إن الذنوب تعمي القلب فلا يبصر الحقائق، ويضيق من القرآن وينفر منه، ويعمى عن هداياته، فلا يرى النور الذي فيه، قال تعالى: ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج: ٤٦].
وكما في حديث أَبِي هُرَيْرَةَ -﵁-، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: «إِنَّ العَبْدَ إِذَا أَخْطَأَ خَطِيئَةً نُكِتَتْ (^١) فِي قَلْبِهِ نُكْتَةٌ سَوْدَاءُ، فَإِذَا هُوَ نَزَعَ وَاسْتَغْفَرَ وَتَابَ صُقِلَ (^٢) قَلْبُهُ، وَإِنْ عَادَ زِيدَ فِيهَا حَتَّى تَعْلُوَ قَلْبَهُ، وَهُوَ الرَّانُ الَّذِي ذَكَرَ اللَّهُ: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [المطفِّفين: ١٤]» (^٣).
وكذلك فتن الشبهات والشهوات إذا عرضت على القلب وتشربها فإنها تعميه عن الحق، وعن نور القرآن، فلا يقبل ما فيه من الهدى بل ينقلب قلبه فلا يقبل إلا الهوى، وينفر من الحق والهدى، كما في حديث حذيفة -﵁-، يَقُولُ -ﷺ-: «تُعْرَضُ الْفِتَنُ عَلَى الْقُلُوبِ كَالْحَصِيرِ عُودًا عُودًا، فَأَيُّ قَلْبٍ أُشْرِبَهَا نُكِتَ فِيهِ نُكْتَةٌ سَوْدَاءُ، وَأَيُّ قَلْبٍ أَنْكَرَهَا نُكِتَ فِيهِ نُكْتَةٌ بَيْضَاءُ، حَتَّى تَصِيرَ عَلَى قَلْبَيْنِ: عَلَى أَبْيَضَ مِثْلِ الصَّفَا فَلَا تَضُرُّهُ فِتْنَةٌ مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ، وَالْآخَرُ أَسْوَدُ
_________________
(١) أي نُقِطَ نقطة في قلبه. ينظر: الصحاح (١/ ٢٦٩)، النهاية في غريب الحديث والأثر (٥/ ١١٤) مادة (نكت).
(٢) وفي بعض روايات الحديث: "سُقِلَ" بالسين، والسقل والصقل بمعنى واحد، أي: جلاه ونظفه وصفاه وذهب عنه أثر الذنب. ينظر: الصحاح (٥/ ١٧٤٤) مادة (صقل)، مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح (٤/ ١٦٢٢).
(٣) أخرجه أحمد (١٣/ ٣٣٣) ح (٧٩٥٢)، والترمذي واللفظ له (٥/ ٤٣٤) ح (٣٣٣٤) وقال الترمذي: "حديث حسن صحيح"، وابن ماجه في سننه (٢/ ١٤١٨) ح (٤٢٤٤)، وابن حبان في صحيحه (٣/ ٢١٠) ح (٩٣٠)، الحاكم في مستدركه (٢/ ٥٦٢) ح (٣٩٠٨) وصححه ووافقه الذهبي، وحسنه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٢/ ٢٧١) ح (١٦٢٠)، وقال شعيب الأرناؤوط في تحقيق المسند (١٣/ ٣٣٤) ح (٧٩٥٢): "إسناده قوي".
[ ٢٦ ]
مُرْبَادًّا (^١) كَالْكُوزِ مُجَخِّيًا، لَا يَعْرِفُ مَعْرُوفًا، وَلَا يُنْكِرُ مُنْكَرًا، إِلَّا مَا أُشْرِبَ مِنْ هَوَاهُ» (^٢).
ولا شك أن للذنوب والمعاصي أثرًا كبيرًا في إفساد القلب، وضررها عظيم عليه، "وأن ضررها في القلوب كضرر السموم في الأبدان، على اختلاف درجاتها في الضرر. وهل في الدنيا والآخرة شر وداء إلا وسببه الذنوب والمعاصي؟! " (^٣).
وهذا الداء الخطير على القلوب الذي يفسدها ويبعدها عن كتاب ربها، قد جعل الله له علاجًا، وهو الاستغفار والتوبة.
