لأن تلاوة القرآن عبادة لله عظيمة لا تقبل إلا بإخلاص النية لله تعالى، ومجاهدة النفس على التخلص من المقاصد السيئة التي تكون لغير الله تعالى، ولهذا جاء التحذير من الخلل في النية وما يترتب عليه من خسارة عظيمة للعبد في الدنيا والآخرة، ومن ذلك ما ورد من حديث أَبِي أُمَامَةَ الْبَاهِلِيِّ -﵁- قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ -ﷺ- فَقَالَ: أَرَأَيْتَ رَجُلًا غَزَا يَلْتَمِسُ الْأَجْرَ وَالذِّكْرَ مَا لَهُ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «لَا شَيْءَ لَهُ»، فَأَعَادَهَا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، يَقُولُ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «لَا شَيْءَ لَهُ»، ثُمَّ قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ لَا يَقْبَلُ مِنَ الْعَمَلِ إِلَّا مَا كَانَ لَهُ خَالِصًا، وَابْتُغِيَ بِهِ وَجْهُهُ» (^١).
ومن أعظم ما يخيف المؤمن ما يحدث من خطر عظيم على من يقع في الرياء والعجب بعمله، وأن يحب أن يسمع ثناء الناس عليه عند تلاوته للقرآن في الدنيا، ما يحدث له من موقف مخيف تنخلع منه القلوب من شدة هوله، وتأمل معي في هذا الحديث العظيم الذي ينقل هذا المشهد من يوم القيامة، هذا المشهد الذي أبكى الصالحين بكاء عظيمًا وهم قد بلغوا في الصلاح مبلغًا عظيمًا من أصحاب النبي -ﷺ- بكى منه أبو هريرة ﵁ واغمي عليه، وبكى منه معاوية ﵁ بكاء شديدًا، فكيف بمن عداهم؟ دَخَلَ شُفيٌ الأصبحي المَدِينَةَ، فَإِذَا هُوَ بِرَجُلٍ قَدْ اجْتَمَعَ عَلَيْهِ النَّاسُ، فَقَالَ: مَنْ هَذَا؟ فَقَالُوا: أَبُو هُرَيْرَةَ، فَدَنَوْتُ مِنْهُ حَتَّى قَعَدْتُ بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُوَ يُحَدِّثُ النَّاسَ، فَلَمَّا سَكَتَ وَخَلَا قُلْتُ لَهُ: أَسْأَلُكَ بِحَقٍّ وَبِحَقٍّ لَمَا حَدَّثْتَنِي حَدِيثًا سَمِعْتَهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَقَلْتَهُ وَعَلِمْتَهُ، فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: أَفْعَلُ، لَأُحَدِّثَنَّكَ حَدِيثًا
_________________
(١) أخرجه النسائي (٦/ ٢٥) ح (٣١٤٠)، وجوَّد إسناده ابن حجر في الفتح (٦/ ٢٨)، وحسنه الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة (١/ ١١٨) ح (٥٢)، وقال في صحيح سنن النسائي (٢/ ٣٨٣ - ٣٨٤) ح (٣١٤٠): "حسن صحيح".
[ ١٧ ]
حَدَّثَنِيهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَقَلْتُهُ وَعَلِمْتُهُ، ثُمَّ نَشَغَ أَبُو هُرَيْرَةَ نَشْغَةً فَمَكَثْنَا قَلِيلًا ثُمَّ أَفَاقَ، فَقَالَ: لَأُحَدِّثَنَّكَ حَدِيثًا حَدَّثَنِيهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي هَذَا البَيْتِ مَا مَعَنَا أَحَدٌ غَيْرِي وَغَيْرُهُ، ثُمَّ نَشَغَ أَبُو هُرَيْرَةَ نَشْغَةً شَدِيدَةً، ثُمَّ أَفَاقَ فَمَسَحَ وَجْهَهُ فَقَالَ: أَفْعَلُ، لَأُحَدِّثَنَّكَ حَدِيثًا حَدَّثَنِيهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَنَا وَهُوَ فِي هَذَا البَيْتِ مَا مَعَنَا أَحَدٌ غَيْرِي وَغَيْرُهُ، ثُمَّ نَشَغَ أَبُو هُرَيْرَةَ نَشْغَةً شَدِيدَةً، ثُمَّ مَالَ خَارًّا عَلَى وَجْهِهِ فَأَسْنَدْتُهُ عَلَيَّ طَوِيلًا، ثُمَّ أَفَاقَ فَقَالَ: حَدَّثَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " أَنَّ اللَّهَ ﵎ إِذَا كَانَ يَوْمُ القِيَامَةِ يَنْزِلُ إِلَى العِبَادِ لِيَقْضِيَ بَيْنَهُمْ وَكُلُّ أُمَّةٍ جَاثِيَةٌ، فَأَوَّلُ مَنْ يَدْعُو بِهِ رَجُلٌ جَمَعَ القُرْآنَ، وَرَجُلٌ قُتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَرَجُلٌ كَثِيرُ المَالِ، فَيَقُولُ اللَّهُ لِلْقَارِئِ: أَلَمْ أُعَلِّمْكَ مَا أَنْزَلْتُ عَلَى رَسُولِي؟ قَالَ: بَلَى يَا رَبِّ. قَالَ: فَمَاذَا عَمِلْتَ فِيمَا عُلِّمْتَ؟ قَالَ: كُنْتُ أَقُومُ بِهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَآنَاءَ النَّهَارِ، فَيَقُولُ اللَّهُ لَهُ: كَذَبْتَ، وَتَقُولُ لَهُ المَلَائِكَةُ: كَذَبْتَ، وَيَقُولُ اللَّهُ: بَلْ أَرَدْتَ أَنْ يُقَالَ: إِنَّ فُلَانًا قَارِئٌ فَقَدْ قِيلَ ذَاكَ، وَيُؤْتَى بِصَاحِبِ المَالِ فَيَقُولُ اللَّهُ لَهُ: أَلَمْ أُوَسِّعْ عَلَيْكَ حَتَّى لَمْ أَدَعْكَ تَحْتَاجُ إِلَى أَحَدٍ؟ قَالَ: بَلَى يَا رَبِّ، قَالَ: فَمَاذَا عَمِلْتَ فِيمَا آتَيْتُكَ؟ قَالَ: كُنْتُ أَصِلُ الرَّحِمَ وَأَتَصَدَّقُ، فَيَقُولُ اللَّهُ لَهُ: كَذَبْتَ، وَتَقُولُ لَهُ المَلَائِكَةُ: كَذَبْتَ، وَيَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: بَلْ أَرَدْتَ أَنْ يُقَالَ: فُلَانٌ جَوَادٌ فَقَدْ قِيلَ ذَاكَ، وَيُؤْتَى بِالَّذِي قُتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَيَقُولُ اللَّهُ لَهُ: فِي مَاذَا قُتِلْتَ؟ فَيَقُولُ: أُمِرْتُ بِالجِهَادِ فِي سَبِيلِكَ فَقَاتَلْتُ حَتَّى قُتِلْتُ، فَيَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى لَهُ: كَذَبْتَ، وَتَقُولُ لَهُ المَلَائِكَةُ: كَذَبْتَ، وَيَقُولُ اللَّهُ: بَلْ أَرَدْتَ أَنْ يُقَالَ: فُلَانٌ جَرِيءٌ، فَقَدْ قِيلَ ذَاكَ "، ثُمَّ ضَرَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى رُكْبَتِي فَقَالَ: «يَا أَبَا هُرَيْرَةَ، أُولَئِكَ الثَّلَاثَةُ أَوَّلُ خَلْقِ اللَّهِ تُسَعَّرُ بِهِمُ النَّارُ يَوْمَ القِيَامَةِ» وَقَالَ الوَلِيدُ أَبُو عُثْمَانَ: فَأَخْبَرَنِي عُقْبَةُ بْنُ مُسْلِمٍ «أَنَّ شُفَيًّا، هُوَ الَّذِي دَخَلَ عَلَى مُعَاوِيَةَ فَأَخْبَرَهُ بِهَذَا» قَالَ أَبُو عُثْمَانَ: وَحَدَّثَنِي العَلَاءُ بْنُ أَبِي حَكِيمٍ، أَنَّهُ كَانَ سَيَّافًا لِمُعَاوِيَةَ فَدَخَلَ عَلَيْهِ رَجُلٌ، فَأَخْبَرَهُ بِهَذَا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، فَقَالَ مُعَاوِيَةُ: " قَدْ فُعِلَ بِهَؤُلَاءِ هَذَا فَكَيْفَ بِمَنْ بَقِيَ مِنَ النَّاسِ؟ ثُمَّ بَكَى مُعَاوِيَةُ بُكَاءً شَدِيدًا حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ هَالِكٌ، وَقُلْنَا قَدْ جَاءَنَا هَذَا الرَّجُلُ بِشَرٍّ، ثُمَّ أَفَاقَ مُعَاوِيَةُ وَمَسَحَ عَنْ
[ ١٨ ]
وَجْهِهِ، وَقَالَ: صَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ (١٥) أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [هود: ١٥ – ١٦] " (^١).
