وتعريفه كما في الحديث: رد الحق واحتقار الناس.
عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ كِبْرٍ» قَالَ رَجُلٌ: إِنَّ الرَّجُلَ يُحِبُّ أَنْ يَكُونَ ثَوْبُهُ حَسَنًا وَنَعْلُهُ حَسَنَةً، قَالَ: «إِنَّ اللهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الْجَمَالَ، الْكِبْرُ بَطَرُ الْحَقِّ، وَغَمْطُ النَّاسِ» (^١).
ويدل هذا الحديث على أمور، منها:
١ - الكبر مرض قلبي خطير يدمر من وجد فيه ويورده المهالك.
_________________
(١) أخرجه مسلم (١/ ٩٣) ح (٩١).
[ ١٢٢ ]
٢ - التحذير من الكبر ودواعيه، وبيان مخاطره على العبد من الأمور التي ينبغي أن يعتني بها الناصحون.
٣ - من مظاهر الكبر رد الحق وعدم قبوله بسبب كرهه للحق وأهله، وذلك من أعظم أسباب دخولهم النار، قال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي عَذَابِ جَهَنَّمَ خَالِدُونَ (٧٤) لَا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ (٧٥) وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ (٧٦) وَنَادَوْا يَامَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ (٧٧) لَقَدْ جِئْنَاكُمْ بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ﴾ [الزخرف: ٧٤ - ٧٨].
٤ - من مظاهر الكبر احتقار الناس والتعالي عليهم والنظر لهم بازدراء، فلا يرى لهم حقًا عليه، وينفر من مقاربتهم له، ويضيق بهم إذا كانوا بجواره في المبيت بمزدلفة مثلًا ..
٥ - توعد الله أن يصرف القلوب المتكبرة عن فهم آياته الكونية والمتلوة قال تعالى: ﴿سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ [الأعراف: ١٤٦].
٦ - احتقار الناصح والنفور من نصح الناصحين، من دلائل وجود نوع من الكبر في القلب.
٧ - التواضع لله سبب لرفعة العبد في الدنيا والآخرة وقال ﷺ: " … وَمَا تَوَاضَعَ أَحَدٌ لِلَّهِ إِلَّا رَفَعَهُ اللهُ" (^١). الحديث، ومن أراد أن يكسر الكبر الذي في نفسه، فليتواضع لإخوانه حجاجًا كانوا، أو غير ذلك.
حكم الكبر: جاءت النصوص بالتحذير والتنفير منه:
• قال تعالى: ﴿سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ
_________________
(١) أخرجه مسلم (٤/ ٢٠٠١) ح (٢٥٨٨).
[ ١٢٣ ]
• لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ﴾ [الأعراف: ١٤٦].
• وقال تعالى: ﴿إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ﴾ [النحل: ٢٣].
• وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ﴾ [الأعراف: ٤٠].
• وقال تعالى: ﴿قِيلَ ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ﴾ [الزمر: ٧٢].
• وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر: ٦٠].
• وقال تعالى: ﴿كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ﴾ [غافر: ٣٥].
وكل هذه الآيات تبين خطورة هذا الذنب العظيم، وقبحه وعظيم حرمته عند الله، وأثره على من يقع فيه.
• قال القرطبي ﵀: " ﴿يَطْبَعُ اللَّهُ﴾ أي: يختم ﴿عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ﴾ حتى لا يعقل الرشاد ولا يقبل الحق" (^١).
• وقال تعالى عن قول قوم صالح لمن آمن منهم: ﴿قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا
_________________
(١) تفسير القرطبي (١٥/ ٣١٣).
[ ١٢٤ ]
• إِنَّا بِالَّذِي آمَنْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ﴾ [الأعراف: ٧٦].
وقال السعدي ﵀: "حملهم الكبر أن لا ينقادوا للحق الذي انقاد له الضعفاء" (^١).
• وعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ -﵁-، عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- قَالَ: «لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ كِبْرٍ»، قَالَ رَجُلٌ: إِنَّ الرَّجُلَ يُحِبُّ أَنْ يَكُونَ ثَوْبُهُ حَسَنًا وَنَعْلُهُ حَسَنَةً! قَالَ: «إِنَّ اللهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الْجَمَالَ، الْكِبْرُ بَطَرُ الْحَقِّ، وَغَمْطُ النَّاسِ».
• وعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ وَأَبِي هُرَيْرَةَ ﵄ قَالَا: قَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: «الْعِزُّ إِزَارُهُ، وَالْكِبْرِيَاءُ رِدَاؤُهُ، فَمَنْ يُنَازِعُنِي عَذَّبْتُهُ» (^٢).
