ولهذا التدبر عدة وسائل، منها:
١ - الاستعاذة بالله من الشيطان الرجيم قبل التلاوة.
قال تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ [النحل: ٩٨].
وذكر ابن القيم رحمه عدة فوائد وثمرات للاستعاذة بالله من الشيطان الرجيم قبل التلاوة واختصر منها الآتي:
- "ومنها، أن القرآن شفاء لما في الصدور، مُذهِبٌ لما يلقيه الشيطان فيها من الوساوس والشهوات والإرادات الفاسدة، فهو دواء لما أَثَّره فيها الشيطان، فأمر أن يطرُدَ مادة الداء، ويُخلِي منه القلب، ليصادف الدواء محلًّا خاليًا، فيتمكّن منه، ويؤثِّر فيه .. فيجيء هذا الدواء الشافي إلى القلب قد خلا من مزاحمٍ ومُضادٍّ له، فينجع فيه.
- ومنها: أن القرآن مادة الهدى والعلم والخير في القلب، كما أن الماء مادة النبات، والشيطان نارٌ يحرق النبات أولًا فأولًا، فكلما أحسَّ بنبات الخير في القلب سعى في إفساده وإحراقه، فأُمر أن يستعيذ بالله منه؛ لئلا يُفسِد عليه ما يحصل له بالقرآن.
والفرق بين هذا الوجه والوجه الذي قبله: أن الاستعاذة في الوجه الأول لأجل حصول فائدة القرآن، وفى الوجه الثاني لأجل بقائها وحفظها وثباتها.
- … ومنها: أن الله سبحانه أخبر أنه ما أرسل من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى ألقى
_________________
(١) الهذُّ: السرعة، والمراد به هنا: سرعة قراءة القرآن كما يسرع في قراءة الشعر. ينظر: النهاية في غريب الحديث والأثر (٥/ ٢٥٥) مادة (هذذ).
(٢) أخرجه مسلم (١/ ٥٦٣) وسيأتي الأثر بتفصيل أكثر.
[ ٥٠ ]
- الشيطان في أُمنيته، والسلف كلهم على أن المعنى: إذا تلا ألقى الشيطان في تلاوته .. فإذا كان هذا فعله مع الرسل، فكيف بغيرهم؟
ولهذا يُغلِّط القارئ تارة، ويخلط عليه القراءة، ويشوِّشها عليه، فيخبط عليه لسانه، أو يُشوِّش عليه فهمه وقلبه، فإذا حضر عند القراءة لم يَعدمْ منه القارئ هذا أو هذا، وربما جمعهما له، فكان من أهم الأمور: استعاذة بالله منه عند القراءة.
- ومنها: أن الشيطان أحرصُ ما يكون على الإنسان عندما يهُمُّ بالخير، أو يدخل فيه، فهو يشتد عليه حينئذٍ ليقطعه عنه .. فالشيطان بالرَّصدِ للإنسان على طريق كل خير .. فهو بالرَّصد، ولاسيما عند قراءة القرآن، فأمر سبحانه العبد أن يحارب عدُوَّه الذي يقطع عليه الطريق، ويستعيذ بالله منه أولًا، ثم يأخذ في السير" (^١).
٢ - أن يشعر بأن القرآن خطاب موجه له من الله تعالى (^٢).
أَتَى رَجُلٌ إلى عَبْدِ اللَّهِ بن مسعودٍ ﵁، فَقَالَ: أَوْصِنِي، فَقَالَ: "إِذَا سَمِعْتَ اللَّهَ ﷿ يَقُولُ فِي كِتَابِهِ: ﴿يَا أَيُّهَا الذين آمنوا﴾، فَأَصْغِ لَهَا سَمْعَكَ، فَإِنَّهُ خَيْرٌ تُؤْمَرُ بِهِ، أَوْ شَرٌّ تُصْرَفُ عنه" (^٣).
وقال الحسن البصري ﵀ عن القرآن: " .. وإن من كان قبلكم رأوه رسائل إليهم من ربهم، فكانوا يتدبرونها بالليل، وينفذونها بالنهار" (^٤).
وقال محمد بن كعب القرظي ﵀: " من بلغه القرآن، فكأنما رأى النبي -ﷺ- " (^٥).
