١ - تبرك شركي: وهو أن يعتقد المتبرِّك أن المتبرَّك به - وهو المخلوق - يهب البركة بنفسه، فيبارك في الأشياء بذاته إستقلالًا، ويعتقد أن موجد البركة هو هذا المخلوق من صاحب قبر أو غار أو نحوه، لأن الله تعالى وحده موجد البركة وواهبها ولا شريك له في ذلك، وقال النبي ﷺ: "البَرَكَةُ مِنَ اللَّهِ" (^١)، فطلبها من غيره، أو اعتقاد أن غيره يهبها بذاته شرك أكبر.
٢ - تبرك بدعي: وهو أن يتبرك بما لم يرد دليل شرعي يدل على جواز التبرك به، معتقدًا أن الله جعل فيه بركة أو يتبرك بالشيء الذي ورد التبرك به في غير ما ورد في الشرع التبرك به فيه.
وهذا بلا شك محرم؛ لأن فيه إحداث عبادة لا دليل عليها من كتاب أو سنة، ولأنه جعل ما ليس بسبب سببًا، فهو من الشرك الأصغر؛ ولأنه يؤدي إلى الوقوع في الشرك الأكبر.
وهذا القسم من التبرك - وهو التبرك البدعي – له أحوال منها (^٢):
أ - … التبرك بالعلماء والصالحين وآثارهم.
وجه سؤال للعلامة ابن باز ﵀ يقول السائل: "هناك من يرى جواز التبرك بالعلماء والصالحين وآثارهم مستدلا بما ثبت من تبرك الصحابة - ﵃ - بالنبي ﷺ. فما حكم ذلك؟ ثم أليس فيه تشبيه لغير النبي ﷺ بالنبي ﷺ؟ وهل يمكن التبرك بالنبي ﷺ بعد وفاته؟ وما حكم التوسل إلى الله تعالى ببركة النبي ﷺ؟
الجواب: لا يجوز التبرك بأحد غير النبي ﷺ لا بوضوئه ولا بشعره ولا بعرقه ولا بشيء من جسده، بل هذا كله خاص بالنبي ﷺ لما جعل الله في جسده وما مسه من الخير والبركة.
_________________
(١) أخرجه البخاري (٧/ ١١٤) ح (٥٦٣٩).
(٢) ينظر: مختصر شرح تسهيل العقيدة الإسلامية (ص ١٥٦).
[ ٥٢ ]
ولهذا لم يتبرك الصحابة - ﵃ - بأحد منهم، لا في حياته ولا بعد وفاته ﷺ لا مع الخلفاء الراشدين ولا مع غيرهم فدل ذلك على أنهم قد عرفوا أن ذلك خاص بالنبي ﷺ دون غيره، ولأن ذلك وسيلة إلى الشرك وعبادة غير الله سبحانه.
وهكذا لا يجوز التوسل إلى الله سبحانه بجاه النبي ﷺ أو ذاته أو صفته أو بركته لعدم الدليل على ذلك؛ ولأن ذلك من وسائل الشرك به والغلو فيه ﵊.
ولأن ذلك أيضا لم يفعله أصحابه - ﵃ - ولو كان خيرًا لسبقونا إليه، ولأن ذلك خلاف الأدلة الشرعية. فقد قال الله ﷿: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ سجحالأَعْرَاف الآية تجمجمحتحجسحج، ولم يأمر بدعائه سبحانه بجاه أحد أو حق أحد أو بركة أحد.
ويلحق بأسمائه سبحانه التوسل بصفاته كعزته، ورحمته، وكلامه وغير ذلك، ومن ذلك ما جاء في الأحاديث الصحيحة من التعوذ بكلمات الله التامات، والتعوذ بعزة الله وقدرته. ويلحق بذلك أيضا: التوسل بمحبة الله سبحانه، ومحبة رسوله ﷺ، وبالإيمان بالله وبرسوله والتوسل بالأعمال الصالحات، كما في قصة أصحاب الغار الذين آواهم المبيت والمطر إلى غار فدخلوا فيه فانحدرت عليهم صخرة من الجبل فسدت عليهم باب الغار، ولم يستطيعوا دفعها، فتذاكروا بينهم في وسيلة الخلاص منها. واتفقوا بينهم على أنه لن ينجيهم منها إلا أن يدعوا الله بصالح أعمالهم، فتوسل أحدهم إلى الله سبحانه في ذلك: ببر والديه .. فانفرجت الصخرة شيئا لا يستطيعون الخروج منه … ثم توسل الثاني بعفته عن الزنا بعد القدرة عليه، فانفرجت الصخرة بعض الشيء لكنهم لا يستطيعون الخروج من ذلك … ثم توسل الثالث بأداء الأمانة فانفرجت الصخرة وخرجوا.