وعن أبي هريرة ﵁ سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: " إِنَّ أَوَّلَ النَّاسِ يُقْضَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَيْهِ رَجُلٌ اسْتُشْهِدَ، فَأُتِيَ بِهِ فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَهَا، قَالَ: فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا؟ قَالَ: قَاتَلْتُ فِيكَ حَتَّى اسْتُشْهِدْتُ، قَالَ: كَذَبْتَ، وَلَكِنَّكَ قَاتَلْتَ لِأَنْ يُقَالَ: جَرِيءٌ، فَقَدْ قِيلَ، ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ حَتَّى أُلْقِيَ فِي النَّارِ، وَرَجُلٌ تَعَلَّمَ الْعِلْمَ، وَعَلَّمَهُ وَقَرَأَ الْقُرْآنَ، فَأُتِيَ بِهِ فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَهَا، قَالَ: فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا؟ قَالَ: تَعَلَّمْتُ الْعِلْمَ، وَعَلَّمْتُهُ وَقَرَأْتُ فِيكَ الْقُرْآنَ، قَالَ: كَذَبْتَ، وَلَكِنَّكَ تَعَلَّمْتَ الْعِلْمَ لِيُقَالَ: عَالِمٌ، وَقَرَأْتَ الْقُرْآنَ لِيُقَالَ: هُوَ قَارِئٌ، فَقَدْ قِيلَ، ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ حَتَّى أُلْقِيَ فِي النَّارِ، وَرَجُلٌ وَسَّعَ اللهُ عَلَيْهِ، وَأَعْطَاهُ مِنْ أَصْنَافِ الْمَالِ كُلِّهِ، فَأُتِيَ بِهِ فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَهَا، قَالَ: فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا؟ قَالَ: مَا تَرَكْتُ مِنْ سَبِيلٍ تُحِبُّ أَنْ يُنْفَقَ فِيهَا إِلَّا أَنْفَقْتُ فِيهَا لَكَ، قَالَ: كَذَبْتَ، وَلَكِنَّكَ فَعَلْتَ لِيُقَالَ: هُوَ جَوَادٌ، فَقَدْ قِيلَ، ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ، ثُمَّ أُلْقِيَ فِي النَّارِ" (^٢).
وإذا رسخ في القلب هذه العقوبات المخيفة المترتبة على الخلل في النية والمقصد، فإن ذلك يحدث في القلب خوفًا من الله تعالى وخشية أن تحصل له هذه العقوبات العظيمة المخيفة، فيكون قلبه في خوف عظيم من هذه الآفات التي تورده موارد الهلكة في دنياه وأخراه، فيجاهد نفسه على السلامة من الخلل في نيته ومقصده عند تلاوته للقرآن العظيم وغيره من الأعمال الصالحة،
_________________
(١) أخرجه الترمذي (٤/ ٥٩١) ح (٢٣٨٢)، وقال الترمذي: "هذا حديث حسن غريب"، وابن حبان (٢/ ١٣٦) ح (٤٠٨)، والحاكم في المستدرك (١/ ٥٧٩) ح (١٥٢٧) وصححه وأقره الذهبي، وابن خزيمة (٢/ ١١٨٨) ح (٢٤٨٢)، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (١/ ١١٤) ح (٢٢)، وصحح إسناده شعيب الأرناؤوط في تحقيقه لصحيح ابن حبان (٢/ ١٣٧) ح (٤٠٨).
(٢) أخرجه مسلم (٣/ ١٥١٣) ح (١٩٠٥).
[ ١٩ ]
ويكون دائم التفقد لنيته شديد المحاسبة لنفسه على إخلاص النية لله رب العالمين.
وهنا أحب أن أختصر كلامًا لابن القيم ﵀ رائعًا نافعًا بإذن الله لمن عرف قدره وهو يتحدث عن فوائد محاسبة النفس، فيقول ﵀: "وفى محاسبة النفس عدة مصالح:
منها: الاطلاع على عيوبها، ومن لم يطلع على عيب نفسه لم يمكنه إزالته، فإذا اطلع على عيبها مَقَتها في ذات الله.
وقال مُطرِّفٌ في دعائه بعرفة: «اللهم لا تَرُدَّ الناس لأجلي» (^١).
وقال أيوب السختياني: «إذا ذُكر الصالحون كنتُ عنهم بمعْزِل» (^٢).