قال تعالى في بيان أثر الاستغفار: ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا (١٠) يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا (١١) وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا﴾ [نوح: ١٠ - ١٢].
وقال -﷾- في بيان ثمرات الاستغفار والتوبة: ﴿وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعًا حَسَنًا إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ﴾ [هود: ٣].
وقال تعالى: ﴿وَيَاقَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ وَلَا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ﴾ [هود: ٥٢].
والذي يظهر من أقوال المفسرين في زيادة القوة أنها قوة حسية ومعنوية، يجدون أثرها في حياتهم (^٤).
_________________
(١) مربادًّا من الرُبدَةِ: لَوْنٌ يميل إلى الغُبْرَة، وهو لون يخالط سواده كدرة غير حسنة. ينظر: الصحاح (٢/ ٤٧٢)، مقاييس اللغة (٢/ ٤٧٥) مادة (ربد).
(٢) أخرجه مسلم (١/ ١٢٨) ح (١٤٤).
(٣) الجواب الكافي (١/ ٩٨).
(٤) ينظر: تفسير الطبري (١٢/ ٤٤٥)، تفسير البغوي (٤/ ١٨٣)، تفسير ابن كثير (٤/ ٣٢٩)، فتح القدير للشوكاني (٢/ ٥٧٣)، تفسير السعدي (٣٨٣).
[ ٢٧ ]
ولا شك أن المسلم بحاجة ماسة لهذه القوة التي يعينه الله بها على الإقبال على القرآن وكثرة تلاوته.
وجاء الأمر بالتوبة فقال تعالى: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [النور: ٣١].
وينظر المسلم إلى حال القدوة -ﷺ-، وهو الذي قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، ومع هذا يبذل جهدًا عظيمًا في كثرة الاستغفار والتوبة، وذلك ما يجعله يسابق وينافس في هذا المضمار لينال ثمرة ذلك في حياته، فيفتح له في الإقبال على تلاوة الكتاب العزيز وتدبره، وسائر طاعته.
يقول أَبُو هُرَيْرَةَ -﵁-: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: «وَاللَّهِ، إِنِّي لَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ وَأَتُوبُ إِلَيْهِ فِي اليَوْمِ أَكْثَرَ مِنْ سَبْعِينَ مَرَّةً» (^١).
ويَقُولُ النَّبِيُّ -ﷺ-: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ، تُوبُوا إِلَى اللهِ، وَاسْتَغْفِرُوهُ، فَإِنِّي أَتُوبُ إِلَى اللهِ، وَأَسْتَغْفِرُهُ فِي كُلِّ يَوْمٍ مِائَةَ مَرَّةٍ أَوْ أَكْثَرَ مِنْ مِائَةِ مَرَّةٍ» (^٢).
ومن رحمة الله بعباده أن فتح لهم باب التوبة، فعَنْ أَبِي مُوسَى، عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- قَالَ: «إِنَّ اللهَ -﷿- يَبْسُطُ يَدَهُ بِاللَّيْلِ لِيَتُوبَ مُسِيءُ النَّهَارِ، وَيَبْسُطُ يَدَهُ بِالنَّهَارِ لِيَتُوبَ مُسِيءُ اللَّيْلِ، حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا» (^٣).
بل الأمر أعظم من ذلك، فالله يفرح بتوبة عبده فرحًا عظيمًا قرّبه النبي -ﷺ- بمثال؛ ليظهر منه عظيم فرحة الرب -﷾- بتوبة عبده.
يَقُولُ -ﷺ-: «لَلَّهُ أَشَدُّ فَرَحًا بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ الْمُؤْمِنِ مِنْ رَجُلٍ فِي أَرْضٍ دَوِّيَّةٍ مَهْلِكَةٍ، مَعَهُ رَاحِلَتُهُ، عَلَيْهَا طَعَامُهُ وَشَرَابُهُ، فَنَامَ فَاسْتَيْقَظَ وَقَدْ ذَهَبَتْ، فَطَلَبَهَا حَتَّى أَدْرَكَهُ الْعَطَشُ، ثُمَّ قَالَ: أَرْجِعُ إِلَى
_________________
(١) أخرجه البخاري (٨/ ٦٧) ح (٦٣٠٧).
