تدبر كتاب الله له أهمية عظيمة وأثر كبير على حياة قلب المؤمن، ومن ذلك (^١):
١ - اكتسب أهميته وشرفه لتعلقه بفهم كتاب الله فلذا صار من أشرف الأمور وأجلها وأفضلها.
٢ - ولأن الله أمر به وأوجبه على عباده المؤمنين، فقال تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرا﴾ [النساء: ٨٢].
وقال تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ [محمد: ٢٤].
وهذا الخطاب وإن كان في أصله موجه إلى غير المسلمين، فلزوم التدبر ووجوبه على المسلم من باب أولى، ولهذا استنبط العلماء وجوب التدبر على المسلم من قوله تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْءَانَ﴾ فقال القرطبي ﵀: "ودلت هذه الآية (^٢) وقوله تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ على وجوب التدبر في القرآن ليعرف معناه" (^٣).
وقال الشنقيطي ﵀ بعد أن أورد آيات التدبر فختم الكلام عليها بقوله: "وهذه الآيات المذكورة تدل على أن تدبر القرآن وتفهمه وتعلمه والعمل به، أمر لا بدَّ منه للمسلمين" (^٤).
٣ - إن الله جعل التدبر مقصودًا من إنزاله، فقال -﷾-: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [ص: ٢٩].
_________________
(١) ينظر في ذلك: الخلاصة في تدبر القرآن الكريم (ص ٢١)، وخطبة عن وجوب تدبر القرآن، د. محمود الدوسري على شبكة الألوكة.
(٢) يعني قوله تعالى في سورة النساء: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرا﴾.
(٣) تفسير القرطبي (٥/ ٢٩٠).
(٤) أضواء البيان (٧/ ٤٥٨).
[ ٤٥ ]
قال الشنقيطي ﵀ معلقًا على الآية السابقة: " وأما كون تدبر آياته، من حِكَم إنزاله، فقد أشار إليه في بعض الآيات، بالتحضيض على تدبره، وتوبيخ من لم يتدبره، كقوله تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرا﴾ [النساء: ٨٢]، .. وقوله تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أَمْ جَاءَهُمْ مَا لَمْ يَأْتِ آبَاءَهُمُ الْأَوَّلِينَ﴾ [المؤمنون: ٦٨] (^١).
وقال ﵀ (^٢) في موطن آخر معلقًا على قوله تعالى ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ [محمد: ٢٤]: " وما تضمنته هذه الآية الكريمة من التوبيخ والإِنكار على من أعرض عن تدبر كتاب الله، جاء موضحًا في آيات كثيرة، كقوله تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرا﴾ [النساء: ٨٢]، .. وقوله تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أَمْ جَاءَهُمْ مَا لَمْ يَأْتِ آبَاءَهُمُ الْأَوَّلِينَ﴾ [المؤمنون: ٦٨]، وقوله تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [ص: ٢٩].
وقد ذم جل وعلا المعرض عن هذا القرآن العظيم في آيات كثيرة، كقوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا﴾ [الكهف: ٥٧] الآية، وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا﴾ [السجدة: ٢٢].
ومعلوم أن كل من لم يشتغل بتدبر آيات القرآن العظيم، أي تصفحها وتفهمها، وإدراك معانيها، والعمل بها؛ فإنه معرض عنها، غير متدبر لها، فيستحق الإِنكار والتوبيخ المذكور في الآيات، إن كان الله أعطاه فهمًا يقدر به على التدبر، وقد
_________________
(١) أضواء البيان (٧/ ٣٤).
(٢) أي الإمام الشنقيطي.
[ ٤٦ ]
شكا النبي ﷺ إلى ربه من هجر قومه هذا القرآن، كما قال تعالى: ﴿وَقَالَ الرَّسُولُ يَارَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورا﴾ [الفرقان: ٣٠].
وهذه الآيات المذكورة تدل على أن تدبر القرآن وتفهمه وتعلمه والعمل به، أمر لا بدَّ منه للمسلمين.
وقد بين النبي ﷺ أن المشتغلين بذلك هم خير الناس، كما ثبت عنه ﷺ في الصحيح (^١) من حديث عثمان بن عفان ﵁ أنه قال: «خَيْرُكُمْ مَنْ تَعَلَّمَ الْقُرْآنَ وَعَلَّمَهُ»، وقال تعالى: ﴿وَلَكِن كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ﴾ [آل عمران: ٧٩].
فإعراض كثير من الأقطار عن النظر في كتاب الله وتفهمه والعمل به وبالسنة الثابتة المبينة له، من أعظم المناكر وأشنعها، وإن ظن فاعلوه أنهم على هدى .. " انتهى المقصود من كلامه ﵀ (^٢).
٤ - إنه الطريق إلى معرفة العبد لخالقه ﷻ معرفة صحيحة بأسمائه وصفاته وأفعاله، وهو الطريق إلى معرفة صراطه المستقيم الذي أمر العباد بسلوكه.
قال الآجري ﵀: «ومن تدبر كلامه، عرف الربَّ ﷿، وعرف عظيم سلطانه وقدرته، وعرف عظيم تَفَضُّله على المؤمنين، وعرف ما عليه من فَرْضِ عبادته، فألزم نفسه الواجب، فحذر مما حذَّره مولاه الكريم، ورغب فيما رَغَّبه فيه، ومن كانت هذه صفته عند تلاوته للقرآن وعند استماعه من غيره، كان القرآن له شفاء، فاستغنى بلا مال، وَعَزَّ بلا عشيرة، وأَنِس بما يستوحش منه غيره، وكان هَمُّه عند التلاوة للسّورة إذا افتتحها: متى أتعظ بما أتلو؟! ولم يكن مراده: متى أختم
_________________
(١) أخرجه البخاري (٦/ ١٩٢) ح (٥٠٢٧).
(٢) أضواء البيان (٧/ ٤٥٧ - ٤٥٨).
[ ٤٧ ]
السّورة؟! وإنما مراده: متى أعقل عن الله الخطاب؟! متى أزدجر؟! متى أعتبر؟! لأن تلاوته للقرآن عبادة، والعبادة لا تكون بغفلة» اهـ (^١) " (^٢).
٥ - قال ابن القيم ﵀: "وبالجملة؛ فلا شيء أنفع للقلب من قراءة القرآن بالتدبر والتفكر؛ فإنه جامع لجميع منازل السائرين، وأحوال العاملين، ومقامات العارفين، وهو الذي يورث المحبة والشوق والخوف والرجاء والإنابة والتوكل والرضا والتفويض والشكر والصبر وسائر الأحوال التي بها حياة القلب وكماله، وكذلك يزجر عن جميع الصفات والأفعال المذمومة التي بها فساد القلب وهلاكه.
فلو علم الناس ما في قراءة القرآن بالتدبر لاشتغلوا بها عن كل ما سواها، فإذا قرأه بتفكر حتى مر بآية هو محتاج إليها في شفاء قلبه كررها ولو مئة مرة، ولو ليلة؛ فقراءة آية بتفكر وتفهم خير من قراءة ختمة بغير تدبر وتفهم، وأنفع للقلب، وأدعى إلى حصول الإيمان وذوق حلاوة القرآن" (^٣).
_________________
(١) أخلاق أهل القرآن (ص ٣٦ - ٣٧).
(٢) الخلاصة في تدبر القرآن الكريم (ص ٢٣ - ٢٤).
(٣) مفتاح دار السعادة (١/ ٥٣٥).
[ ٤٨ ]