكذلك مِمَّا يخرجه الله ﷿ من الكنوز، وما ذكره الله في هاتين الآيتين عن أهل القرى، وأهل الكتاب، هو من الثواب الدنيوي على الإيمان والتقوى، وأمّا الثواب الأخروي للمؤمنين المتقين فقد ذكره الله تعالى في قوله: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأَدْخَلْنَاهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ﴾ .
وقال ﷿: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا﴾ وهذه عبادة، ثم ذكر الأثر المترتب على ذلك بقوله: ﴿يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾، فإنَّ إصلاحَ الأعمال، ومغفرةَ الذنوب في الآخرة، من الآثار المترتبة على العبادة، فقد اشتملت هذه الآية الكريمة، على ذكر آثار تترتب على العبادة في الدنيا وفي الآخرة، ففي الدنيا إصلاح الأعمال والتوفيق
[ ١٣ ]
والسداد، وأن يكون الإنسان يسير إلى الله ﷿ على بصيرة، وفي الآخرة مغفرة الذنوب، وتكفير السيِّئات.
وقال الله ﷿: ﴿مَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ﴾ فهذه الآية الكريمة فيها أنَّ تقوى الله ﷿ وهي عبادتُه وطاعته بامتثال أوامره واجتناب نواهيه يترتب عليها الإخراج من المآزق ومن الشدائد، وكذلك يرزق الله ﷿ مَن أطاعه واتقاه من حيث لا يحتسب.
وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا﴾ فإنَّ من الآثار المترتبة على تقوى الله ﷿ أن ييسِّر له الأذمور، وأن يهيِّئ له سبل الخير، وأن يفتح الطرقَ التي توصله إلى سعادة الدنيا وسعادة الآخرة. وقال ﷿: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْرًا﴾ وهذا من الثواب الأخروي المترتب
[ ١٤ ]
على تقوى الله ﷾
وقال ﷿: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ فهذه الآية الكريمة تدل على أنَّ مَن اتقى الله ﷿، وعمل بطاعته وطاعة رسوله ﷺ يجعل له فرقانًا يفرق به بين الحق والباطل، ويسير إلى الله ﷿ على بصيرة وعلى هدى وهذا في الدنيا، وأمّا في الآخرة فيثيبه بتكفير السيِّئات ومغفرة الذنوب، ومثل قول الله ﷿ في صدر هذه الآية ﴿إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا﴾ قول الله تعالى في آخر آية الدين: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ﴾
وقال تعالى فيما حكاه عن نوح وقومه: ﴿قُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا َيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا﴾ فإنَّ هذه الأمور من الآثار المترتبة
[ ١٥ ]
على العبادة، فالعبادة هنا هي الاستغفار والآثار المترتبة عليها في هذه الآية هي أنه يرسل السماء عليهم مدرارًا، ويُمددهم بالأموال والبنين، ويجعل لهم جنات ويجعل لهم أنهارًا.
ومثل هذه الآية ما ذكره الله عن هود وقومه في قوله: ﴿وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ﴾ ومثلها أيضًا ما ذكره الله عن نبينا محمد ﷺ وقومه في قوله: ﴿وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعًا حَسَنًا إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ﴾
وقال تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ففي الآية الكريمة أنَّ الإيمان والعمل الصالح يترتب عليهما أن يحي الإنسان
[ ١٦ ]
حياة طيبة سعيدة، معمورة بتقوى الله وطاعته وطاعة رسوله صلوات الله وسلامه وبركاته عليه، مع ما يحصله من الثواب الجزيل في الآخرة.