_________________
(١) إغاثة اللهفان في مصايد الشيطان (١/ ١٥٨ - ١٦١).
(٢) ينظر: الخلاصة في تدبر القرآن الكريم (ص ٦٦ - ٦٧).
(٣) أخرجه سعيد بن منصور في سننه (١/ ٢١١) رقمه (٥٠).
(٤) تفسير ابن عطية (١/ ٣٩).
(٥) تفسير الطبري (٩/ ١٨٢).
[ ٥١ ]
وقال سلم الخواص ﵀: "قلت لنفسي: يا نفس، اقرئي القرآن كأنك سمعتيه من الله حين تكلم به، فجاءت الحلاوة" (^١).
وقال ابن القيم ﵀: " إذا أردت الانتفاع بالقرآن فاجمع قلبك عند تلاوته وسماعه، وألق سمعك، واحضر حضور من يخاطبه به من تكلم به سبحانه منه إليه؛ فإنه خطاب منه لك على لسان رسوله" (^٢).
وقال أيضًا: " وبالجملة فمن قرئ عليه القرآن فليقدر نفسه كأنما يسمعه من الله يخاطبه به، فإذا حصل له مع ذلك السماع به، وله، وفيه ازدحمت معاني المسموع ولطائفه وعجائبه على قلبه وازدلفت إليه بأيها يبدأ، فما شئت من علم وحكم، وتعرف وبصيرة، وهداية وعبرة" (^٣).
وقال والد محمد إقبال لابنه لما رأه يكثر من تلاوة القرآن، يا بني إذا أردت أن تفقه القرآن فأقرأه كأنه أنزل عليك (^٤).
فقيل: إنه كان بعد ذلك إذا قرأ القرآن يبل ورقات المصحف بدموعه (^٥).
٣ - تكرار الآية أو الآيات في الموضوع الواحد.
فهذا التكرار له أثره العظيم على حضور القلب، وفهم ما يتلوه، وحسن تدبره له، وهو منهج نبوي، فقد ردد النبي ﷺ آية في صلاة الليل حتى أصبح، يَقُولُ أبو ذر ﵁: «قَامَ النَّبِيُّ ﷺ بِآيَةٍ حَتَّى أَصْبَحَ يُرَدِّدُهَا» وَالْآيَةُ: ﴿إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [المائدة: ١١٨] (^٦).
_________________
(١) سير أعلام النبلاء (٨/ ١٨٠).
(٢) الفوائد (١/ ٣).
(٣) مدارج السالكين (٢/ ١٦٦).
(٤) ينظر: محمد إقبال سيرته وفلسفته وشعره (٢٤).
(٥) سمعته قديمًا ولا يحضرني من قاله.
(٦) أخرجه أحمد (٣٥/ ٣١٠) ح (٢١٣٨٨)، والنسائي (٢/ ١٧٧) ح (١٠١٠)، وابن ماجه (١/ ٤٢٩) ح (١٣٥٠)، والحاكم (١/ ٣٦٧) ح (٨٧٩) وصححه ووافقه الذهبي، وحسن إسناده محقق المسند، وحسنه كذلك الألباني في تحقيقه لسنن ابن ماجه (١/ ٤٢٩) ح (١٣٥٠).
[ ٥٢ ]
قال ابن القيم ﵀: " فإذا قرأه بتفكر حتى مر بآية هو محتاج إليها في شفاء قلبه كررها ولو مئة مرة، ولو ليلة؛ فقراءة آية بتفكر وتفهم خير من قراءة ختمة بغير تدبر وتفهم، وأنفع للقلب، وأدعى إلى حصول الإيمان وذوق حلاوة القرآن.
وهذه كانت عادة السلف، يردد أحدهم الآية إلى الصباح .. فقراءة القرآن بالتفكر هي أصل صلاح القلب.
ولهذا قال ابن مسعود: «لا تهذوا القرآن هذ الشعر، ولا تنثروه نثر الدقل، وقفوا عند عجائبه، وحركوا به القلوب».
وقال ابن مسعود ــ أيضا ــ: «اقرؤوا القرآن، وحركوا به القلوب، لا يكن هم أحدكم آخر السورة».
وروى أيوب، عن أبي جمرة، قال: قلت لابن عباس: إني سريع القراءة، إني أقرأ القرآن في ثلاث. قال: «لأن أقرأ سورة من القرآن في ليلة فأتدبرها وأرتلها أحب إلي من أن أقرأ القرآن كما تقرأ» " (^١).
