وهذا دليل بيّن على الانتفاع بالقرآن ونزوله في القلب الذي يثمر ثماره المباركة على عبادة المؤمن، وعلى رأسها امتثال القرآن سلوكًا عمليًا في حسن الخلق.
وسئلت عائشة ﵂ عن خلق رسول الله -ﷺ-، فقالت: " كَانَ خُلُقُهُ الْقُرْآنَ" (^١).
وللأخلاق الحسنة مكانة عظيمة في عبادة المسلم، ولذا اعتنى القرآن العظيم بتربية المسلم على حسن الخلق، ولأنه كتاب مبارك، ومن قرب منه نال من هذه البركة بقدر قربه منه، وهذه البركة مرتبطة بتدبر آياته وفهمها والعمل بها، قال تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [ص: ٢٩].
وكلما ازداد قرب المسلم من كتاب ربه، وتمكن أثره من قلبه، ظهر ذلك عليه في سلوكه وأخلاقه وتعامله، وإنك لتميز صاحب القرآن المرتبط به، من سمته، وحسن تعامله، وبهاء الإيمان الذي تشرق أنواره على قسمات وجهه، وإن أهل القرآن كما قال -ﷺ-: " إِنَّ لِلَّهِ أَهْلِينَ مِنَ النَّاسِ " قَالَ: قِيلَ: مَنْ هُمْ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: " أَهْلُ الْقُرْآنِ هُمْ أَهْلُ اللهِ، وَخَاصَّتُهُ " (^٢).
ومن كان من الله بهذا القرب لابد أن يظهر على سمته وأخلاقه وسائر أحواله أثر هذا القرب في صفاء القلب وطهارته وسلامته، فتحسن أخلاقه وتنبل أفعاله، وهذا الذي ينبغي أن يكون عليه صاحب القرآن، وقال عبد الله بن مسعود ﵁ الله عنه في وصف حامل القرآن: «ينبغي لحامل القرآن أن يعرف بليله إذا الناس نائمون، وبنهاره إذا الناس يفطرون، وبحزنه إذا الناس يفرحون، وببكائه إذا الناس يضحكون، وبصمته إذا الناس يخلطون، وبخشوعه إذا الناس يختالون، وينبغي لحامل القرآن أن يكون باكيًا محزونًا حكيمًا حليمًا عليمًا سِكِّيتًا، وَلَا يَنْبَغِي لِحَامِلِ الْقُرْآنِ أَنْ يَكُونَ جَافِيًا، وَلَا غَافِلًا، وَلَا صَخَّابًا، وَلَا صَيَّاحًا، وَلَا حَدِيدًا» (^٣).
_________________
(١) أصله في صحيح مسلم مطولًا (١/ ٥١٢) ح (٧٤٦)، وهذا لفظ الإمام أحمد (٤٢/ ١٨٣) ح (٢٥٣٠٢).
(٢) أخرجه أحمد (١٩/ ٣٠٥) ح (١٢٢٩٢)، وابن ماجه (١/ ٧٨) ح (٢١٥)، والبزار (١٣/ ٥٢٠) ح (٧٣٦٩)، والحاكم (١/ ٧٤٣) ح (٢٠٤٦)، وحكم الألباني بصحته في تحقيقه لسنن ابن ماجه، وصححه كذلك في صحيح الترغيب والترهيب (٢/ ١٦٨) ح (١٤٣٢)، وحسن إسناده محقق المسند.
(٣) حلية الأولياء (١/ ١٣٠).
[ ٦٥ ]
وانظر رحمني الله وإياك إلى المكانة العالية لأهل الأخلاق الحسنة، فعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ، عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- قَالَ: «أَثْقَلُ شَيْءٍ فِي الْمِيزَانِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ خُلُقٌ حَسَنٌ» (^١).
وقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو ﵄: قال -ﷺ-: «إِنَّ مِنْ أَحَبِّكُمْ إِلَيَّ أَحْسَنَكُمْ أَخْلَاقًا» (^٢).
وفي رواية أخرى عن عَبْدِ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو ﵄: قال النبي -ﷺ-: «إِنَّ خِيَارَكُمْ أَحَاسِنُكُمْ أَخْلَاقًا» (^٣).
وعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: «إِنَّ الْمُؤْمِنَ لَيُدْرِكُ بِحُسْنِ خُلُقِهِ دَرَجَةَ الصَّائِمِ الْقَائِمِ» (^٤).
وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- عَنْ أَكْثَرِ مَا يُدْخِلُ النَّاسَ الجَنَّةَ، فَقَالَ: «تَقْوَى اللَّهِ وَحُسْنُ الخُلُقِ»، وَسُئِلَ عَنْ أَكْثَرِ مَا يُدْخِلُ النَّاسَ النَّارَ، فَقَالَ: «الفَمُ وَالفَرْجُ» (^٥).