قال النووي ﵀ في شرح الحديث: "فالضمير في «إزاره ورداؤه» يعود إلى الله تعالى للعلم به، وفيه محذوف تقديره: قال الله تعالى: «ومن ينازعني ذلك أعذبه» ومعنى «ينازعني»: يتخلق بذلك، فيصير في معنى المشارك، وهذا وعيد شديد في الكبر مصرح بتحريمه" (^٣).
• وعن حَارِثَةَ بْنَ وَهْبٍ، أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ -ﷺ- قَالَ: «أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِأَهْلِ الْجَنَّةِ؟» قَالُوا: بَلَى، قَالَ -ﷺ-: «كُلُّ ضَعِيفٍ مُتَضَعِّفٍ، لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللهِ لَأَبَرَّهُ»، ثُمَّ قَالَ: «أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِأَهْلِ النَّارِ؟» قَالُوا: بَلَى، قَالَ: «كُلُّ عُتُلٍّ جَوَّاظٍ مُسْتَكْبِرٍ» (^٤).
وقال النووي ﵀: "أما العُتُل .. فهو الجافي الشديد الخصومة بالباطل، وقيل: الجافي الفظ الغليظ، وأما الجَوَّاظ .. فهو الجموع المنوع، وقيل: كثير اللحم المختال في مشيته، وقيل: القصير البطين .. وأما المتكبر والمستكبر فهو صاحب الكبر، وهو بطر الحق وغمط الناس" (^٥).
قال الشيخ ابن عثيمين ﵀ مفصلًا القول في حكم الكبر: "فالذي في قلبه كبر، إما أن يكون كبرًا عن الحق وكراهة له، فهذا كافر مخلد في النار ولا يدخل الجنة؛ لقول الله تعالى:
_________________
(١) تفسير السعدي (٢٩٥).
(٢) أخرجه مسلم (٤/ ٢٠٢٣) ح (٢٦٢٠).
(٣) شرح النووي على مسلم (١٦/ ١٧٣).
(٤) أخرجه مسلم (٤/ ٢١٩٠) ح (٢٨٥٣).
(٥) شرح النووي على مسلم (١٧/ ١٨٨).
[ ١٢٥ ]
﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ﴾ [محمد: ٩]، ولا يحبط العمل إلا بالكفر كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة: ٢١٧].
وأما إذا كان كبرًا على الخلق وتعاظمًا على الخلق، لكنه لم يستكبر عن عبادة الله، فهذا لا يدخل الجنة دخولًا كاملًا مطلقًا لم يسبق بعذاب؛ بل لا بد من عذاب على ما حصل من كبره وعلوائه على الخلق، ثم إذا طهر دخل الجنة" (^١).
وبهذا يتضح أن منه ما هو كفر أكبر يخلد في النار، ومنه ما هو كبيرة من الكبائر وصاحبه على خطر عظيم.
ثالثًا: صور من الكبر عند من ابتلي به:
١ - رد الحق وعدم قبوله بحجج واهية ظاهرها شيء قد يقبل عند الناس، وباطنها الكبر، منها بحجة أنهم أقل علمًا منه، أو أصغر سنًّا، ونحو ذلك من الحجج، التي يبرر بها رده للحق.
٢ - احتقار الناس وازدراؤهم، والتعالي عليهم بنسبه أو بمنصبه أو بشهادته العلمية أو بماله ونحو ذلك.
٣ - النفور من مجالسة الفقراء والمساكين وعامة الناس بحجة أن ذلك يسقط هيبته ومكانته العلمية.
رابعًا: خطر الكبر:
١ - انفضاض الناس من حوله، ونفورهم منه.
٢ - الذل والهوان والخذلان وقلة التوفيق وتسلط الشياطين في الدنيا.
٣ - الذل والهوان في الآخرة ودخول أشد العذاب في النار، كما في الحديث عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- قَالَ: «يُحْشَرُ الْمُتَكَبِّرُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَمْثَالَ الذَّرِّ فِي صُوَرِ النَّاسِ،
_________________
(١) شرح رياض الصالحين (٣/ ٥٤١ - ٥٤٢).
[ ١٢٦ ]
٤ - يَعْلُوهُمْ كُلُّ شَيْءٍ مِنَ الصَّغَارِ، حَتَّى يَدْخُلُوا سِجْنًا فِي جَهَنَّمَ، يُقَالُ لَهُ: بُولَسُ، فَتَعْلُوَهُمْ نَارُ الْأَنْيَارِ، يُسْقَوْنَ مِنْ طِينَةِ الْخَبَالِ، عُصَارَةِ أَهْلِ النَّارِ» (^١).