وعن عباد بن حمزة قال: "دخلت على أسماء وهي تقرأ: ﴿فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ﴾ [الطور: ٢٧]، قال: فوقفت عليها، فجعلت تستعيذ وتدعو، قال عباد: فذهبت إلى السوق فقضيت حاجتي ثم رجعت وهي فيها بعد تستعيذ وتدعو" (^٢).
وعَنْ مَسْرُوقٍ، أَنَّ تَمِيمًا الدَّارِيَّ رَدَّدَ هَذِهِ الْآيَةَ حَتَّى أَصْبَحَ: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ [الجاثية: ٢١] (^٣).
وعَنْ هِشَامٍ الدَّسْتُوَائِيِّ، قَالَ: " لَمَّا تُوُفِّيَ عَمْرُو بْنُ عُتْبَةَ بْنِ فَرْقَدٍ دَخَلَ بَعْضُ أَصْحَابِهِ عَلَى أُخْتِهِ، فَقَالَ: أَخْبِرِينَا عَنْهُ. فَقَالَتْ: قَامَ ذَاتَ لَيْلَةٍ فَاسْتَفْتَحَ سُورَةَ حم، فَلَمَّا أَتَى عَلَى
_________________
(١) مفتاح دار السعادة (١/ ٥٣٥ - ٥٣٦).
(٢) مصنف ابن أبي شيبة (٤/ ٣٠٩ ت الشثري) رقم (٦١٧٦).
(٣) الزهد لوكيع (ص ٣٨٨).
[ ٥٣ ]
هَذِهِ الْآيَةِ: ﴿وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الْآزِفَةِ إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ﴾ [غافر: ١٨] فَمَا جَاوَزَهَا حَتَّى أَصْبَحَ " (^١)
وقَالَ الْقَاسِمُ بْنُ أَبِي أَيُّوبَ: سَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ، يُرَدِّدُ هَذِهِ الْآيَةَ فِي الصَّلَاةِ بِضْعًا وَعِشْرِينَ مَرَّةً: ﴿وَاتَّقُواْ يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٨١] (^٢).
وردد ابن مسعود ﵁: ﴿رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ [طه: ١١٤] (^٣).
وردد أيضًا: ﴿مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ﴾ [الانفطار: ٦] (^٤).
وكان الضحاك إذا تلا قوله تعالى: ﴿لَهُم مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ﴾ [الزمر: ١٦] رددها إلى السحر (^٥).
٤ - أن يعيش بقلبه وأحاسيسه في معنى الآيات، ويسبح بفكره في معانيها، فيحرك قلبه بها، ويتصور مشاهدها كأنها رأي عين.
وهذا يحصل مع تكرار الآية أو الآيات في الموضوع الواحد، ولابد من صفاء النية ونقائها وإخلاصها لله، مع الدعاء الذي يلح فيه على ربه أن يرزقه تدبر الآيات كما يحب ويرضى الذي يؤدي إلى خشوع قلبه وتأثره بالآيات وزيادة إيمانه وخشوع جوارحه وبكاؤه من خشية الله ..
٥ - أن يحاسب نفسه إذا لم يجد أثرًا للآيات في قلبه.
ولن تحصل المحاسبة للنفس إلا شعر في قلبه بأهمية تدبر القرآن، وشعر كذلك أنه ما قسى قلبه إلا بسبب ذنوبه وغفلته عن ربه فيسارع إلى الندم والاستغفار
_________________
(١) حلية الأولياء (٤/ ١٥٨).
(٢) فضائل القرآن - أبو عبيد (ص ١٤٨).
(٣) التبيان في آداب حملة القرآن (ص ٨٦).
(٤) التبيان في آداب حملة القرآن (ص ٨٦).
(٥) التبيان في آداب حملة القرآن (ص ٨٦).
[ ٥٤ ]
والتوبة الصادقة من قلبه، ثم يقوم بلوم نفسه لماذا يا نفس لا يأثر فيك القرآن الذي لو أنزل على جبل لرأيته كما قال الله تعالى: ﴿لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الحشر: ٢١].
٦ - … الرجوع لتفسير مختصر لفهم بعض الآيات التي يشكل على القارئ معناها.