وهذا الحديث ثابت في الصحيحين عن النبي ﷺ، من أخبار من قبلنا لما فيه من العظة لنا والتذكير.
[ ٥٣ ]
وقد صرح العلماء ﵏ بما ذكرته في هذا الجواب … كشيخ الإسلام ابن تيمية، وتلميذه العلامة ابن القيم، والشيخ العلامة عبد الرحمن بن حسن في فتح المجيد شرح كتاب التوحيد وغيرهم.
وأما حديث توسل الأعمى بالنبي ﷺ في حياته ﷺ فشفع فيه النبي ﷺ ودعا له فرد الله عليه بصره … فهذا توسل بدعاء النبي وشفاعته وليس ذلك بجاهه وحقه كما هو واضح في الحديث … وكما يتشفع الناس به يوم القيامة في القضاء بينهم.
وكما يتشفع به يوم القيامة أهل الجنة في دخولهم الجنة، وكل هذا توسل به في حياته الدنيوية والأخروية .. وهو توسل بدعائه وشفاعته لا بذاته وحقه كما صرح بذلك أهل العلم، ومنهم من ذكرنا آنفًا" (^١).
ب - التبرك بالأمكنة والجمادات.
- من التبرك الممنوع الذي يؤدي بالحاج إلى الوقوع في البدع والمحدثات الذهاب إلى الجبال مثل جبل حراء المسمى بجبل النور بمكة، لأجل التبرك بالغار الذي نزل فيه الوحي على النبي -ﷺ-، أو التبرك بالذهاب إلى جبل ثور الذي اختفى فيه النبي ﷺ في هجرته، أو التبرك بجبل عرفة وبالذات العمود الذي في أعلاه فكل هذا لم يدل عليه دليل فعندما حج النبي -ﷺ- لم يذهب إلى غراء حراء، ولا جبل ثور، ولم يصعد على جبل عرفات وإنما وقف في أسفله عند الصخرات، وقال -ﷺ-: «نَحَرْتُ هَاهُنَا، وَمِنًى كُلُّهَا مَنْحَرٌ، فَانْحَرُوا فِي رِحَالِكُمْ، وَوَقَفْتُ هَاهُنَا، وَعَرَفَةُ كُلُّهَا مَوْقِفٌ، وَوَقَفْتُ هَاهُنَا، وَجَمْعٌ (^٢) كُلُّهَا مَوْقِفٌ» (^٣).
_________________
(١) مجموع فتاوى ومقالات متنوعة لابن باز (٧/ ٦٥ - ٦٧).
(٢) جمع هي مزدلفة.
(٣) أخرجه مسلم (٢/ ٨٩٣) ح (١٢١٨).
[ ٥٤ ]
فلا تشرع زيارة جبل ثور ولا غار حراء ولا يشرع الصعود على جبل عرفات والتمسح بالعمود المبني فوقه في الحج ولا في غيره؛ لأنه لم يفعل ذلك النبي ﷺ ولا صحبه الكرام من بعده، فالبركة في الاتباع والشر في الابتداع.
- ومن التبرك الممنوع التبرك بزيارة الأماكن التي لم يرد دليل عليها مثل: مكان المولد النبوي ولم يرد دليل صحيح على إثبات مكان مولد النبي -ﷺ-، ولو فرض أنه عرف مكانه، فلا يجوز التبرك بذلك لعدم ورود الدليل، فما دام أن النبي ﷺ لم يفعله أو يحث على فعله فهو من البدع المحدثة.
- … ومن المحدثات زيارة مساجد في المدينة النبوية والاعتقاد بفضل الصلاة فيها، مثل المساجد السبعة وغيرها، ممن لم يرد دليل على فضل العبادة فيه، وإنما ورد الدليل بفضل الصلاة في المسجد النبوي ومسجد قباء.
ت - التبرك بالمسجد الحرام والكعبة والمقام، والمسجد النبوي.
والتبرك بذلك يكون باتباع الشرع والعمل بما جاء في الكتاب والسنة في هذه الأماكن المباركة، أما عمل أمور فيها لم يرد عليه الدليل، فذلك من التبرك الممنوع مثل:
- تقبيل أعمدة المسجد الحرام والمسجد النبوي والتمسح بها.
