ومما يدل على المكانة العظيمة للدعاء قول النبي -ﷺ-: «الدُّعَاءُ هُوَ العِبَادَةُ» (^١).
وأفاد الملا على القاري ﵀ في شرحه لهذا الحديث بأن الدعاء: "هو العبادة الحقيقية التي تستأهل أن تسمى عبادة لدلالته على الإقبال على الله، والإعراض عما سواه، بحيث لا يرجو ولا يخاف إلا إياه، قائمًا بوجوب العبودية، معترفًا بحق الربوبية، عالمًا بنعمة الإيجاد، طالبًا لمدد الإمداد على وفق المراد وتوفيق الإسعاد" (^٢).
قال تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر: ٦٠].
وقال تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ [البقرة: ١٨٦].
وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- قَالَ: «لَيْسَ شَيْءٌ أَكْرَمَ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى مِنَ الدُّعَاءِ» (^٣).
وهذا دعاء عظيم ينبغي أن يقبل القلب عليه، له ارتباط بالتلذذ بالقرآن والطلب من الله أن يذهب عن العبد الهم والحزن، ويكون ذلك بأثر القرآن على قلبه، قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: " مَا أَصَابَ أَحَدًا قَطُّ هَمٌّ وَلَا حَزَنٌ، فَقَالَ: اللهُمَّ إِنِّي عَبْدُكَ، ابْنُ
_________________
(١) أخرجه أحمد في مسنده (٣٠/ ٣٤٠) ح (١٨٣٩١)، وأبو داود (٢/ ٧٦) ح (١٤٧٩)، والترمذي (٥/ ٣٧٥) ح (٣٢٤٧) وقال: "هذا حديث حسن صحيح"، وابن ماجه (٢/ ١٢٥٨) ح (٣٨٢٨)، والحاكم (١/ ٦٦٧) ح (١٨٠٢) وصححه، وأقره الذهبي، وصححه الألباني في صحيح الجامع (١/ ٦٤١) ح (٣٤٠٧)، وقال محقق المسند (٣٠/ ٣٤٠) ح (١٨٣٩١): "إسناده صحيح".
(٢) مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح (٤/ ١٥٢٧).
(٣) أخرجه أحمد في المسند (١٤/ ٣٦٠) ح (٨٧٤٨)، والترمذي (٥/ ٤٥٥) ح (٣٣٧٠) وقال: «هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ، لَا نَعْرِفُهُ مَرْفُوعًا إِلَّا مِنْ حَدِيثِ عِمْرَانَ القَطَّانِ .. "، وابن ماجه (٢/ ١٢٥٨) ح (٣٨٢٩)، وحسن إسناده الألباني في صحيح الجامع (٢/ ٩٥١) ح (٥٣٩٢)، وكذلك شعيب الأرناؤوط في تحقيقه لسنن ابن ماجه (٥/ ٦) ح (٣٨٢٩).
[ ٣٢ ]
عَبْدِكَ، ابْنُ أَمَتِكَ نَاصِيَتِي بِيَدِكَ، مَاضٍ فِيَّ حُكْمُكَ، عَدْلٌ فِيَّ قَضَاؤُكَ، أَسْأَلُكَ بِكُلِّ اسْمٍ هُوَ لَكَ سَمَّيْتَ بِهِ نَفْسَكَ، أَوْ عَلَّمْتَهُ أَحَدًا مِنْ خَلْقِكَ، أَوْ أَنْزَلْتَهُ فِي كِتَابِكَ، أَوِ اسْتَأْثَرْتَ بِهِ فِي عِلْمِ الْغَيْبِ عِنْدَكَ، أَنْ تَجْعَلَ الْقُرْآنَ رَبِيعَ قَلْبِي، وَنُورَ صَدْرِي، وَجِلَاءَ حُزْنِي، وَذَهَابَ هَمِّي، إِلَّا أَذْهَبَ اللهُ هَمَّهُ وَحُزْنَهُ، وَأَبْدَلَهُ مَكَانَهُ فَرَحًا "، قَالَ: فَقِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَلَا نَتَعَلَّمُهَا؟ فَقَالَ: " بَلَى، يَنْبَغِي لِمَنْ سَمِعَهَا أَنْ يَتَعَلَّمَهَا " (^١).
أما أثر الدعاء على صلاح القلب فأثره عظيم، وما يترتب على ذلك من المعاني العظيمة، ومنها:
١ - الشعور بمعية الله له وقربه منه.
٢ - قوة القلب وثباته وشجاعته.
٣ - صلاح القلب وثباته على الحق.
فإذا صدق العبد في الطلب والإلحاح على ربه أن يرزقه تدبر القرآن وفهمه على ما يحب ويرضى وأن يرزقه التلذذ به، فإن ثمرة ذلك شعور العبد برقة في قلبه يظهر أثرها على جوارحه خشوعًا وبكاء من خشية الله، عند تلاوة القرآن أو سماعه.
_________________
(١) أخرجه أحمد (٦/ ٢٤٦ - ٢٤٧) ح (٣٧١٢)، والبزار (٥/ ٣٦٣) ح (١٩٩٤)، وأبو يعلى (٩/ ١٩٨) ح (٥٢٩٧)، وابن حبان (٣/ ٢٥٣) ح (٩٧٢)، وقال في مجمع الزوائد ومنبع الفوائد (١٠/ ١٣٦) ح (١٧١٢٩) "ورجال أحمد وأبي يعلى رجال الصحيح غير أبي سلمة الجهني، وقد وثقه ابن حبان"، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٢/ ٣٦١) ح (١٨٢٢)، وصحح إسناده أحمد شاكر في تحقيقه للمسند ح (٤٣١٨) (٤/ ٢١٥).
[ ٣٣ ]