(٢) أخرجه أحمد في المسند (٣٠/ ٢٢٦) ح (١٨٢٩٤)، والسنن الكبرى للنسائي (٩/ ١٦٨) ح (١٠٢٠٥)، وصححه الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة (٣/ ٤٣٥) ح (١٤٥٢)، وقال محقق المسند شعيب الأرناؤوط (٣٠/ ٢٢٦) ح (١٨٢٩٤): "حديث صحيح".
(٣) أخرجه مسلم (٤/ ٢١١٣) ح (٢٧٥٩).
[ ٢٨ ]
مَكَانِيَ الَّذِي كُنْتُ فِيهِ، فَأَنَامُ حَتَّى أَمُوتَ، فَوَضَعَ رَأْسَهُ عَلَى سَاعِدِهِ لِيَمُوتَ، فَاسْتَيْقَظَ وَعِنْدَهُ رَاحِلَتُهُ وَعَلَيْهَا زَادُهُ وَطَعَامُهُ وَشَرَابُهُ، فَاللهُ أَشَدُّ فَرَحًا بِتَوْبَةِ الْعَبْدِ الْمُؤْمِنِ مِنْ هَذَا بِرَاحِلَتِهِ وَزَادِهِ» (^١).
وحتى يحصل من التوبة والاستغفار أثرهما على صلاح القلب وإقبال المسلم على تلاوة كتاب ربه وفهمه والتلذذ به، فلا بد من مراعاة أمور (^٢)، وهي:
١ - الإخلاص لله تعالى في هذه التوبة، وأن يكون المقصد منها وجه الله تعالى.
لأن الله لا يقبل من العمل إلا ما كان خالصًا لله وأريد به وجهه، وأن يكون موافقًا للسنة، فترد التوبة على صاحبها إذا أراد بها التقرب من أحد أو الحصول على مكسب من مكاسب الدنيا قال -ﷺ- في بيان ذلك: فعَنْ أَبِي أُمَامَةَ الْبَاهِلِيِّ -﵁- قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ -ﷺ- فَقَالَ: أَرَأَيْتَ رَجُلًا غَزَا يَلْتَمِسُ الْأَجْرَ وَالذِّكْرَ مَا لَهُ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «لَا شَيْءَ لَهُ»، فَأَعَادَهَا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، يَقُولُ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «لَا شَيْءَ لَهُ»، ثُمَّ قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ لَا يَقْبَلُ مِنَ الْعَمَلِ إِلَّا مَا كَانَ لَهُ خَالِصًا، وَابْتُغِيَ بِهِ وَجْهُهُ» (^٣).
وقال -ﷺ-: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ» (^٤).
وفي الرواية الأخرى في صحيح مسلم عَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَدٌّ» (^٥).
٢ - الندم على ما حصل من الذنب.
عَنِ ابْنِ مَعْقِلٍ، قَالَ: دَخَلْتُ مَعَ أَبِي عَلَى عَبْدِ اللَّهِ، فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «النَّدَمُ تَوْبَةٌ»، فَقَالَ لَهُ أَبِي: أَنْتَ سَمِعْتَ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: «النَّدَمُ تَوْبَةٌ»، قَالَ: نَعَمْ " (^٦).
_________________
(١) أخرجه مسلم (٤/ ٢١٠٣) ح (٢٧٤٤).
(٢) ينظر في شروط التوبة: رياض الصالحين (٣٣ - ٣٤)، التوبة إلى الله (ص ٢١ - ٢٥)
(٣) أخرجه (٦/ ٢٥) ح (٣١٤٠)، وجوَّد إسناده ابن حجر في الفتح (٦/ ٢٨)، وحسنه الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة (١/ ١١٨) ح (٥٢)، وقال في صحيح سنن النسائي (٢/ ٣٨٣ - ٣٨٤) ح (٣١٤٠): "حسن صحيح".
(٤) أخرجه مسلم (٣/ ١٣٤٣) ح (١٧١٨).
