إن مجالسة أهل الاهواء تفسد القلب وتمرضه، فلا يجد لذة في تلاوة القرآن وتدبره، وتذهب منه حلاوة العبادة، وتجعله يفهم القرآن على منهج أهل البدع الذين يجالسهم، ولذا ينبغي الحذر من مجالستهم لمن أراد السلامة لقلبه، ولذا حذر النبي ﷺ من هؤلاء، فعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: «تَلَا رَسُولُ اللهِ ﷺ هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿أُوْلُواْ الْأَلْبَابِ﴾ [آل عمران: ٧]، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: فَإِذَا رَأَيْتِ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ، فَأُولَئِكَ الَّذِينَ سَمَّى اللهُ، فَاحْذَرُوهُمْ» (^١).
وعَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ -﵁-، أَنَّ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- قَالَ: «إِنَّ أَخْوَفَ مَا أَخَافُ عَلَى أُمَّتِي كُلُّ مُنَافِقٍ عَلِيمِ اللِّسَانِ» (^٢).
كان من منهج السلف ﵏ الحذر من مجالسة أهل البدع والأهواء والتحذير من ذلك أشد التحذير؛ لأن القلوب ضعيفة، والشبه خطافة، من تعرض لها تعلقت بقلبه وأفسدته. وقبل ذكر أمثلة من حياة السلف تبين شدة تحرزهم من أهل والأهواء، أود أن أقدم بهذا التنبيه المهم.
تنبيه مهم: وهذه المجالسة في زمننا لا يلزم منها حضور مجالسهم أو قراءة كتبهم؛ لأن مفهوم المجالسة تغير في زمننا بسبب ما يسمى بوسائل التواصل الاجتماعي، ومتابعة نتاجهم الفكري الموجود على شبكة الإنترنت، أو المتابعة التي تتم من خلال البث الفضائي.
_________________
(١) أخرجه البخاري واللفظ له (٦/ ٣٤) ح (٤٥٤٧)، ومسلم (٤/ ٢٠٥٣) ح (٢٦٦٥).
(٢) أخرجه أحمد في المسند (١/ ٢٨٩) ح (١٤٣)، وابن حبان في صحيحه (١/ ٢٨١)، ح (٨٠)، وقال في مجمع الزوائد (١/ ١٨٧) ح (٨٨٦): "رواه البزار وأحمد وأبو يعلى، ورجاله موثقون"، وصححه الألباني في صحيح الجامع (١/ ١٠٧) ح (٢٣٩)، وقال محقق مسند أحمد (١/ ٢٨٩): "سنده قوي".
[ ٧٨ ]
فيستطيع الواحد في هذا الزمن أن يجالس أهل البدع والأهواء ويرى ويسمع دروسهم وخطبهم ومحاضرتهم ويقرأ كتبهم وهو في بيته، وبينه وبينهم المسافات الشاسعة، وأضف إلى هذا ضعف العلم الشرعي وضعف التمسك بالدين عند المتلقين، وقدرة أصحاب الباطل على المحاجة وتلبيس الحق بالباطل؛ ولذا كان الخطر عظيمًا والخطب جليلًا، وحينها نعرف لماذا يحذر السلف من مجالسة أهل الأهواء، ويحرصون على عدم سماع كلامهم مع قوتهم العلمية، وتمكن الدين من قلوبهم، وقدرتهم على المحاجة والمجادلة، إلا أن السلامة لا يعدلها شيء، والقلوب ضعيفة، والشبه خطافة، والشياطين حاضرة تمد أصحابها بزخرف القول الذي قال الله عنه: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ﴾ [الأنعام: ١١٢].
قال إبراهيم النخعي ﵀: "لا تجالسوا أهل الأهواء؛ فإن مجالستهم تذهب بنور الإيمان من القلوب، وتسلب محاسن الوجوه، وتورث البِغْضَة في قلوب المؤمنين" (^١).
وذكر الذهبي ﵀: "عن سفيان الثوري عليه رحمة الله: من أصغى بسمعه إلى صاحب بدعة، وهو يعلم، خرج من عصمة الله، ووكل إلى نفسه.
وعنه: من سمع ببدعة فلا يحكها لجلسائه، لا يلقها في قلوبهم.
قلت (^٢): أكثر أئمة السلف على هذا التحذير، يرون أن القلوب ضعيفة، والشبه خطافة" (^٣).
ومعنى كلام الإمام الذهبي ﵀: أن السلف يحذرون من سماع كلام أهل البدع؛ لأن القلوب ضعيفة سريعة التأثر بما تسمع، والشبه تخطف القلوب، وتميل بها عن طريق الهدى، ويزينها الشيطان فتزل القدم بعد ثبوتها.
