مر في الكلام السابق الحديث عن هذه الآفات بشكل عام، ونأتي إلى بعض صور هذه الآفات فيمن ابتلي بها في حجه وعمرته، لأجل التنبه لذلك والحذر من الوقوع في مثل هذه الصور والمظاهر أو نحوها.
وهذه أمثلة على مظاهر هذه الأمراض القلبية الدالة على وجودها في القلب لدى بعض الحجاج والمعتمرين:
تنبيه مهم: وقبل عرض هذه الأمثلة لا بد من التنبيه على مسألة مهمة:
وهي الحذر من الحكم على الناس المعينين، لأن ذلك يحتاج إلى أن هؤلاء لا يجهلون الحكم وانما تعمدوا ذلك وأصروا عليه مع علمهم أن ذلك قد يبطل العمل أو ينقص أجر العمل، والأمر الآخر الذي يجعل المؤمن الصادق يخاف من الحكم على نوايا الناس ومقاصدهم؛ لأن هذا الأعمال خفية لا يعلمها إلا الله.
وهل أقيمت على هؤلاء الحجة وعلموا حكم الله في ذلك أم لم يحصل ذلك؟
فهم وقعوا في ذلك بسبب جهلهم وقلة الناصحين، وإنما الحكم هنا على العموم وعلى العمل لا على العامل، والله الهادي إلى سواء السبيل.
[ ١٥٦ ]
ومن هذه المظاهر:
١ - ينشط في العبادة إذا أحس برؤية الناس له ويتمها، وإذا شعر أنه لا يراه أحد ربما نام عن العبادة أو أداها بكسل وفتور وعدم اتقان لها.
٢ - إذا أدى منسكًا من مناسك الحج أو العمرة ومعه أحد أتقنه وأتمه وحرص على تطبيق السنن، وإذا كان وحده لا يفعل ذلك بل يتساهل في أداء العبادة ولا يتقنها كما كان في المرة الأولى؛ لأنه هناك يراه أصحابه فلا يريد أن يظهر أمامهم بمظهر المتساهل المفرط، ولأنه يحب مدح الناس وثناؤهم عليه، فينشط من أجل رؤية الناس له ويريد أن يسمع ثناؤهم عليه.
وهذا من الشرك الخفي الذي حذر منه النبي ﷺ فعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخدري -﵁- قَالَ: خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- وَنَحْنُ نَتَذَاكَرُ الْمَسِيحَ الدَّجَّالَ، فَقَالَ: «أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِمَا هُوَ أَخْوَفُ عَلَيْكُمْ عِنْدِي مِنَ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ؟» قَالَ: قُلْنَا: بَلَى، فَقَالَ: «الشِّرْكُ الْخَفِيُّ، أَنْ يَقُومَ الرَّجُلُ يُصَلِّي، فَيُزَيِّنُ صَلَاتَهُ؛ لِمَا يَرَى مِنْ نَظَرِ رَجُلٍ» (^١).
٣ - ومن أخطر مظاهر الرياء والسمعة وعجب الإنسان بعمله ما يحدث في وسائل التواصل الحديثة من خلال النقل المباشر لما يقوم به الشخص من مناسك الحج والعمرة، فتجد هؤلاء قد أغرقوا انفسهم في بحر لجي يغشاه الموج من كل مكان بحر الرياء والعجب وحب ثناء الناس عليه انهم ينقل لهم بث مباشر أو مسجل وهو يرتدي ملابس الإحرام وهو يلبي وهو يطوف ويصلي وهو يسعى وفي عرفات ومزدلفة وعند رمي الجمار وهو يكبر ويقرأ القرآن وكأنها رحلة سياحية للترفيه عن النفس، ونسي أو فتن بأصحاب السوء الذين يشجعون على ذلك أن هذه عبادات لا تقبل عند الله إلا إذا أريد بها وجه وحده لا شريك له، اما ما يفعله هؤلاء بعمل ما يسمى ب (السّلْفِي) أمام الكعبة وهو يطوف وأنا في الشوط كذا أو هو خلف
_________________
(١) أخرجه ابن ماجه (٢/ ١٤٠٦) ح (٤٢٠٤)، والحاكم (٤/ ٣٦٥) ح (٧٩٣٦) وصححه ووافقه الذهبي، وحسن إسناده البوصيري في زوائد ابن ماجه (٤/ ٢٣٦) ح (١٥٠٥)، وحسنه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (١/ ١١٩) ح (٣٠).
[ ١٥٧ ]
٤ - المقام أو نحو ذلك فهذه مظاهر مخيفة ومهلكة وربما تكون مفسدة للعبادة والله المستعان.
قال -ﷺ-: «إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّةِ، وَإِنَّمَا لِامْرِئٍ مَا نَوَى، فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ، فَهِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى دُنْيَا يُصِيبُهَا أَوِ امْرَأَةٍ يَتَزَوَّجُهَا، فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ» (^١).
وعَنْ أَبِي أُمَامَةَ الْبَاهِلِيِّ -﵁- قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ -ﷺ- فَقَالَ: أَرَأَيْتَ رَجُلًا غَزَا يَلْتَمِسُ الْأَجْرَ وَالذِّكْرَ مَا لَهُ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «لَا شَيْءَ لَهُ»، فَأَعَادَهَا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، يَقُولُ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «لَا شَيْءَ لَهُ»، ثُمَّ قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ لَا يَقْبَلُ مِنَ الْعَمَلِ إِلَّا مَا كَانَ لَهُ خَالِصًا، وَابْتُغِيَ بِهِ وَجْهُهُ» (^٢).
_________________
(١) أخرجه البخاري (٨/ ١٤٠) ح (٦٦٨٩)، ومسلم (٣/ ١٥١٥) ح (١٩٠٧).
(٢) أخرجه النسائي (٦/ ٢٥) ح (٣١٤٠)، وجوَّد إسناده ابن حجر في الفتح (٦/ ٢٨)، وحسنه الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة (١/ ١١٨) ح (٥٢)، وقال في صحيح سنن النسائي (٢/ ٣٨٣ - ٣٨٤) ح (٣١٤٠): "حسن صحيح".
[ ١٥٨ ]