ومِمَّا جاء في السنة المطهرة في بيان ما يترتب على العبادات من الآثار الطيبة في حياة المسلم ما جاء في وصية النَبِيِّ الكريم لابن عباس ﵄ حيث قال ﵊ في تلك الوصية العظيمة النفيسة: "احفَظ الله يحفظك، احفظ الله تَجده تجاهك " رواه الترمذي (٢٥١٦) وقال: "حديث حسن صحيح ". وفي لفظ آخر عند الإمام أحمد (٢٨٠٣): "احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده أمامك تعرَّف إليه في الرَّخاء يعرفك في الشدة " وهذا الحديث هو الحديث التاسع عشر من الأربعين النووية وجاء في شرحها للحافظ ابن رجب في كتابه جامع العلوم والحكم معانٍ نفيسه في شرح
[ ١٧ ]
هذا الحديث استفدت منه في بيان معاني هذه الجمل من الحديث، وحفظ الله ﷿ لعبده يدخل فيه نوعان: حفظه في بدنه وماله وأولاده وأهله، وكذلك حفظه في دينه بأن يَسلم من الشبهات المضلَّة ومن الشهوات المحرمة، فيكون بذلك على سداد وعلى استقامة في أمور دينه ودنياه، وهذا من حفظ الله ﷿ لِمَن حفظه، فالعبدُ يحفظ اللهَ ﷿ بحفظ حدوده والقيام بأوامره واجتناب نواهيه، واللهُ تعالى يثيبه على ذلك الحفظ حفظًا من جنس عمله، والجزاء من جنس العمل.
فإنَّ قوله: "يحفظك" هذا جزاء، وهو من الآثار المترتبة على العمل الصالح، وهو جزاء من جنس العمل، وقوله: "احفظ الله تجده تجاهك " أي: أنَّك تجد الله ﷿ أمامك فيحوطك ويرعاك، ويحفظك من كلِّ سوء، وقوله ﵊:
[ ١٨ ]
"تعرَّف إليه في الرخاء يعرِفْك في الشدَّة " أي: أنَّك إذا لزمت طاعةَ الله وطاعة رسوله ﷺ في حال رخائك، وفي حال سعتك، فإنَّ الله ﷿ يُثيبك بأن يحفظَك في الشدائد وفي حال وقوعك في المآزق. ومِمَّا يوضح أنَّ مَن تَعرَّف إلى الله ﷿ في الرخاء عرَفَه الله تعالى في الشدَّة ما جاء في قصة الثلاثة الذين آواهم المبيت إلى غار، فانحدرت عليهم صخرةٌ، وسدَّت بابَ الغار فلم يستطيعوا أن يخرجوا، فصاروا في قبرٍ وهم أحياء فتذاكروا فيما بينهم، فرأوا أنَّ السببَ الذي يخلصهم الله ﷿ به مما هم فيه من الشدة، أن يبحثوا عن أعمال صالحة عملوها لله ﷿ في حال الرخاء، فيتوسلوا بها إلى الله ﷿ في هذه الشدَّةِ التي وقعوا فيها؛ فتوَسَّلَ أحدُهم إلى الله ﷿ بِبِرِّه لوالديه، وتوسَّلَ الثاني بتَركه الزنى مع قُدرَتِه عليه، وتوسَّل الثالثُ بحفظ حق أجيره
[ ١٩ ]
وتنميته له لَمَّا ذهب قبل أخذه، فكلُّ واحد منهم توسَّل إلى الله ﷿ بعمل صالح عمله لله ﷿ في حال رخائه، فأزاح الله تعالى تلك الصخرة، وخرجوا يمشون.
وقصة هؤلاء الثلاثة جاءت في صحيح البخاري (٢٢١٥)، ومسلم (٢٧٤٣) من حديث عبد الله بن عمر ﵄.
ثم إنَّ من العبادات الصلاة والزكاة والصيام والحج، وكلُّ واحدة منها لها آثار طيبة في حياة المسلم.
