المقدمة الأولى: القرآن الكريم دواء وشفاء ونور وهداية، لا ينتفع به العبد إلا إذا كان محله قابلًا لذلك، وقال في الخلاصة: "وهو القلب الحي؛ وذلك أن القلب إذا كان زكيًّا يَقِظًا أثمر ذلك فيه كل وصف ومعنى شريف؛ لأن «القلب إذا كان رقيقًا لينًا كان قبوله للعلم سهلًا يسيرًا، ورسخ العلم فيه وثبت وأَثَّر، وإن كان قاسيًا غليظًا كان قَبوله للعلم صعبًا عسيرًا.
ولا بد مع ذلك أن يكون زكيًّا صافيًا سليمًا؛ حتى يزكو فيه العلم ويثمر ثمرًا طيبًا، وإلا فلو قَبِل العلم، وكان فيه كَدَر وخبث، أفسد ذلك العلم، وكان كالدَّغَل في الزرع إن لم يمنع الحبَّ من أن ينبتَ منعه من أن يزكوَ ويطيب، وهذا بَيِّن لأُولي الأبصار» (^١).
ومن هنا كان الصحابة ﵃ يتعلمون الإيمان قبل القرآن.
فعن جندب بن عبد الله - ﵁ - قال: «كنا مع النبي ﷺ ونحن فتيان حَزَاوِرَة (^٢)، فتعلمنا الإيمان قبل أن نتعلم القرآن، ثم تعلمنا القرآن فازددنا به إيمانًا» (^٣).
وعن عبد الله بن عمر ﵁ قال: «لقد عشنا بُرْهَة من دهرنا، وإن أحدنا يُؤتَى الإيمان قبل القرآن، وتنزل السورة على محمد -ﷺ-، فنتعلم حلالها وحرامها، وآمِرَها وزَاجِرها، وما ينبغي أن يقف عنده منها، كما تَعَلَّمُون أنتم اليوم القرآن، ثم لقد رأيت اليوم رجالًا يُؤتَى أحدهم القرآن قبل الإيمان، فيقرأ ما بين فَاتِحَتِه إلى خَاتِمَتِه ما يدري ما آمِرُه ولا زَاجِرُه، ولا ما ينبغي أن يقف عنده منه» (^٤).
وعن حذيفة ﵁: «إنَّا قوم أُوتينا الإيمان قبل أن نُؤتَى القرآن، وإنكم قوم أُوتيتم القرآن
_________________
(١) مجموع الفتاوى (٩/ ٣١٥).
(٢) هو جمع حَزْوَرٍ، وهو الذي قارب البلوغ. النهاية في غريب الحديث والأثر (١/ ٣٨٠).
(٣) أخرجه ابن ماجه (١/ ٢٣) رقم (٦١)، والبيهقي في شعب الإيمان (١/ ١٥٢) رقم (٥٠)، والسنن الكبرى (٦/ ٧٨) رقم (٥٣٥٧)، وصححه الألباني في تحقيقه لسنن ابن ماجه رقم (٦١)، وقال شعيب الأرناؤوط في تحقيقه لسنن ابن ماجه (١/ ٤٢): «إسناده صحيح».
(٤) أخرجه الحاكم (١/ ٩١) رقم (١٠١) وصححه ووافقه الذهبي، والبيهقي في السنن الكبرى (٦/ ٧٨) رقم (٥٣٥٥).
[ ٦ ]
قبل أن تُؤتوا الإيمان» (^١).
وقد جاء عن عثمان ﵁: «لو طهرت قلوبكم ما شبعتم من كلام الله ﷿» (^٢).
وعلى قدر حياة القلب يكون تَأَثُّره وتَدَبُّره وتَذَكُّره، فتارة يقوى، وتارة يضعف، وقد ينعدم ويتلاشى، كما يدل على ذلك ما جاء في مواضع كثيرة من كتاب الله تعالى من الطبع على القلوب، والخَتْمِ عليها، وإزاغتها، فصاحب هذا القلب الأغلف أو المنكوس لا يحصل له شيء من التدبر والاعتبار والتفكر والانتفاع بما يقرأ أو يسمع من آيات الله تعالى.
قال ابن عباس ﵄ عند قوله تعالى: ﴿لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ﴾ [ق: ٣٧]: «كان المنافقون يجلسون عند رسول الله ﷺ ثم يخرجون، فيقولون: ماذا قال آنفًا؟! ليس معهم قلوب» (^٣)؛ يشير إلى قوله تعالى عن المنافقين: ﴿وَمِنْهُم مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتَّى إِذَا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ قَالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مَاذَا قَالَ آنِفًا أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ﴾ [محمد: ١٦] " انتهى المقصود من كتاب الخلاصة في تدبر القرآن (^٤).
_________________
(١) أخرجه البيهقي في السنن الكبرى (٦/ ٧٨) رقم (٥٣٥٦).
(٢) أخرجه الإمام أحمد في الزهد (ص ١٠٦) رقم (٦٨٠)، وأبو نعيم في حلية الأولياء (٧/ ٣٠٠).
(٣) أخرجه في الدر المنثور (٧/ ٦٠٨) عن ابن مردويه عن ابن عباس ﵄.
(٤) الخلاصة في تدبر القرآن الكريم (ص ٤١ - ٤٢).
[ ٧ ]