١ - المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده، وهذا خلق المسلم الحقيقي، قال عنه -ﷺ-: «المُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ المُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ ..» الحديث.
فاذا أراد الحاج أن يقيم نفسه هل هو مسلم حقًا وحقيقة، فلينظر إلى حاله مع إخوانه الحجاج هل سلموا من لسانه ويده؟ ومن أعظم العلامات الدالة على تمكن هذا المعنى في القلب الخُلُق الآتي:
٢ - أن يحب لأخيه ما يحبه لنفسه، قال -ﷺ-: «لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ، حَتَّى يُحِبَّ لِأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ» (^١).
وهذا المعنى العظيم لا يسكن في قلب العبد ولا يستطيع أن يتخلق به إلا إذا طهر قلبه من الشح والبخل والحسد والأنانية وحرص على سلامة قلبه من الشحناء والبغضاء لإخوانه المسلمين، ومن العلامات الدالة على وجود هذا المعنى في القلب الخُلُق الآتي:
٣ - الرحمة والرفق واللين بإخوانه الحجاج، من مظاهر محبة المسلم لأخيه المسلم أن يرحمه فيرفق به ويلين جانبه له، فيبتعد عن غلظة القلب والقسوة على أخيه الحاج بل يرفق به ويشفق عليه ويرحمه قال تعالى عن رسوله ﷺ ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران: ١٥٩].
وقال تعالى في وصف أصحاب النبي -ﷺ-: ﴿رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ [الفتح: ٢٩].
وقال تعالى في وصف عباده الذين يحبهم ويحبونه: ﴿أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [المائدة: ٥٤].
ولهذا جاءت الأحاديث مرغبة في الرحمة والرفق واللين ومن ذلك:
_________________
(١) أخرجه البخاري واللفظ له (١/ ١٢) ح (١٣)، ومسلم (١/ ٦٧) ح (٤٥).
[ ١٠٦ ]
ما ورد عن جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «لَا يَرْحَمُ اللَّهُ مَنْ لَا يَرْحَمُ النَّاسَ» (^١).
وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ﵄، يَبْلُغُ بِهِ النَّبِيَّ -ﷺ-: «الرَّاحِمُونَ يَرْحَمُهُمُ الرَّحْمَنُ ارْحَمُوا أَهْلَ الْأَرْضِ يَرْحَمْكُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ» (^٢).
وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -﵁- قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا الْقَاسِمِ الصَّادِقَ الْمَصْدُوقَ -ﷺ- صَاحِبَ هَذِهِ الْحُجْرَةِ يَقُولُ: «لَا تُنْزَعُ الرَّحْمَةُ إِلَّا مِنْ شَقِيٍّ» (^٣).
وعن عَائِشَةَ ﵂ زَوْجِ النَّبِيِّ -ﷺ- قَالَتْ: دَخَلَ رَهْطٌ مِنَ اليَهُودِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، فَقَالُوا: السَّامُ عَلَيْكُمْ، قَالَتْ عَائِشَةُ: فَفَهِمْتُهَا فَقُلْتُ: وَعَلَيْكُمُ السَّامُ وَاللَّعْنَةُ، قَالَتْ: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «مَهْلًا يَا عَائِشَةُ، إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الرِّفْقَ فِي الأَمْرِ كُلِّهِ»، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَوَلَمْ تَسْمَعْ مَا قَالُوا؟! قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «قَدْ قُلْتُ: وَعَلَيْكُمْ» (^٤).
وعَنها ﵂: أَنَّ يَهُودَ أَتَوُا النَّبِيَّ -ﷺ- فَقَالُوا: السَّامُ عَلَيْكُمْ، فَقَالَتْ عَائِشَةُ: عَلَيْكُمْ، وَلَعَنَكُمُ اللَّهُ، وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ. قَالَ: «مَهْلًا يَا عَائِشَةُ، عَلَيْكِ بِالرِّفْقِ، وَإِيَّاكِ وَالعُنْفَ وَالفُحْشَ»، قَالَتْ: أَوَلَمْ تَسْمَعْ مَا قَالُوا؟! قَالَ: «أَوَلَمْ تَسْمَعِي مَا قُلْتُ؟! رَدَدْتُ عَلَيْهِمْ، فَيُسْتَجَابُ لِي فِيهِمْ، وَلَا يُسْتَجَابُ لَهُمْ فِيَّ» (^٥).