وقال يونس بن عبيد: «إني لأجد مئة خصلة من خصال الخير؛ ما أعلم أن في نفسي منها واحدةً» (^٣).
وقال محمد بن واسع: «لو كان للذنوب ريح ما قَدَرَ أحد أن يجلس إليّ» (^٤).
فالنفس داعية إلى المهالك، مُعينةٌ للأعداء، طامحة إلى كل قبيح، متَّبعة لكل سوء؛ فهي تجري بطبعها في ميدان المخالفة.
فالنعمة التي لا خَطَر لها: الخروج منها، والتخلصُ من رِقِّها، فإنها أعظم حجاب بين العبد وبين الله، وأعرفُ الناس بها أشدُّهم إزراءً عليها، ومقتًا لها
ومَقْتُ النفس في ذات الله من صفات الصدِّيقين، ويدنو العبد به من الله سبحانه في لحظة واحدة أضعافَ أضعافِ ما يدنو بالعمل.
ذكر ابن أبي الدنيا عن مالك بن دينار، قال: «إن قومًا من بني إسرائيل كانوا في مسجد لهم في يوم عيد، فجاء شاب حتى قام على باب المسجد، فقال: ليس مثلي يدخل معكم، أنا صاحب كذا، أنا صاحب كذا؛ يزري على نفسه، فأوحى الله إلى نبيهم أنّ فلانًا صدِّيق» (^٥).
_________________
(١) محاسبة النفس لابن أبي الدنيا (ص ٧٢).
(٢) محاسبة النفس لابن أبي الدنيا (ص ٧٦).
(٣) محاسبة النفس لابن أبي الدنيا (ص ٨٠).
(٤) محاسبة النفس لابن أبي الدنيا (ص ٨٢).
(٥) محاسبة النفس لابن أبي الدنيا (ص ٧٧).
[ ٢٠ ]
وقال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن الحسن بن أَتَش، حدثنا منذر، عن وهب: «أن رجلًا سائحًا عبد الله ﷿ سبعين سنة، ثم خرج يومًا، فقلّل عمله، وشكا إلى الله منه، واعترف بذنبه، فأتاه آتٍ من الله فقال: إن مجلسك هذا أحب إليّ من عملك فيما مضى من عمرك» (^١).
وفى كتاب «الزهد» للإمام أحمد: «أن رجلًا من بني إسرائيل تعبَّد ستين سنة في طلب حاجة، فلم يظفر بها، فقال في نفسه: والله لو كان فيكَ خير لظفرتَ بحاجتك، فأُتي في منامه، فقيل له: أرأيت إزراءك على نفسِك تلك الساعة؟ فإنه خير من عبادتك تلك السنين» (^٢).
ومن فوائد محاسبة النفس: أنه يعرف بذلك حق الله عليه. ومن لم يعرف حق الله عليه فإن عبادته لا تكاد تُجدي عليه، وهى قليلة المنفعة جدًّا
فمِن أنفع ما للقلب: النظر في حق الله على العبد؛ فإن ذلك يُورِثه مقتَ نفسِه، والإزراء عليها، ويُخلِّصه من العُجب ورؤية العمل، ويفتح له باب الخضوع والذل والانكسار بين يدي ربه، واليأس من نفسه، وأن النجاة لا تحصل له إلا بعفو الله ومغفرته ورحمته؛ فإن من حقه أن يُطاع ولا يُعصى، وأن يُذكر فلا يُنسى، وأن يُشكر فلا يُكفر.
فمَن نظر في هذا الحق الذي لربه عليه عَلِم عِلْمَ اليقين أنه غير مؤدٍّ له كما ينبغي، وأنه لا يسعه إلا العفو والمغفرة، وأنه إن أُحيل على عمله هلك.
فهذا محل نظر أهل المعرفة بالله وبنفوسهم، وهذا الذي أيأسَهم من أنفسهم، وعلَّق رجاءهم كله بعفو الله ورحمته.
وإذا تأمَّلت حال أكثر الناس وجدتهم بضد ذلك، ينظرون في حقهم على الله، ولا
_________________
(١) الزهد لأحمد بن حنبل (ص ٤٧).