فالصلاةُ هي عمود الإسلام، وهي التي تنهى عن الفحشاء والمنكر، وهي صلةٌ وثيقةٌ بين العبد وبين ربِّه، فإذا حافظ الإنسانُ على الصلوات في المساجد جماعة مع المسلمين فإنَّه تقوى صلته بالله ﷿، لأنَّه يكون على صلة بالله دائمًا وأبدًا في اليوم والليلة،
[ ٢٠ ]
يصلي لله خمس مرات صلوات مفروضة، وكذا ما يأتي به من النوافل فإنَّ الله سبحانه وتعالي يثيبه على ذلك كلِّه، فيبعده عن الفحشاء والمنكر؛ لأنَّه إذا همَّ بمعصية وهمَّ بأمر منكر، تذكَّر لماذا يصلي؟ ولماذا يلازم الصلاة؟ إنَّه يفعل ذلك رغبة فيما عند الله من الثواب وخوفًا مما عنده من العقاب، فإنَّ صلاته تنهاه عن الفحشاء والمنكر، فيكون بعيدًا عن الفحشاء وبعيدًا عن المنكر، قال الله ﷿: ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾
ثم إنَّ الزكاةَ آثارُها عظيمة؛ فهي تطَهِّر النفسَ من الشُّح والبخل، وتطهر المال، وتكون سببًا في نمائه وكثرته، ويحصل بها ما يسمى في هذا الزمان (بالتكافل الاجتماعي) وهو أنَّ الأغنياءَ عندما يخرجون زكاة أموالهم ويعطونها للفقراء، فإنَّ الفقراء تنسد بذلك حاجاتهم ويحصل لهم القوت بسبب هذا
[ ٢١ ]
الحق الذي فرضه الله ﷿ في أموال الأغنياء، وقد جاء في حديث معاذ بن جبل المتفق على صحته قوله:ﷺ "فإن هم أجابوا لذلك - أي استجابوا للصلاة - فأَعلمهم أنَّ الله افترض عليهم صدقةً في أموالهم، تُؤخذ من أغنيائهم فتُرَدُّ على فقرائهم" ففي إخراج الزكاة نفعٌ كبير للأغنياء حيث تتطَهَّر نفوسُهم، وتنمو أموالُهم، ويُثابون على إحسانهم إلى إخوانِهم المسلمين، الذين حصل لهم الفقر، وحصلت لهم الفاقةُ والشِّدَّةُ، فيحصل إغناؤهم بهذه الصدقة التي تَسدُّ حاجتهم، وتقضي عوزَهم، والله ﷿ فرض الزكاةَ في أموال الأغنياء على وجه ينفع الفقير، ولا يضر الغني، فهي جزءٌ يسيرٌ من مالٍ كثير تفضَّل الله ﷿ به وجاد، وأوجب ذلك القسط القليل الذي لا يؤثر على الغني إخراجه وهو ينفع ذلك الفقير الذي أعدم ولم يحصل له شيء من المال.
[ ٢٢ ]
ومن الآثار الحسنة المترتبة على الصدقة والإحسان إلى المساكين ما جاء في صحيح مسلم (٢٩٨٤) من حديث أبي هريرة ﵁ عن النَبِيِّ ﷺ قال: "بينا رجلٌ بفلاة من الأرض، فسمع صوتًا في سحابة: اسق حديقةَ فلان، فتنحَّى ذلك السحاب فأفرغ ماءَه في حَرَّةٍ، فإذا شَرْجَةٌ من تلك الشِّرَاج قد استوعبت ذلك الماء كلَّه، فتتبَّع الماءَ فإذا رجلٌ قائمٌ في حديقة يحوّل الماء بِمِسْحَاتِه، فقال له: يا عبد الله ما اسمك؟ قال: فلان، للاسم الذي سمع في السحابة، فقال له: يا عبد الله لِمَ تسألني؟ فقال: إنِّي سمعت صوتًا في السحاب الذي هذا ماؤه يقول: اسق حديقة فلان لاسمك، فما تصنع فيها؟ قال: أمّا إذ قلت هذا، فإنِّي أنظر إلى ما يخرج منها، فأتصدّق بثلثه، وآكل أنا وعيالي ثلثًا، وأردّ فيها ثلثه ". وفي رواية له: "وأجعل ثلثَه في المساكين والسائلين وابن السبيل".
