وهذا المانع من أعظم موانع الانتفاع بالقرآن والتأثر به، ولذا كان لزامًا على من أراد القرب من القرآن والانتفاع به أن يحرص كل الحرص على سلامة نيته ومقصده، وأن يجاهد نفسه على ذلك، ويسأل الله دائمًا أن يرزقه الإخلاص وأن يعينه عليه، وأن يجيره من السمعة والرياء والعجب، وأن يكون دائم التذكير لنفسه بخطورة الخلل في نيته ومقصده في تعامله مع كتاب الله ويحاسبها على ذلك، ويكثر دائمًا من الاستغفار والتوبة، ويكثر من الدعاء الذي جاء النص عليه في إذهاب أثر هذه الأمراض على القلب، عن معقل بن يسار قال: انْطَلَقْتُ مَعَ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ -﵁- إِلَى النَّبِيِّ -ﷺ- فَقَالَ: «يَا أَبَا بَكْرٍ، لَلشِّرْكُ فِيكُمْ أَخْفَى مِنْ دَبِيبِ النَّمْلِ»، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَهَلِ الشِّرْكُ إِلَّا مَنْ جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ؟! فَقَالَ النَّبِيُّ -ﷺ-: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَلشِّرْكُ أَخْفَى مِنْ دَبِيبِ النَّمْلِ، أَلَا أَدُلُّكَ عَلَى شَيْءٍ إِذَا قُلْتَهُ ذَهَبَ عَنْكَ قَلِيلُهُ وَكَثِيرُهُ؟» قَالَ: «قُلِ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أُشْرِكَ بِكَ وَأَنَا أَعْلَمُ، وَأَسْتَغْفِرُكَ لِمَا لَا أَعْلَمُ» (^١).
والخلل في النيات له خطره العظيم على صاحبه، وجاء التحذير الشديد من هذا الأمر في كثير من الأدلة، وبعضها قد سبق ذكره، ومنها، قال الله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ ١٥ أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [هود: ١٥ - ١٦].
ويقول تعالى: ﴿فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ
_________________
(١) أخرجه البخاري في الأدب المفرد (٣٧٧) ح (٧١٦) وصححه الألباني في صحيح الأدب المفرد (٢٦٥ - ٢٦٦) ح (٥٥٤)، وصححه أيضًا في صحيح الجامع (١/ ٦٩٤) ح (٣٧٣١)، وحسنه لغيره في صحيح الترغيب والترهيب (١/ ١٢١) ح (٣٦)، وقد قال العلامة ابن باز ﵀ في برنامج الفتاوى الشهير (نور على الدرب) عن هذا الحديث: "لا أعلم به بأسًا سنده لا أعلم به علة". ينظر: الموقع الرسمي لسماحة الشيخ الإمام ابن باز على الرابط: ttps:// binbaz.org.sa/ fatwas/ ١١٤٣٤/ وبناء على ما قاله هذان العَلمان في الحكم على الحديث فهو حديث صحيح، والله أعلم.
[ ٧٠ ]
بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدَ ا﴾ [الكهف: ١١٠].
وقَالَ النَّبِيُّ -ﷺ-: «مَنْ سَمَّعَ سَمَّعَ اللَّهُ بِهِ، وَمَنْ يُرَائِي يُرَائِي اللَّهُ بِهِ» (^١).
وذكر الخطابي رحمة الله في معني الحديث: أن من عمل عملًا على غير إخلاص، وإنما يريد أن يراه الناس ويسمعوه، جزاه الله على ذلك بأن يشهره ويفضحه، ويظهر ما كان يبطنه (^٢).
وأضاف ابن حجر إلى ما ذكره الخطابي، فقال: "وقيل: من قصد بعمله الجاه والمنزلة عند الناس، ولم يرد به وجه الله، فإن الله يجعله حديثًا عند الناس الذين أراد نيل المنزلة عندهم، ولا ثواب له في الآخرة ومعنى «يرائي»: يطلعهم على أنه فعل ذلك لهم لا لوجهه" (^٣).
وعَنْ مَحْمُودِ بْنِ لَبِيدٍ -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: «إِنَّ أَخْوَفَ مَا أَخَافُ عَلَيْكُمُ الشِّرْكُ الْأَصْغَرُ»، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، وَمَا الشِّرْكُ الْأَصْغَرُ؟ قَالَ: «الرِّيَاءُ؛ إِنَّ اللهَ يَقُولُ يَوْمَ تُجَازَى الْعِبَادُ بِأَعْمَالِهِمْ: اذْهَبُوا إِلَى الَّذِينَ كُنْتُمْ تُرَاءُونَ بِأَعْمَالِكُمْ فِي الدُّنْيَا، فَانْظُرُوا هَلْ تَجِدُونَ عِنْدَهُمْ جَزَاءً؟!» (^٤).
وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: «قَالَ اللهُ ﵎: أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنِ الشِّرْكِ، مَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشْرَكَ فِيهِ مَعِي غَيْرِي تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ» (^٥).
وقد مر معنا حديث الذين أول من تسعر بهم النار، وذكر منهم قارئ القرآن الذي يريد مدح الناس له ويقوم بهذه العبادة من أجل الناس عياذًا بالله من حالهم.
_________________
(١) أخرجه البخاري واللفظ له عن جندب -﵁- (٨/ ١٠٤) ح (٦٤٩٩)، ومسلم عن ابن عباس ﵄ (٤/ ٢٢٨٩) ح (٢٩٨٦).
(٢) ينظر: أعلام الحديث في شرح صحيح البخاري للخطابي (٣/ ٢٢٥٧).
(٣) فتح الباري (١١/ ٣٣٦).
(٤) أخرجه أحمد (٣٩/ ٤٣ - ٤٤) ح (٢٣٦٣٦)، وجوّد إسناده المنذري في الترغيب والترهيب (١/ ٣٤) ح (٥٠)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١/ ١٠٢) ح (٣٧٥): "رواه أحمد، ورجاله رجال الصحيح"، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (١/ ١٢٠) ح (٣٢)، وقال شعيب الأرناؤوط في تحقيقه للمسند (٣٩/ ٤٤) ح (٢٣٦٣٦): "إسناده حسن".
(٥) أخرجه مسلم (٤/ ٢٢٨٩) ح (٢٩٨٥).
[ ٧١ ]