_________________
(١) الإبانة الكبرى (٢/ ٤٣٩). والبِغْضَة أي: لا تحبه قلوب المؤمنين. ينظر: الصحاح (٣/ ١٠٦٦ - ١٠٦٧) مادة (بغض).
(٢) القائل الإمام الذهبي ﵀.
(٣) سير أعلام النبلاء (٧/ ٢٦١).
[ ٧٩ ]
وذكر العلماء ﵏ (^١) آثارًا عن السلف في التحذير من مجالسة أهل الأهواء لخطورتها على القلوب، ومن ذلك: "قال أبو قلابة ﵀: لا تجالسوا أهل الأهواء -أو قال: أصحاب الخصومات-؛ فإني لا آمن أن يغمسوكم في ضلالتهم، ويلبسوا عليكم بعض ما تعرفون.
ودخل رجلان من أصحاب الأهواء على محمد بن سيرين، فقالا: يا أبا بكر، نحدثك بحديث؟ قال: لا، قالا: فنقرأ عليك آية؟ قال: لا، لتقومان عني، أو لأقومنَّهْ، فقاما. فقال بعض القوم: يا أبا بكر، وما عليك أن يقرأ عليك آية؟! … وقال: خشيت أن يقرآ آية فيحرفانها، فيقر ذلك في قلبي.
وقال رجل من أهل البدع لأيوب: يا أبا بكر، أسألك عن كلمة؟ فولى، وهو يقول بيده: لا، ولا نصف كلمة.
وكان الحسن يقول: شر داء خالط قلبًا -يعني: الأهواء-.
وقال حذيفة: اتقوا الله، وخذوا طريق من كان قبلكم، والله لئن استقمتم لقد سبقتم سبقًا بعيدًا، ولئن تركتموه يمينًا وشمالًا لقد ضللتم ضلالًا بعيدًا -أو قال: مبينًا-" (^٢).
قال رجل لابن سيرين: "إن فلانًا يريد أن يأتيك، ولا يتكلم بشيء، قال: قل لفلان: لا، ما يأتيني، فإن قلب ابن آدم ضعيف، وإني أخاف أن أسمع منه كلمة، فلا يرجع قلبي إلى ما كان" (^٣).
ويروي الآجري بسنده عن مهدي بن ميمون قال: "سمعت محمدًا -يعني ابن سيرين- وماراه (^٤) رجل في شيء، فقال محمد: إني أعلم ما تريد، وأنا أعلم بالمراء منك، ولكني لا أماريك" (^٥).
وانظر إلى هذا الإمام العظيم من أكابر أهل السنة علمًا وعملًا، ومع هذا العلم
_________________
(١) ينظر: الشريعة (١/ ٤٣٥ - ٤٤٠)، الإبانة الكبرى (٥/ ٢٥٤٤ - ٢٥٤٦)، شرح أصول اعتقاد أهل السنة (١/ ١٠١، ١٥٠ - ١٥١).
(٢) كل هذه الآثار عن السلف ذكرها الذهبي في سير أعلام النبلاء (١١/ ٢٨٥).
(٣) الإبانة الكبرى (٢/ ٤٤٦).
(٤) أي جادله.
(٥) الشريعة للآجري (١/ ٤٥٣).
[ ٨٠ ]
العظيم والقدرة على المجادلة خاف على قلبه من أن تنفذ إليه شبهة فلا يعود كما كان، وتذهب رقته وخشوعه وتلذذه بالعبادة بسبب سماع كلام أهل الباطل، فإنه يمرض القلوب ولو كانت صحيحة، ويفسدها ولو كانت سليمة فالحذر الحذر فإن سماع أو رؤية أهل الباطل تعد عقوبة عند أهل القلوب الحية، فقد دعت أم جريج الراهب على ابنها -لما بصلاة النافلة عنها- بأن يعاقبه الله برؤية وجوه العصاة من المومسات أي الزانيات، وقد عاقبه الله بذلك لأن رؤية الوجوه المظلمة يسري أثرها على القلب بشيء من الغبش في رؤية الحق، فمن سرح طرفه في تلك الوجوه وسمع لكلامها أصابت بقدر القرب ظلمة في قلبه ينعكس أثرها على نفوره من القرآن وأصحابه، وتؤثر كذلك على صفاء القلب، فتصيبه الكدورة التي تضعف فهمه للقرآن ويعجز عن تدبره، ويضيق الصدر بتلاوته، فلا يجد لذة في تدبره وفهمه، ولا ينتفع بمواعظه وزواجره ووعده ووعيده، وقد يصل الحال بقلبه أن يتلذذ بالشهوة الحرام من سماع المعازف ما لا يجده عند تلاوته أو سماعه، نسأل الله العافية والسلامة. …