[ ٢٣ ]
وأمّا الصيامُ فإنَّ آثارَه عظيمةٌ، ونتائجَه كبيرةٌ، وذلك أنَّ في الصيام جُنَّةً، كما قال رسول الله ﷺ: "الصيامُ جُنَّة" رواه البخاري (١٨٩٤)، ومسلم (١١٥١)، فهو جُنَّةٌ من النار، ووقايةٌ منها في الدار الآخرة، وهو جُنَّةٌ من المعاصي؛ إذ إنَّ فيه إضعاف قوة الشهوة في النفس، فيكبح جِماحَها، ويحول بينها وبين أن تقع في المزالق، وتقع في الأمور المحرمة، بسبب التمتع بالنعم والتلذذ بها، فإنَّ النفس قد تقدم بسبب ذلك على ما لا تحمد عقباه في الدنيا والآخرة، ولهذا قال النَبِيُّ الكريم ﵊:" حُفَّت الجنّة بالمكاره، وحُفَّت النار بالشهوات" رواه البخاري (٦٤٨٧) ومسلم (٢٨٢٢)، واللفظ لمسلم، فالطريق إلى الجنّة يحتاج إلى صبر على طاعة الله ﷿، ويحتاج إلى صبر عن المعاصي، والطريق إلى النار محفوفٌ بالشهوات،
[ ٢٤ ]
فإذا ابتعد الإنسانُ عن تلك الشهوات ظفر بالسلامة، وإذا أقدم على الشهوات فإنَّ ذلك قد يوقعه في الأمور المحرمة، وتكون لذة عاجلة ولكن يعقبها حسرةٌ وندامةٌ وخزيٌ وعارٌ في الدنيا والآخرة، وقد جاء في الحديث المتفق على صحته عن عبد الله بن مسعود ﵁ أنَّ الرسول ﷺ قال:"يا معشرَ الشباب مَن استطاع منكم الباءةَ فليتزوَّج، فإنَّه أحصنُ للفرج، وأغضُّ للبصر، ومن لَم يستطع فعليه بالصومِ، فإنَّه له وِجَاء"، فقد بيَّن ﵊ أنَّ الإنسان إذا كان قادرًا على الزواج، فعليه أن يبادرَ إليه ليُعفَّ نفسه، وليعفَّ غيره، وإذا كان غيرَ قادر فإنَّه يتعاطى هذا العلاج النبوي الذي أرشد إليه الرسول الكريم صلوات الله وسلامه وبركاته عليه وهو الصيام؛ لأنَّه حميةٌ ووقايةٌ من أن يقعَ الإنسانُ في المعاصي، وذلك لما يحصل في الصوم
[ ٢٥ ]
من إضعاف النفس وعدم تمكنها من الأمور التي كانت تتمكَّن منها في حال التنعم في المآكل والمشارب.
والحاصل أنَّ هذا توجيهٌ نبويٌّ كريم من الرسول الكريم عليه أفضل الصلاة وأتمّ التسليم للشباب أن يقدموا على الزواج إذا تمكنوا من ذلك وقدروا عليه، وإذا لم يستطيعوا فإنَّهم يكبحون جماح نفوسهم بالصيام.
وفي صيام الأغنياء إحساسهم بألم الجوع، فيتذكرون نعمةَ الله عليهم بالغنى فيشكرون الله ﷿ ويشعرون بأنَّ لهم إخوانًا يتألَّمون من الجوع من غير صيام؛ لأنَّهم لا يجدون ما يسُدُّ رَمَقَهم فيكون ذلك حافزًا لهم على الإحسان إلى المساكين والبذل للمُعوزين والمحتاجين.