- التمسح بجدران الكعبة وستارتها لأنه لم يرد على هذا التمسح دليل وإنما ورد الدليل على مسح الحجر الأسود والركن اليماني كما سبق وكذلك إلزاق الصدر بالملتزم بين باب الكعبة والحجر الأسود فهذا مما دل عليه الدليل أما بقية جدران الكعبة وأركانها فلم يرد دليل على التبرك بذلك، وهكذا ما يسمى بحجر إسماعيل لم يرد دليل على مسحه.
- ومن التبرك الممنوع التمسح بمقام إبراهيم -﵇-؛ لأنه لم يرد عليه الدليل كما سبق الكلام على ذلك.
ث - التبرك بقبر النبي -ﷺ-.
[ ٥٥ ]
ومن التبرك الممنوع التبرك بالقبر النبوي والتمسح به وتقبيله، والاعتقاد في القلب أنه ينفع العبد ويدفع عنه الضرر، وهذا الأمر لم يرد عليه دليل بل جاء الدليل بخلاف ذلك، فقد قال -ﷺ- محذرًا لأمته: عَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي مَرَضِهِ الَّذِي لَمْ يَقُمْ مِنْهُ: «لَعَنَ اللَّهُ اليَهُودَ وَالنَّصَارَى اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ»، لَوْلَا ذَلِكَ أُبْرِزَ قَبْرُهُ غَيْرَ أَنَّهُ خَشِيَ - أَوْ خُشِيَ - أَنَّ يُتَّخَذَ مَسْجِدًا (^١).
وفي الحديث أَنَّ عَائِشَةَ، وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ، ﵃ قَالَا: لَمَّا نَزَلَ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، طَفِقَ يَطْرَحُ خَمِيصَةً لَهُ عَلَى وَجْهِهِ، فَإِذَا اغْتَمَّ كَشَفَهَا عَنْ وَجْهِهِ، فَقَالَ وَهُوَ كَذَلِكَ: «لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى اليَهُودِ وَالنَّصَارَى، اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ» يُحَذِّرُ مَا صَنَعُوا (^٢).
عَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: لَمَّا اشْتَكَى النَّبِيُّ ﷺ ذَكَرَتْ بَعْضُ نِسَائِهِ كَنِيسَةً رَأَيْنَهَا بِأَرْضِ الحَبَشَةِ يُقَالُ لَهَا: مَارِيَةُ، وَكَانَتْ أُمُّ سَلَمَةَ، وَأُمّ حَبِيبَةَ ﵄ أَتَتَا أَرْضَ الحَبَشَةِ، فَذَكَرَتَا مِنْ حُسْنِهَا وَتَصَاوِيرَ فِيهَا، فَرَفَعَ رَأْسَهُ، فَقَالَ: «أُولَئِكِ إِذَا مَاتَ مِنْهُمُ الرَّجُلُ الصَّالِحُ بَنَوْا عَلَى قَبْرِهِ مَسْجِدًا، ثُمَّ صَوَّرُوا فِيهِ تِلْكَ الصُّورَةَ أُولَئِكِ شِرَارُ الخَلْقِ عِنْدَ اللَّهِ» (^٣).
وفي الرواية الأخرى: فَقَالَ: «إِنَّ أُولَئِكَ إِذَا كَانَ فِيهِمُ الرَّجُلُ الصَّالِحُ فَمَاتَ، بَنَوْا عَلَى قَبْرِهِ مَسْجِدًا، وَصَوَّرُوا فِيهِ تِيكَ الصُّوَرَ، أُولَئِكَ شِرَارُ الخَلْقِ عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ القِيَامَةِ» (^٤).
_________________
(١) أخرجه البخاري واللفظ له (٢/ ١٠٢) ح (١٣٩٠)، ومسلم (١/ ٣٧٦) ح (٥٢٩).
(٢) أخرجه البخاري (٧/ ١٤٧) ح (٥٨١٥).
(٣) أخرجه البخاري (٢/ ٩٠) ح (١٣٤١).
(٤) أخرجه البخاري (٥/ ٥٠) ح (٣٨٧٣)، ومسلم (١/ ٣٧٥) ح (٥٢٨).
[ ٥٦ ]
وكان من دعائه -ﷺ- الذي أستجابه الله فحمى قبره، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: " اللهُمَّ لَا تَجْعَلْ قَبْرِي وَثَنًا، لَعَنَ اللهُ قَوْمًا اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ " (^١).
وأما التبرك المشروع بالنبي ﷺ في حال حياته بريقه وشعره وفضلة وضوئه والتمسح بجسده الشريف؛ فكل ذلك دل عليه الدليل وفعله الصحابة بمحضر النبي ﷺ ولم ينكر عليهم، وكذلك من التبرك المشروع التبرك بآثاره التي بقيت بعد وفاته ﷺ من شعره وملابسه وآنيته فكل من خصائص النبي ﷺ لا يصح لغيره.