(٥) أخرجه مسلم (٣/ ١٣٤٣) ح (١٧١٨).
(٦) أخرجه أحمد (٦/ ٣٧) ح (٣٥٦٨)، وابن ماجه (٢/ ١٤٢٠) ح (٤٢٥٢)، والحاكم (٤/ ٢٧١) ح (٧٦١٢) وصححه ووافقه الذهبي، وصححه الألباني في صحيح الجامع (٢/ ١١٥٠) ح (٦٨٠٢)، وصححه محقق المسند.
[ ٢٩ ]
وعكس الندم ما يحصل من المجاهرة بالذنوب التي عملها، وكأنها شيء يتمدح به في المجالس وهذه المجاهرة خطر عظيم على صاحبها قال -ﷺ-: «كُلُّ أُمَّتِي مُعَافًى إِلَّا الْمُجَاهِرِينَ، وَإِنَّ مِنَ الْمَجَانَةِ أَنْ يَعْمَلَ الرَّجُلُ بِاللَّيْلِ عَمَلًا ثُمَّ يُصْبِحَ وَقَدْ سَتَرَهُ اللهُ، فَيَقُولَ: يَا فُلَانُ، عَمِلْتُ الْبَارِحَةَ كَذَا وَكَذَا، وَقَدْ بَاتَ يَسْتُرُهُ رَبُّهُ، وَيُصْبِحُ يَكْشِفُ سِتْرَ اللهِ عَنْهُ» (^١).
٣ - الإقلاع عن الذنب مع العزم على عدم العودة للذنب.
وقد ذكر الله في كتابه من صفات عباده المتقين أنهم لا يصرون على الذنب وإذا وقعوا فيه تذكر الله وتذكروا ما توعد به العاصين ووعد المتقين فبادروا إلى التوبة والاستغفار مع ندم وعزم على عدم العودة إلى الذنب ويسارعون إلى الإقلاع عنه ولا يستمرون ويصرون عليه وهم يعلمون أنه ذنب، فقال تعالى عنهم: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران: ١٣٥].
وقد ورد عن ابن عباس ﵄ مرفوعًا: " .. وَالْمُسْتَغْفِرُ مِنْ ذَنْبٍ وَهُوَ مُقِيمٌ عَلَيْهِ كَالْمُسْتَهْزِئِ بِرَبِّهِ" (^٢).
٤ - وإذا كان الذنب في حقوق الآدميين، فلا بد من إرجاعها لهم أو طلب السماح.
لأن حقوق العباد من مال ونحوه لا يقبل توبة صاحبها حتى يرجعها إليه أو يستسمحه، لأن العبد يوم القيامة يأمره الله بأن يعيد الحقوق إلى إصحابها وذلك بدفع حسانته إلى أصحاب الحقوق حتى يستوفوا حقهم أو إذا لم يكن له حسنات أخذ من سيئاتهم ثم طرحت عليه ثم يطرح في النار كما حديث المفلس قال ﷺ: «أَتَدْرُونَ مَنِ الْمُفْلِسُ»؟ قَالُوا: المُفْلِسُ فِينَا يَا رَسُولَ اللَّهِ مَنْ لَا دِرْهَمَ لَهُ وَلَا مَتَاعَ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «المُفْلِسُ مِنْ أُمَّتِي مَنْ يَأْتِي يَوْمَ القِيَامَةِ بِصَلَاتِهِ وَصِيَامِهِ وَزَكَاتِهِ، وَيَأْتِي قَدْ شَتَمَ هَذَا وَقَذَفَ
_________________
(١) أخرجه البخاري (٨/ ٢٠) ح (٦٠٦٩).
(٢) ولا يصح رفعه إلى النبي -ﷺ-، والراجح أنه موقوف على ابن عباس ﵄، كما رجح ذلك ابن حجر ﵀ في الفتح (١٣/ ٤٧١)، ورجح وقفه أيضًا غيره.