_________________
(١) أخرجه البخاري (٩/ ١١٥) ح (٧٣٧٦)، ومسلم (٤/ ١٨٠٩) ح (٢٣١٩).
(٢) أخرجه أحمد في المسند (١١/ ٣٣) ح (٦٤٩٤)، وأبو داود واللفظ له (٤/ ٢٨٥) ح (٤٩٤١)، والترمذي (٤/ ٣٢٣) ح (١٩٢٤) وقال: "هذا حديث حسن صحيح"، والحاكم (٤/ ١٧٥) ح (٧٢٧٤) وصححه ووافقه الذهبي، وصححه الألباني في صحيح الجامع (١/ ٦٦١) ح (٣٥٢٢)، وفي صحيح الترغيب والترهيب (٢/ ٥٤٩) ح (٢٢٥٦) قال: "حسن لغيره"، وقال محقق المسند الأرناؤوط (١١/ ٣٣) ح (٦٤٩٤): "صحيح لغيره".
(٣) أخرجه أحمد (١٣/ ٣٧٨) ح (٨٠٠١)، وأبو داود (٤/ ٢٨٦) ح (٤٩٤٢)، والترمذي (٤/ ٣٢٣) ح (١٩٢٣) وقال: "هذا حديث حسن"، وابن حبان (٢/ ٢١٣) ح (٤٦٦)، وحسنه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٢/ ٥٥٠) ح (٢٢٦١)، وقال شعيب الأرناؤوط في تعليقه على المسند (١٣/ ٣٧٨) ح (٨٠٠١): "إسناده حسن".
(٤) أخرجه البخاري واللفظ له (٨/ ١٢) ح (٦٠٢٤)، ومسلم (٤/ ١٧٠٦) ح (٢١٦٥).
(٥) أخرجه البخاري (٨/ ١٢) ح (٦٠٣٠).
[ ١٠٧ ]
وعَنْ جَرِيرٍ، عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- قَالَ: «مَنْ يُحْرَمِ الرِّفْقَ يُحْرَمِ الْخَيْرَ» (^١).
وعَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ -ﷺ-، أَنَّ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- قَالَ: «يَا عَائِشَةُ، إِنَّ اللهَ رَفِيقٌ يُحِبُّ الرِّفْقَ، وَيُعْطِي عَلَى الرِّفْقِ مَا لَا يُعْطِي عَلَى الْعُنْفِ، وَمَا لَا يُعْطِي عَلَى مَا سِوَاهُ» (^٢).
وعَنها ﵂، عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- قَالَ: «إِنَّ الرِّفْقَ لَا يَكُونُ فِي شَيْءٍ إِلَّا زَانَهُ، وَلَا يُنْزَعُ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا شَانَهُ» (^٣).
ومن مظاهر الرحمة والشفقة واللين والرفق بإخوانه الحجاج:
أ - المشي مع أخيه الحاج لخدمته في قضاء حاجته له كدلالته على موقع مخيمه.
ب - مساعدة الحاج في حمل متاعه.
ت - مساعدة الحاج المريض باستدعاء الإسعاف له، أو إيصاله إلى المركز الصحي القريب.
ث - الحرص على المشاركة في سقيا الحاج وإطعامه.
ج - … الحرص على أخيه الحاج في مواطن الزحام عند الطواف والسعي ورمي الجمار بالتوسعة له ولأهله وعدم مدافعتهم بيده أو أذيتهم بلسانه، وأن يحرص على سلامتهم كما يحرص على نفسه وأهله.
ح - … التعاون مع رجال الأمن في تنظيم سير الحجاج وعدم المخالفة لذلك بل الدعاء لهم بالتوفيق والإعانة والثواب والأجر، مع شكرهم على ما يقدمونه وما يتعاملون به من أخلاق عالية مع الحاج، ونصحهم برفق ولين إذا رأى منهم شيء من الغلظة على الحاج.
_________________
(١) أخرجه مسلم (٤/ ٢٠٠٣) ح (٢٥٩٢).
(٢) أخرجه مسلم (٤/ ٢٠٠٣) ح (٢٥٩٣).
(٣) أخرجه مسلم (٤/ ٢٠٠٤) ح (٢٥٩٤).
[ ١٠٨ ]
٤ - الكلمة الطيبة صدقة.
من الأخلاق العالية التي ينبغي على الحاج أن يتخلق بها الحرص على الكلمة الطيبة والتي تتمثل في الأمور الآتية:
أ - … الموعظة الحسنة لإخوانه الحجاج.