ج - التبرك بقبور الصحابة والصالحين.
فإذا كان قبر النبي ﷺ لا يصح التبرك به ولا يجوز فمن باب أولى قبور الصحابة ومن تبعهم من الصالحين، فما يحدث من تبرك شركي بقبور الصالحين من طلب المدد منهم والطواف بقبورهم والنذر لهم والذبح عند قبورهم والصلاة والدعاء عند قبورهم بحجة أنهم أولياء لله يتوسطون لمن يأتي إليهم عند الله، فكل هذا من الشرك الأكبر الذي يشابه كفار مكة حين قالوا عن معبوداتهم، قال تعالى عنهم: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ سجحالزُّمَر الآية تحمسحج.
وتلاحظ انهم يدعون أن هذه المعبودات هم لا يعبدونها في ذاتها بل هي في زعمهم واسطة بينهم وبين الله وأنهم لصلاحهم يقربون إلى الله، وهذا المنهج الضال صار عليه كل من وقع في الشرك بعدهم، تجدهم يقولون نحن نتقرب إلى الله بواسطة هذا الولي ولا نعبده وإننا نعبد الله وهؤلاء لأنهم صالحون يقربونا إلى الله.
تعالى الله عما يقولون علوًا كبيرًا، فقد قاسوا الخالق العظيم الذي أحاط علمًا بكل شيء، على المخلوق الضعيف من الملوك في الدنيا الذين يحتاجون إلى واسطة يبلغونهم حاجات الرعية، لأنهم لا يحيطون علمًا بكل شيء، وهذا لا شك من جهل هؤلاء بالله تعالى وعدم تقديرهم له حق قدره،
_________________
(١) أخرجه أحمد (١٢/ ٣١٤) ح (٧٣٥٨)، وقال محقق المسند (١٢/ ٣١٤): " إسناده قوي".
[ ٥٧ ]
﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ ٦٧﴾ سجحالزُّمَر الآية تمختمحسحج.
قال الشيخ السعدي في تفسيره: " قال: ﴿فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ سجحالزُّمَر الآية تحجسحج، أي: أخلص لله تعالى جميع دينك، من الشرائع الظاهرة والشرائع الباطنة: الإسلام والإيمان والإحسان، بأن تفرد الله وحده بها، وتقصد به وجهه، لا غير ذلك من المقاصد.
﴿أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ هذا تقرير للأمر بالإخلاص، وبيان أنه تعالى كما أنه له الكمال كله، وله التفضل على عباده من جميع الوجوه، فكذلك له الدين الخالص الصافي من جميع الشوائب، فهو الدين الذي ارتضاه لنفسه، وارتضاه لصفوة خلقه وأمرهم به، لأنه متضمن للتأله لله في حبه وخوفه ورجائه، وللإنابة إليه في عبوديته، والإنابة إليه في تحصيل مطالب عباده.
وذلك الذي يصلح القلوب ويزكيها ويطهرها، دون الشرك به في شيء من العبادة. فإن الله بريء منه، وليس لله فيه شيء، فهو أغنى الشركاء عن الشرك، وهو مفسد للقلوب والأرواح والدنيا والآخرة، مُشْقٍ للنفوس غاية الشقاء، فلذلك لما أمر بالتوحيد والإخلاص، نهى عن الشرك به، وأخبر بذم من أشرك به فقال: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ﴾ أي: يتولونهم بعبادتهم ودعائهم، [معتذرين] (١) عن أنفسهم وقائلين: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ أي: لترفع حوائجنا لله، وتشفع لنا عنده، وإلا فنحن نعلم أنها، لا تخلق، ولا ترزق، ولا تملك من الأمر شيئا.
أي: فهؤلاء، قد تركوا ما أمر الله به من الإخلاص، وتجرأوا على أعظم المحرمات، وهو الشرك، وقاسوا الذي ليس كمثله شيء، الملك العظيم، بالملوك، وزعموا بعقولهم الفاسدة ورأيهم السقيم، أن الملوك كما أنه لا يوصل إليهم إلا بوجهاء، وشفعاء، ووزراء يرفعون إليهم حوائج رعاياهم، ويستعطفونهم عليهم، ويمهدون لهم الأمر في ذلك، أن الله تعالى كذلك.