وعن عبد الله بن عمرو ﵄ أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ -ﷺ- يَقُولُ: «أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِأَحَبِّكُمْ إِلَيَّ وَأَقْرَبِكُمْ مِنِّي مَجْلِسًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟»، فَسَكَتَ الْقَوْمُ، فَأَعَادَهَا مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا، قَالَ الْقَوْمُ: نَعَمْ يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: «أَحْسَنُكُمْ خُلُقًا» (^٦).
ومما يدل على مكانة حسن الخلق وأثره العظيم أنه سبب لدخول الجنة مع قلة النوافل، أو العقوبة بالنار لمن ساء خلقه مع كثرة نوافله، لكنها لا تنفعه، بسبب سوء خلقه، فعنْ أَبِي هُرَيْرَةَ
_________________
(١) أخرجه أحمد في المسند (٤٥/ ٥٣٧) ح (٢٧٥٥٥)، وابن حبان (٢/ ٢٣٠) ح (٤٨١)، وصححه الألباني في صحيح الجامع (١/ ٨٩) ح (١٣٤)، وقال محقق المسند (٤٥/ ٥٣٧) ح (٢٧٥٥٥): "حديث صحيح".
(٢) أخرجه البخاري (٥/ ٢٨) ح (٣٧٥٩).
(٣) أخرجه البخاري وهذا لفظه (٨/ ١٤) ح (٦٠٣٥)، ومسلم (٤/ ١٨١٠) ح (٢٣٢١)
(٤) أخرجه أحمد في المسند (٤٢/ ٣٤٦) ح (٢٥٥٣٧)، وأبو داود (٤/ ٢٥٢) ح (٤٧٩٨)، وابن حبان (٢/ ٢٢٨) ح (٤٨٠)، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٣/ ٨) ح (٢٦٤٣)، وقال شعيب الأرناؤوط في تحقيقه للمسند (٤٢/ ٣٤٦) ح (٢٥٥٣٧): "حديث صحيح لغيره".
(٥) أخرجه أحمد في المسند (١٥/ ٤٧) ح (٩٠٩٦)، والترمذي (٤/ ٣٦٣) ح (٢٠٠٤) وقال: "صحيح غريب"، وابن ماجه (٢/ ١٤١٨) ح (٤٢٤٦)، وابن حبان (٢/ ٢٢٤) ح (٤٧٦)، والحاكم (٤/ ٣٦٠) ح (٧٩١٩) وصححه ووافقه الذهبي، وحسنه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٢/ ٣١٨) ح (١٧٢٣).
(٦) أخرجه أحمد في المسند (١١/ ٣٤٧) ح (٦٧٣٥)، وابن حبان (٢/ ٢٣٥) ح (٤٨٥)، وقال في مجمع الزوائد (٨/ ٢١) ح (١٢٦٦٦): "رواه أحمد بإسناد جيد"، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٣/ ١٠) ح (٢٦٥٠).
[ ٦٦ ]
قَالَ: قَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ فُلَانَةَ يُذْكَرُ مِنْ كَثْرَةِ صَلَاتِهَا وَصِيَامِهَا وَصَدَقَتِهَا، غَيْرَ أَنَّهَا تُؤْذِي جِيرَانَهَا بِلِسَانِهَا، قَالَ: «هِيَ فِي النَّارِ»، قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، فَإِنَّ فُلَانَةَ يُذْكَرُ مِنْ قِلَّةِ صِيَامِهَا وَصَدَقَتِهَا وَصَلَاتِهَا، وَإِنَّهَا تَصَدَّقُ بِالْأَثْوَارِ مِنَ الْأَقِطِ، وَلَا تُؤْذِي جِيرَانَهَا بِلِسَانِهَا، قَالَ: «هِيَ فِي الْجَنَّةِ» (^١).
_________________
(١) أخرجه أحمد في المسند (٢٩/ ٣٣) ح (٩٦٧٤)، وابن حبان (١٣/ ٧٦) ح (٥٧٦٤)، والحاكم (٤/ ١٨٣) ح (٧٣٠٤) وصححه ووافقه الذهبي، ولفظه عند الحاكم: إنَّ فُلَانَةَ تُصَلِّي اللَّيْلَ وَتَصُومُ النَّهَارَ وَفِي لِسَانُهَا شَيْءٌ يُؤْذِي جِيرَانَهَا سَلِيطَةٌ، قَالَ: «لَا خَيْرَ فِيهَا هِيَ فِي النَّارِ» وَقِيلَ لَهُ: إِنَّ فُلَانَةَ تُصَلِّي الْمَكْتُوبَةَ وَتَصُومُ رَمَضَانَ وَتَتَصَدَّقُ بِالْأَثْوَارِ وَلَيْسَ لَهَا شَيْءٌ غَيْرُهُ وَلَا تُؤْذِي أَحَدًا، قَالَ: «هِيَ فِي الْجَنَّةِ»، وقال في مجمع الزوائد (٨/ ١٦٩): "رواه أحمد والبزار، ورجاله ثقات"، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٢/ ٦٨٢) ح (٢٥٦٠).
[ ٦٧ ]