[ ٣٠ ]
هَذَا، وَأَكَلَ مَالَ هَذَا، وَسَفَكَ دَمَ هَذَا، وَضَرَبَ هَذَا فَيَقْعُدُ فَيَقْتَصُّ هَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ، وَهَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ، فَإِنْ فَنِيَتْ حَسَنَاتُهُ قَبْلَ أَنْ يُقْتَصّ مَا عَلَيْهِ مِنَ الخَطَايَا أُخِذَ مِنْ خَطَايَاهُمْ فَطُرِحَ عَلَيْهِ ثُمَّ طُرِحَ فِي النَّارِ» (^١).
٥ - حضور القلب عند التوبة والاستغفار، فتكون التوبة والاستغفار باللسان والقلب، فيحدث أثر التوبة في القلب، وهذا الأثر يحدث -والله أعلم- مع كثرة الاستغفار والتوبة؛ لأنه مع التكرار يحضر القلب ويحدث الأثر فيه، ولذا جاءت النصوص بالإكثار من التوبة والاستغفار، كما سبق في الأحاديث من فعل النبي -ﷺ- وحثه لأمته.
٦ - البحث عن جلساء صالحين يعينونه على الخير، والاستمرار على التوبة، كما في حديث قاتل المائة، فقد حثه العالم على الذهاب إلى قرية الصالحين حتى يجد من يعينونه على توبته (^٢).
_________________
(١) أخرجه مسلم (٤/ ١٩٩٧) ح (٢٥٨١)، وهذا لفظ الترمذي (٤/ ٦١٣).
(٢) وقد دل على هذا حديث أبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، أَنَّ نَبِيَّ اللهِ -ﷺ- قَالَ: «كَانَ فِيمَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ رَجُلٌ قَتَلَ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ نَفْسًا، فَسَأَلَ عَنْ أَعْلَمِ أَهْلِ الْأَرْضِ فَدُلَّ عَلَى رَاهِبٍ، فَأَتَاهُ فَقَالَ: إِنَّهُ قَتَلَ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ نَفْسًا، فَهَلْ لَهُ مِنْ تَوْبَةٍ؟ فَقَالَ: لَا، فَقَتَلَهُ، فَكَمَّلَ بِهِ مِائَةً، ثُمَّ سَأَلَ عَنْ أَعْلَمِ أَهْلِ الْأَرْضِ فَدُلَّ عَلَى رَجُلٍ عَالِمٍ، فَقَالَ: إِنَّهُ قَتَلَ مِائَةَ نَفْسٍ، فَهَلْ لَهُ مِنْ تَوْبَةٍ؟ فَقَالَ: نَعَمْ، وَمَنْ يَحُولُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ التَّوْبَةِ؟ انْطَلِقْ إِلَى أَرْضِ كَذَا وَكَذَا، فَإِنَّ بِهَا أُنَاسًا يَعْبُدُونَ اللهَ فَاعْبُدِ اللهَ مَعَهُمْ، وَلَا تَرْجِعْ إِلَى أَرْضِكَ، فَإِنَّهَا أَرْضُ سَوْءٍ، فَانْطَلَقَ حَتَّى إِذَا نَصَفَ الطَّرِيقَ أَتَاهُ الْمَوْتُ، فَاخْتَصَمَتْ فِيهِ مَلَائِكَةُ الرَّحْمَةِ وَمَلَائِكَةُ الْعَذَابِ، فَقَالَتْ مَلَائِكَةُ الرَّحْمَةِ: جَاءَ تَائِبًا مُقْبِلًا بِقَلْبِهِ إِلَى اللهِ، وَقَالَتْ مَلَائِكَةُ الْعَذَابِ: إِنَّهُ لَمْ يَعْمَلْ خَيْرًا قَطُّ، فَأَتَاهُمْ مَلَكٌ فِي صُورَةِ آدَمِيٍّ، فَجَعَلُوهُ بَيْنَهُمْ، فَقَالَ: قِيسُوا مَا بَيْنَ الْأَرْضَيْنِ، فَإِلَى أَيَّتِهِمَا كَانَ أَدْنَى فَهُوَ لَهُ، فَقَاسُوهُ فَوَجَدُوهُ أَدْنَى إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي أَرَادَ، فَقَبَضَتْهُ مَلَائِكَةُ الرَّحْمَةِ». أخرجه مسلم (٤/ ٢١١٨) ح (٢٧٦٦).
[ ٣١ ]