وهذا القياس من أفسد الأقيسة، وهو يتضمن التسوية بين الخالق والمخلوق، مع ثبوت الفرق العظيم، عقلًا ونقلًا وفطرة، فإن الملوك، إنما احتاجوا للوساطة بينهم وبين رعاياهم، لأنهم لا يعلمون أحوالهم. فيحتاج من يعلمهم بأحوالهم، وربما لا يكون في قلوبهم رحمة لصاحب الحاجة، فيحتاج من يعطفهم
[ ٥٨ ]
عليه [ويسترحمه لهم] ويحتاجون إلى الشفعاء والوزراء، ويخافون منهم، فيقضون حوائج من توسطوا لهم، مراعاة لهم، ومداراة لخواطرهم، وهم أيضا فقراء، قد يمنعون لما يخشون من الفقر.
وأما الرب تعالى، فهو الذي أحاط علمه بظواهر الأمور وبواطنها، الذي لا يحتاج من يخبره بأحوال رعيته وعباده، وهو تعالى أرحم الراحمين، وأجود الأجودين، لا يحتاج إلى أحد من خلقه يجعله راحما لعباده، بل هو أرحم بهم من أنفسهم ووالديهم، وهو الذي يحثهم ويدعوهم إلى الأسباب التي ينالون بها رحمته، وهو يريد من مصالحهم ما لا يريدونه لأنفسهم، وهو الغني، الذي له الغنى التام المطلق، الذي لو اجتمع الخلق من أولهم وآخرهم في صعيد واحد فسألوه، فأعطى كلا منهم ما سأل وتمنى، لم ينقصوا من غناه شيئا، ولم ينقصوا مما عنده، إلا كما ينقص البحر إذا غمس فيه المخيط.
وجميع الشفعاء يخافونه، فلا يشفع منهم أحد إلا بإذنه، وله الشفاعة كلها.
فبهذه الفروق يعلم جهل المشركين به، وسفههم العظيم، وشدة جراءتهم عليه.
ويعلم أيضا الحكمة في كون الشرك لا يغفره الله تعالى، لأنه يتضمن القدح في الله تعالى، ولهذا قال حاكما بين الفريقين، المخلصين والمشركين، وفي ضمنه التهديد للمشركين-: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾.
وقد علم أن حكمه أن المؤمنين المخلصين في جنات النعيم، ومن يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة، ومأواه النار.
﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي﴾ أي: لا يوفق للهداية إلى الصراط المستقيم ﴿مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ﴾ أي: وصفه الكذب أو الكفر، بحيث تأتيه المواعظ والآيات، ولا يزول عنه ما اتصف به، ويريه الله الآيات، فيجحدها ويكفر بها ويكذب، فهذا أنَّى له الهدى وقد سد على نفسه الباب، وعوقب بأن طبع الله على قلبه، فهو لا يؤمن؟ " (^١).
وقال تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ ١٨﴾ سجحيُونُس الآية جمحتحجسحج
_________________
(١) تفسير السعدي (ص ٧١٨).
[ ٥٩ ]
وفي تفسير السعدي: "يقول تعالى: ﴿يَعْبُدُونَ﴾ أي: المشركون المكذبون لرسول الله ﷺ.
﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ﴾ أي: لا تملك لهم مثقال ذرة من النفع ولا تدفع عنهم شيئا.
﴿وَيَقُولُونَ﴾ قولا خاليا من البرهان: ﴿هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ أي: يعبدونهم ليقربوهم إلى الله، ويشفعوا لهم عنده، وهذا قول من تلقاء أنفسهم، وكلام ابتكروه هم، ولهذا قال تعالى -مبطلا لهذا القول-: ﴿قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ﴾ أي: الله تعالى هو العالم، الذي أحاط علما بجميع ما في السماوات والأرض، وقد أخبركم بأنه ليس له شريك ولا إله معه، أفأنتم-يا معشر المشركين- تزعمون أنه يوجد له فيها شركاء؟ أفتخبرونه بأمر خفي عليه، وعلمتوه؟ أأنتم أعلم أم الله؟ فهل يوجد قول أبطل من هذا القول، المتضمن أن هؤلاء الضلال الجهال السفهاء أعلم من رب العالمين؟ فليكتف العاقل بمجرد تصور هذا القول، فإنه يجزم بفساده وبطلانه: ﴿سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ أي: تقدس وتنزه أن يكون له شريك أو نظير، بل هو الله الأحد الفرد الصمد الذي لا إله في السماوات والأرض إلا هو، وكل معبود في العالم العلوي والسفلي سواه، فإنه باطل عقلًا وشرعًا وفطرة.
﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ ٦٢﴾ سجحالحَج الآية تحجتمحسحج " (^١).
_________________
(١) تفسير السعدي (٣٦٠).
[ ٦٠ ]