قال تعالى: ﴿وَقُرْءَانا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا ١٠٦ قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لَا تُؤْمِنُوا إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا ١٠٧ وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا ١٠٨ وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعا﴾ [الإسراء: ١٠٦ - ١٠٩].
وقال الطبري رحمه في تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعا﴾: "يقول تعالى ذكره: ويخر هؤلاء الذين أوتوا العلم من مؤمني أهل الكتابين من قبل نزول الفرقان، إذا يتلى عليهم القرآن لأذقانهم يبكون، ويزيدهم ما في القرآن من المواعظ والعبر خشوعًا، يعني خضوعا لأمر الله وطاعته، واستكانة له .. عن عبد الأعلى التيمي، أن من أوتي من العلم ما لم يبكه لخليق أن لا يكون أوتي علمًا ينفعه، لأن الله نعت العلماء فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا ١٠٧ وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا ١٠٨ وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعا﴾ " (^١).
وقال السعدي ﵀ في تفسيره للآيات: " أي: وأنزلنا هذا القرآن مفرقًا، فارقًا
_________________
(١) تفسير الطبري (١٥/ ١٢٢).
[ ٥٩ ]
بين الهدى والضلال، والحق والباطل. ﴿لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ﴾ أي: على مهل، ليتدبروه ويتفكروا في معانيه، ويستخرجوا علومه.
﴿وَنزلْنَاهُ تَنزيلا﴾ أي: شيئًا فشيئًا، مفرقًا في ثلاث وعشرين سنة.
﴿ولا يأتونك بمثل إلا جئناك بالحق وأحسن تفسيرا﴾ فإذا تبين أنه الحق، الذي لا شك فيه ولا ريب، بوجه من الوجوه فـ: ﴿قُلْ﴾ لمن كذب به وأعرض عنه: ﴿آمِنُوا بِهِ أَوْ لا تُؤْمِنُوا﴾ فليس لله حاجة فيكم، ولستم بضاريه شيئًا، وإنما ضرر ذلك عليكم، فإن لله عبادًا غيركم، وهم الذين آتاهم الله العلم النافع: ﴿إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلأذْقَانِ سُجَّدًا﴾ أي: يتأثرون به غاية التأثر، ويخضعون له.
﴿وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا﴾ عما لا يليق بجلاله، مما نسبه إليه المشركون.
﴿إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا﴾ بالبعث والجزاء بالأعمال ﴿لَمَفْعُولا﴾ لا خلف فيه ولا شك.
﴿وَيَخِرُّونَ لِلأذْقَانِ﴾ أي: على وجوههم ﴿يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ﴾ القرآن ﴿خُشُوعًا﴾
وهؤلاء كالذين من الله عليهم من مؤمني أهل الكتاب كعبد الله ابن سلام وغيره، ممن أمن في وقت النبي ﷺ وبعد ذلك" (^١).
وقال الزحيلي عند تفسيره لقوله تعالى ﴿وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا﴾: " أي يزيدهم القرآن تواضعًا لله تعالى، وهذه مبالغة في صفتهم، ومدح لهم، وحض لكل من توسم بالعلم، وحصّل منه شيئًا أن يصل إلى هذه الرتبة، وهي رتبة الخشوع والخضوع لله ﷿.
والواقع أن العبادة لله تعالى ينبغي أن تكون بقلب خاشع، ونفس خاضعة ذليلة لله ﷿، يظهر منها معنى العبودية الخالصة لرب العزة، ويتجلى بها استحضار عظمة الله وهيبته التي تملأ النفس محبة لله، وخوفًا منه، فيصير الإنسان صالح القول والعمل، بالعبادة المرضية لربه تعالى" (^٢).
وقال تعالى: ﴿إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيّا﴾ [مريم: ٥٨].
يقول القرطبي ﵀: " في هذه الآية دلالة على أن لآيات الرحمن تأثيرًا في
_________________
(١) تفسير السعدي (ص ٤٦٨).
(٢) التفسير الوسيط (٢/ ١٣٩٧).
[ ٦٠ ]
القلوب" (^١).
يقول طنطاوي ﵀ في تفسيره لهذه الآية: " .. وقوله تعالى: ﴿إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيّا﴾ بيان لرقة مشاعرهم، وشدة تأثرهم عند سماع آيات الله تعالى.
فالجملة الكريمة استئناف مسوق لبيان عظم خشيتهم من الله تعالى أو هي خبر لاسم الإشارة ﴿أُولئِكَ﴾ و﴿سُجَّدا وَبُكِيّا﴾ جمع ساجد وباك.
أى: أولئك الذين أنعم الله تعالى عليهم، من صفاتهم أنهم إذا تتلى عليهم آيات الرحمن، المتضمنة لتمجيده وتعظيمه وحججه .. خروا على جباههم ساجدين وباكين. وسقطوا خاضعين خاشعين خوفا ورجاء، وتعظيما وتمجيدا لله رب العالمين.
وجمع سبحانه بين السجود والبكاء بالنسبة لهم، للإشعار بأنهم مع تعظيمهم الشديد لمقام ربهم، فهم أصحاب قلوب رقيقة، وعواطف جياشة بالخوف من الله تعالى.
وفي معنى هذه الجملة الكريمة وردت آيات كثيرة، منه قوله تعالى: ﴿قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لَا تُؤْمِنُوا إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا ١٠٧ وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا ١٠٨ وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعا﴾ [الإسراء: ١٠٧ - ١٠٩].
وقوله سبحانه: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾ [المائدة: ٨٣].
فهذه الآيات الكريمة تدل على أن من صفات المؤمنين الصادقين، أنهم يتأثرون تأثرًا عظيمًا عند سماعهم لكلام الله تعالى تأثرًا يجعلهم يبكون ويسجدون وتقشعر
_________________
(١) تفسير القرطبي (١١/ ١٢٠).
[ ٦١ ]
جلودهم، وتوجل قلوبهم، وتلين نفوسهم" (^١).
وقال تعالى: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الزمر: ٢٣].
"والاقشعرار تغير في جلد الإنسان عند الوجل والخوف" (^٢).
وقد وصف الله حال الذين يخشون ربهم مع القرآن العظيم بأنهم إذا ذكرت آيات العذاب اقشعرت جلودهم، وإذا ذكرت آيات الرحمة لانت وسكنت قلوبهم، فحقيقة حالهم أن قلوبهم تقشعر من خوفهم من الله وخشيته، وتلين عند الرجاء.
عن عبد الله بن عروة بن الزبير قال: قلت لجدتي أسماء بنت أبي بكر: كيف كان أصحاب رسول الله ﷺ يفعلون إذا قرئ عليهم القرآن؟ قالت: "كانوا كما نعتهم الله ﷿ تدمع أعينهم وتقشعر جلودهم"، قال فقلت لها: إن ناسًا اليوم إذا قرئ عليهم القرآن خر أحدهم مغشيًا عليه، فقالت: "أعوذ بالله من الشيطان الرجيم".
قال قتادة: "هذا نعت أولياء الله نعتهم الله بأن تقشعر جلودهم وتطمئن قلوبهم بذكر الله، ولم ينعتهم بذهاب عقولهم والغشيان عليهم، إنما ذلك في أهل البدع، وهو من الشيطان" (^٣).
_________________
(١) التفسير الوسيط لطنطاوي (٩/ ٥٠).
(٢) تفسير البغوي (٧/ ١١٥).
(٣) ينظر: تفسير البغوي (٧/ ١١٦).
[ ٦٢ ]