[ ٢٦ ]
وأمّا الحجُّ فإنَّه عبادة عظيمة، افترضها الله ﷿ على عباده في العمر مرة واحدة، وهي تشتمل على أمور تتعلَّق بالمال، وأمور تتعلَّق بالبدن، ولها آثارٌ طيبة، ونتائج حميدة في حياة الإنسان، وقد جاء عن النَبِيِّ الكريم ﵊: "العمرةُ إلى العمرة كفارةٌ لِمَا بينهما، والحجُّ المبرورُ ليس له جزاء إلاَّ الجنّة" رواه البخاري (١٧٧٣)، ومسلم (١٣٤٩) عن أبي هريرة ﵁، وسُئل رسولُ الله ﷺ عن أفضل الأعمال فقال: "الإيمانُ بالله ورسوله، قيل: ثمَّ ماذا؟ قال: الجهادُ في سبيل الله، قيل: ثمَّ ماذا؟ قال: حَجٌّ مبرور" رواه البخاري (٢٦)، ومسلم (٨٣) عن أبي هريرة ﵁، وقال رسول الله ﷺ: "مَن حَجَّ لله فلم يرفث ولَم يفسق رجع كيوم ولَدته أمُّه" رواه البخاري (١٥٢١)، ومسلم (١٣٥٠) عن أبي هريرة ﵁، والحجُّ المبرورُ هو الذي يأتي به الإنسان
[ ٢٧ ]
مطابقًا لسنة النَبِيِّ الكريم ﵊، وعلامتُه أن يكون بعد الحجِّ أحسنَ منه قبل الحجّ، فإذا تحوَّلت حالُ الإنسان بعد الحجِّ من حال سيِّئةٍ إلى حال حسنة، أو من حال حسنة إلى حال أحسن فهي العلامةُ الواضحةُ لكون حجِّه مبرورًا.
ثمّ أيضًا يترتب على أداء الحجّ والعمرة أنَّه يتقرَّب إلى الله ﷿ بعبادات لا وجود لها إلاَّ في ذلك المكان، مثل الطواف، فإنَّ الطوافَ عبادةٌ جعلها الله من خصائص بيته العتيق، فإذا وصل إلى مكة طاف بالبيت العتيق، وتقرَّب إلى الله ﷿ بعبادة لو لم يصل إلى مكة لما تقرّب إليه بها؛ لأنَّه لا وجود لها إلاَّ حول الكعبة المشرّفة، ويستذكر بذلك ويستشعر أنَّ أيَّ طواف يكون في أي مكان من الأرض ليس مِمَّا شرعه الله ﷿، فلا يجوز لأحد أن يطوفَ بضريح من الأضرحة، أو بأيِّ بقعة من الأرض سوى
[ ٢٨ ]
الكعبة المشرّفة. ومن ذلك تقبيل واستلام الحجر الأسود، واستلام الركن اليماني، فإنَّ الله ﷿ لَم يشرع للمسلمين أن يتقربوا إليه بتقبيل حجارة أو استلامها إلاَّ في هذين الموضعين، ولهذا لَمَّا جاء عمر بن الخطّاب رضي الله تعالى عنه وأرضاه إلى الحجر الأسود وقبَّلَه قال: "إنِّي أعلم أنَّك حجرٌ لا تَضرُّ ولا تنفع، ولولا أنِّي رأيتُ رسولَ الله يُقَبِّلُك ما قَبَّلْتُك" رواه البخاري (١٥٩٧)، ومسلم (١٢٧٠) .
ومن الآثار المترتبة على الحجّ والعمرة أنَّ المُحرِمَ عندما يتَجَرَّد من ثيابه ويلبس إزارًا ورداءً يستوي فيه الغنِيُّ والفقير، يتذكر بهذا اللباس لباسَ الأكفان عند الموت، فيستعد له بالأعمال الصالحة التي هي خير زاد كما قال تعالى: ﴿تَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾
[ ٢٩ ]
ومن ذلك أيضًا أنّ في اجتماع الحجّاج في عرفة تذكيرًا باجتماع الناس في الموقف يوم القيامة فيكون ذلك حافزًا للاستعداد لذلك اليوم بالأعمال الصالحة.
وفي الحجّ يلتقي المسلمون من مشارق الأرض ومغاربها، فيتعارفون، ويتناصحون، ويعرف بعضُهم أحوالَ بعض، فيتشاركون في الأفراح والمسرَّات، كما يشارك بعضهم بعضًا في آلامه، ويرشده إلى ما ينبغي له فعله، ويتعاونون جميعًا على البر والتقوى كما أمرهم الله سبحانه بذلك.
والحاصل أنّ هذه العبادات العظيمة التي شرعها الله ﷿، وبنَى عليها دينَه الحنيف، تترتب عليها آثار طيبة في حياة المسلم الدنيوية، وآثار عظيمة في حياته الأخروية.
[ ٣٠ ]