(٢) الزهد لأحمد بن حنبل (ص ٣٠٣) لفظ الزهد فيه اختلاف وهذا لفظه: عَنِ ابْنِ مُنَبِّهٍ، قَالَ: " كَانَ قَبْلَكُمْ رَجُلٌ تَعَبَّدَ زَمَانًا ثُمَّ طَلَبَ إِلَى اللَّهِ ﷿ حَاجَةً وَصَامَ سَبْعِينَ سَبْتًا يَأْكُلُ كُلَّ سَبْتٍ إِحْدَى عَشْرَةَ تَمْرَةً قَالَ: فَطَلَبَ إِلَى اللَّهِ حَاجَةً فَلَمْ يُعْطِهَا قَالَ: فَأَقْبَلَ عَلَى نَفْسِهِ فَقَالَ: أَيَّتُهَا النَّفْسُ مِنْ قِبَلِكِ أُتِيتُ، لَوْ كَانَ عِنْدَكَ خَيْرٌ لَأُعْطِيتَ حَاجَتَكَ وَلَكِنْ لَيْسَ عِنْدَكَ خَيْرٌ، فَنَزَلَ إِلَيْهِ سَاعَتَئِذٍ مَلَكٌ، فَقَالَ: يَا ابْنَ آدَمَ سَاعَتُكَ هَذِهِ الَّتِي أَزْرَيْتَ فِيهَا عَلَى نَفْسِكَ خَيْرٌ مِنْ عِبَادَتِكَ كُلِّهَا الَّتِي مَضَتْ وَقَدْ أَعْطَاكَ اللَّهُ حَاجَتَكَ الَّتِي سَأَلْتَ ".
[ ٢١ ]
ينظرون في حق الله عليهم، ومن هاهنا انقطعوا عن الله، وحُجبت قلوبهم عن معرفته ومحبته، والشوق إلى لقائه، والتنعم بذكره، وهذا غاية جهل الإنسان بربه وبنفسه.
فمحاسبة النفس هو نظر العبد في حق الله عليه أولًا، ثم نظره هل قام به كما ينبغي ثانيًا؟ وأفضل الفكر الفكرُ في ذلك؛ فإنه يسيِّر القلب إلى الله، ويطرحه بين يديه ذليلًا خاضعًا، منكسرًا كَسْرًا فيه جَبْرُهُ، ومفتقرًا فقرًا فيه غناه، وذليلًا ذلًّا فيه عِزُّه، ولو عمل من الأعمال ما عساه أن يعمل، فإذا فاته هذا فالذي فاته من البر أفضل من الذي أتى به
ومن فوائد نظر العبد في حق الله عليه: أنه لا يتركه ذلك يُدِلُّ بعمل أصلًا، كائنًا ما كان، ومَنْ أدلّ بعمله لم يصعد إلى الله، كما ذكر الإمام أحمد عن بعض أهل العلم بالله، أنه قال له رجل: إني لأقوم في صلاتي؛ فأبكي حتى يكاد ينبت البَقْل من دموعي، فقال له: إنك إن تضحك وأنت تعترف لله بخطيئتك، خيرٌ من أن تبكي وأنت تُدِلُّ بعملك؛ فإن صلاة المُدلِّ لا تصعد فوقه، فقال له: أوصني، قال: عليك بالزهد في الدنيا، وأن لا تنازعها أهلَها، وأن تكون كالنّحلة، إن أكلت أكلت طيِّبًا، وإن وضعت وضعت طيبًا، وإن وقعت على عود لم تضرَّه ولم تكسره، وأوصيك بالنصح لله ﷿ نُصْح الكلب لأهله؛ فإنهم يُجِيعونه ويطردونه؛ ويأبى إلا أن يحوطَهم وينصحهم» (^١).
وقال الإمام أحمد: حدثنا سيَّار، حدثنا جعفر، حدثنا الجريرى، قال: «بلغني أن رجلًا من بني إسرائيل كانت له إلى الله تعالى حاجة، فتعبد واجتهد، ثم طلب إلى الله حاجته، فلم ير نجاحًا، فبات ليلةً مُزريًا على نفسه، وقال: يا نفس! مالك لا تُقضَى حاجتك؟ فبات محزونًا قد أزرى على نفسه، وألزم الملامةَ نفسه، فقال: أما والله ما من قِبَل ربي أُتِيتُ، ولكن من قِبَل نفسي أُتيتُ، فبات ليلةً مزريًا على نفسه، وألزم الملامة نفسه، فقُضِيت حاجته» " (^٢). انتهى ما اختصرته من كتاب إغاثة اللهفان (^٣).
_________________
(١) الزهد لأحمد بن حنبل (ص ٨١).
(٢) قال محقق إغاثة اللهفان: لم أقف عليه.
(٣) إغاثة اللهفان في مصايد الشيطان (١/ ١٤٣ - ١٥٤ ط عطاءات العلم)
[ ٢٢ ]