وهي قليلة لأن أكثر آيات القرآن من الآيات المحكمة التي يفهم العربي معناها، ومع ذلك إذا احتاج إلى فهم معنى آية رجع إلى مختصر التفسير حتى يتمكن من تدبرها والانتفاع بها، ويستحسن أن يكون معه مصحف بهامشه مختصر التفسير، حتى إذا أشكل عليه فهم آية رجع من قريب.
٧ - ترتيل الآيات وتحسين الصوت بقدر الوسع بدون تكلف.
وللصوت الحسن أثر في زيادة تدبر الآية أو الآيات التي يريد تدبرها مع تكراره لها يحاول أن يحسن صوته بها حتى يصل الخشوع والتأثر إلى قلبه، فينزل أثر الآيات إلى القلب ومن ثم إلى الجوارح فيقشعر الجسد وتدمع العين من التأثر الناتج عن تكرار الآية أو الآيات مع تحسين الصوت والقراءة بنبرة الحزن أكثر أثرًا من غيرها
٨ - أن يحرص على الخلوة مع ربه في ظلمة الليل عند تدبره للآيات.
بقدر ما يستطيع يحرص على الخلوة مع ربه عند تدبره للآيات، لأن ادعى لانقطاع الشواغل عنه وبعده عن العجب والرياء والسمعة الآفات الممرضة للقلب والقاطعة بينه وبين بركة التدبر، فهي أشد خطرًا على القلب من السموم على الجسد، وتلاوة القرآن وتدبره وترتيله وتحسين الصوت به، مما ينفذ من الشيطان إذا وجد في القلب مدخلًا من حب تلك الأمور المهلكة التي ربما لا يشعر بخطرها لضعف إيمان القلب فتردية في أودية الخسارة في الدنيا والآخرة والحرمان وقلة التوفيق، ولذا على من كان لا بد له أن يتصدى للظهور إما لإمامة الناس
[ ٥٥ ]
وتعليمهم أو يظهر على المواقع والقنوات ونحوها للتلاوة يلزم عليه أن يكون على حرص تام من تسرب شوائب العجب وحب السمعة والرياء إلى قلبه، دائم المحاسبة لنفسه حريصًا كل الحرص على سلامة مقاصده مجاهدًا لنفسه، ينظر لها بمنظار صاف، لا يجامل مع نفسه ولا يداهن معها، ومع ذلك يكون داعيًا ملحًا في الدعاء على ربه أن يرزقه الإخلاص لوجهه الكريم وأن يجيره من الرياء والسمعة والعجب بعمله.
ووقت الليل أكثر صفاء من وقت النهار، يقول ابن حجر ﵀ معلقًا على مدارسة جبريل -﵇- للنبي -ﷺ- القرآن في كل ليلة من رمضان: "وأن المقصود من التلاوة الحضور والفهم، لأن الليل مظنة ذلك؛ لما في النهار من الشواغل والعوارض الدنيوية والدينية" (^١).
وقال النووي ﵀: «ينبغي للمرء أن يكون اعتناؤه بقراءة القرآن في الليل أكثر، وفي صلاة الليل أكثر .. والأحاديث والآثار في هذا كثيرة .. وإنما رُجِّحت صلاة الليل وقراءته؛ لكونها أجمع للقلب، وأبعد عن الشاغلات والمُلْهِيَات والتصرف في الحاجات، وأصون عن الرياء وغيره من المُحْبِطَات، مع ما جاء به الشرع من إيجاد الخيرات في الليل (^٢) ..» (^٣).
والخلوة مع الله في ظلمة الليل واقفًا بين يديه قائمًا راكعًا ساجدًا لتلاوة كتابه وتدبر آياته لها طعم وحلاوة ولذة لا مثيل لها.
يقول من ذاق ذلك: " أهل الليل في ليلهم ألذ من أهل اللهو في لهوهم ولولا الليل ما أحببت البقاء" (^٤).
عَنِ الْحَسَنِ قَالَ: «تَفَقَّدُوا الْحَلَاوَةَ فِي الصَّلَاةِ وَفِي الْقُرْآنِ وَفِي الذِّكْرِ فَإِنْ وَجَدْتُمُوهَا
_________________
(١) فتح الباري (٩/ ٤٥).