فعندما يرى وقوع بعض اخوانه الحجاج في مخالفات شرعية أو بدع محدثة يسارع إلى نصحهم وإرشادهم برفق ولين ووعظهم ونصحهم بالحسنى مع بيان الحق بدليله إذا كان لديه علم في ذلك أو دلالتهم على مواقع التوعية الإسلامية في الحج.
ب - الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
وأحببت أن أفرده بالذكر مع أنه يندرج فيما سبقه لأنه من أعظم شعائر التي ينبغي أن يحرص عليها الحاج ولا يمل من تكرار ذلك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر برفق ولين ورحمة وموعظة حسنة كما سبق، قال تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [آل عمران: ١١٠].
فعلى الحاج ألا يمل من قيامه بهذا الأمر كلما رأى تقصيرًا في معروف أو ارتكابًا لمنكر من قبل إخوانه الحجاج، فيسارع إلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر برفق ولين وموعظة حسنة، وهذا من أعظم الدلائل على إيمان القلب قال -ﷺ-: «مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ، وَذَلِكَ أَضْعَفُ الْإِيمَانِ» (^١).
ت - الرد بأدب وكلمة طيبة عند حصول تعدي من أحد الحجاج عليه.
كثير ما يحصل تعدي من بعض الحجاج على إخوانه بلسانه أو بيده في بعض الأحيان، فهنا ينبغي على الحاج المعتدى عليه أن يرد عليه أخيه برفق وشفقة ورحمة به، وأن يتجاوز عنه ويعفو ولا يرد السيئة بمثلها، وإنما يملك نفسه عند الغضب كما سيأتي الكلام على ذلك.
٥ - ما دل عليه حديث ابي ذر ﵁ من أخلاق عظيمة ينبغي على عامة المسلمين أن يتخلقوا بها والحجاج خاصة.
_________________
(١) أخرجه مسلم (١/ ٦٩) ح (٤٩).
[ ١٠٩ ]
يقول -ﷺ-: «تَبَسُّمُكَ فِي وَجْهِ أَخِيكَ لَكَ صَدَقَةٌ، وَأَمْرُكَ بِالمَعْرُوفِ وَنَهْيُكَ عَنِ المُنْكَرِ صَدَقَةٌ، وَإِرْشَادُكَ الرَّجُلَ فِي أَرْضِ الضَّلَالِ لَكَ صَدَقَةٌ، وَبَصَرُكَ لِلرَّجُلِ الرَّدِيءِ البَصَرِ لَكَ صَدَقَةٌ، وَإِمَاطَتُكَ الحَجَرَ وَالشَّوْكَةَ وَالعَظْمَ عَنِ الطَّرِيقِ لَكَ صَدَقَةٌ، وَإِفْرَاغُكَ مِنْ دَلْوِكَ فِي دَلْوِ أَخِيكَ لَكَ صَدَقَةٌ» (^١).
وهذه الأخلاق العظيمة التي نص عليها هذا الحديث حقيق بكل مسلم يريد الخير لنفسه، وبكل حاج يريد أن يكون حجه مبرورًا أن يحرص على امتثال هذه الأخلاق في حجه وعمرته، وكل أحواله وهي عامة للمسلمين في كل مكان وزمان، وبما أن الكلام عن سلوك الحاج مع إخوانه الحجاج فإنه سيكون التركيز على ربط هذه الأخلاق العظيمة بسلوك الحاج، وهي على النحو الآتي:
- تبسمك في وجه أخيك الحاج لك صدقة.
- امرك بالمعروف لإخوانكم الحجاج ونهيك عن المنكر صدقة.
- وأرشادك لأخيك الحاج صدقة.
- دلالة الحاج ضعيف البصر أو الأعمى وايصاله إلى مكانه إذا تاه عنهم من جملة الصدقات.
- إماطة الأذى من حجر أو عائق من أشواك أو مسامير أو اسياخ حديد أو نحو ذلك مما يعوق الحاج في طريقه، ذلك لك من الصدقات.
- مساعدة الحاج في سقيا الماء من الصدقات.
_________________
(١) أخرجه الترمذي (٤/ ٣٤٠) ح (١٩٥٦)، والبزار في مسنده (٩/ ٤٥٧) ح (٤٠٧٠)، وابن حبان (٢/ ٢٨٦) ح (٥٢٩)، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٣/ ٢٠) ح (٢٦٨٥)، وقال محقق صحيح ابن حبان (٢/ ٢٨٧): "حديث صحيح".
[ ١١٠ ]