(٢) وذكر ﵀ لهذا أمثلة من الأسراء والمعراج، ونزول الله في ثلث الليل الآخر
(٣) التبيان في آداب حملة القرآن (٨٢ - ٨٤) ط المنهاج.
(٤) نقله في تاريخ دمشق لابن عساكر (٣٤/ ١٤٦) عن أبي سليمان الدارني.
[ ٥٦ ]
فَامْضُوا وَأَبْشِرُوا وَإِنْ لَمْ تَجِدُوهَا فَاعْلَمُوا أَنَّ الْبَابَ مُغْلَقٌ» (^١).
٩ - أن يفرغ نفسه مما يشوش عليه قلبه وفكره -من الشواغل- عند التلاوة أو الاستماع لها، ويبحث عما هو أنفع لقلبه.
وقد سبقت الإشارة إلى شيء من هذا فيما سبق ولكن هنا أنبه على بعض الأمور:
الأول: أن يختار القارئ أو من يسمع الأنفع لقلبه، الذي يجده من خلال ما جربه مع نفسه، فبعضهم يخشع عند إسراره بالتلاوة، ومنهم من يخشع عند جهره، وبعضهم يجد خشوعًا وتدبرًا عند قراءة القرآن في الصلاة، وقد سبقت الإشارة لذلك، ومنهم من هو عكس ذلك يجد خشوعًا وتدبرًا عند تلاوته خارج الصلاة، وبعضهم يجد ذلك عند سماعه للآيات من قارئ يقرأ في الصلاة لأن قراءة الصلاة تختلف عن غيرها، وقد تجد عند سماعك لبعض القراء خشوعًا وتدبرًا ما لا تجده عند غيره، وقد تكون بعض التلاوات لبعض القراء ترتبط بزمن جميل مر على الشخص فإذا سمعها أحدثت له أثرًا في قلبه، فهو يختار الأصلح لقلبه، وأنفع ذلك ما كان في حال قيام الليل، يقول الشنقيطي ﵀: «لا يثبت القرآن في الصدر، ولا يُسَهِّل حفظه، ويُيَسِّر فهمه إلا القيام به في جوف الليل» اهـ (^٢).
وهكذا القراءة إذا كانت في صلاة فهي أفضل، وفي ذلك يقول شيخ الإسلام - ﵀ -: «الصلاة أفضل من القراءة في غير الصلاة … ولكن من حصل له نشاط وفهم للقراءة دون الصلاة؛ فالأفضل في حقه ما كان أنفع له» (^٣).
«كما أن من الناس من يجتمع قلبه في قراءة القرآن وفهمه وتدبره ما لا يجتمع في الصلاة، بل يكون في الصلاة بخلاف ذلك، وليس كل ما كان أفضل يشرع لكل
_________________
(١) حلية الأولياء (١٠/ ١٤٦).
(٢) ذكره عنه الشيخ عطية سالم ﵀. ينظر: مفاتيح تدبر القرآن (ص: ٥٠). الخلاصة في تدبر القرآن الكريم (ص ٥١).
(٣) مجموع الفتاوى (٢٣/ ٦٢).
[ ٥٧ ]
أحد، بل كل واحد يشرع له أن يفعل ما هو أفضل له» (^١) (^٢).
١٠ - الاطلاع على أحوال السلف مع القرآن العظيم.
إن الناظر إلى أحوال السلف -من الصحابة ومن بعدهم- مع القرآن ليرى ما يشحذ همته ويقوي عزيمته على الإقبال على تلاوة الكتاب العزيز وتدبر آياته كما يحب ويرضى، فكانوا كما وصفهم الله في كتابه:
قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا ١٠٧ وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا ١٠٨ وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا﴾ [الإسراء: ١٠٧ - ١٠٩].
وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانا﴾ [الأنفال: ٢] الآية.
وقال تعالى: ﴿إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا﴾ [مريم: ٥٨].
وقال تعالى: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الزمر: ٢٣].
وقال تعالى: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ ١٦ فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة: ١٦ - ١٧].
وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانا﴾ [الفرقان: ٧٣].
_________________
(١) مجموع الفتاوى (٢٣/ ٦٠).
(٢) ينظر: الخلاصة في تدبر القرآن الكريم (ص ٥١).
[ ٥٨ ]
١١ -