_________________
(١) فتح الباري (١٠/ ٥٢٠ - ٥٢١).
(٢) فتح الباري (١٠/ ٥٢١).
(٣) الشح أشد البخل، فهو بخل مع حرص. ينظر: مقاييس اللغة (٣/ ١٧٨)، المفردات في غريب القرآن (٤٤٦)، لسان العرب (٢/ ٤٩٥) مادة (شح). وقال الخطابي ﵀ في التفريق بين البخل والشح: "الشح أبلغ في المنع من البخل، وإنما الشح بمنزلة الجنس والبخل بمنزلة النوع، وأكثر ما يقال البخل إنما هو في إفراد الأمور وخواص الأشياء، والشح عام وهو كالوصف اللازم للإنسان من قبل الطبع والجبلة. وقال بعضهم: البخل أن يضن بمال، والشح أن يبخل بماله وبمعروفه". معالم السنن (٢/ ٨٣ - ٨٤).
[ ١٣٠ ]
ومن أمراض النفوس التي جاءت النصوص محذرة منها ولها خطر على عبادة الحج الشح والبخل وهما خلقان ذميمان ينقصان أجر الحاج ويقع بسببهما في الأثم، ودونك بعض النصوص في التحذير منهما:
قال تعالى: ﴿وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ﴾ [النساء: ١٢٨].
وقال السعدي في تفسيره: " أي: جبلت النفوس على الشح، وهو: عدم الرغبة في بذل ما على الإنسان، والحرص على الحق الذي له، فالنفوس مجبولة على ذلك طبعًا، أي: فينبغي لكم أن تحرصوا على قلع هذا الخُلُق الدنيء من نفوسكم، وتستبدلوا به ضده وهو السماحة، وهو بذل الحق الذي عليك؛ والاقتناع ببعض الحق الذي لك.
فمتى وفق الإنسان لهذا الخُلُق الحسن سهل حينئذ عليه الصلح بينه وبين خصمه ومعامله، وتسهلت الطريق للوصول إلى المطلوب. بخلاف من لم يجتهد في إزالة الشح من نفسه، فإنه يعسر عليه الصلح والموافقة، لأنه لا يرضيه إلا جميع ماله، ولا يرضى أن يؤدي ما عليه، فإن كان خصمه مثله اشتد الأمر" (^١).
وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [التغابن: ١٦].
وقال السعدي عند قوله تعالى: ﴿وَأَنْفِقُوا خَيْرًا لِأَنْفُسِكُمْ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [التغابن: ١٦]: " ﴿وَأَنْفِقُوا﴾ من النفقات الشرعية الواجبة والمستحبة، يكن ذلك الفعل منكم خيرًا لكم في الدنيا والآخرة، فإن الخير كله في امتثال أوامر الله تعالى وقبول نصائحه، والانقياد لشرعه، والشر كله، في مخالفة ذلك.
_________________
(١) تفسير السعدي (٢٠٧).
[ ١٣١ ]
ولكن ثم آفة تمنع كثيرًا من الناس، من النفقة المأمور بها، وهو الشح المجبولة عليه أكثر النفوس، فإنها تشح بالمال، وتحب وجوده، وتكره خروجه من اليد غاية الكراهة.
فمن وقاه الله شر شح نفسه بأن سمحت نفسه بالإنفاق النافع لها ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ لأنهم أدركوا المطلوب، ونجوا من المرهوب، بل لعل ذلك شامل لكل ما أمر به العبد، ونهي عنه، فإنه إن كانت نفسه شحيحة، لا تنقاد لما أمرت به، ولا تخرج ما قِبلها، لم يفلح، بل خسر الدنيا والآخرة، وإن كانت نفسه نفسًا سمحة، مطمئنة، منشرحة لشرع الله، طالبة لمرضاة، فإنها ليس بينها وبين فعل ما كلفت به إلا العلم به، ووصول معرفته إليها، والبصيرة بأنه مرضٍ لله تعالى، وبذلك تفلح وتنجح وتفوز كل الفوز" (^١).
وقال -ﷺ-: «وَاتَّقُوا الشُّحَّ؛ فَإِنَّ الشُّحَّ أَهْلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، حَمَلَهُمْ عَلَى أَنْ سَفَكُوا دِمَاءَهُمْ وَاسْتَحَلُّوا مَحَارِمَهُمْ» الحديث (^٢).
وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «وَلَا يَجْتَمِعُ الشُّحُّ وَالْإِيمَانُ فِي قَلْبِ عَبْدٍ أَبَدًا» الحديث (^٣).
ويقول -ﷺ-: «وَإِيَّاكُمْ والشُّحَّ؛ فَإِنَّ الشُّحَّ أَهْلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، أَمَرَهُمْ بِالْقَطِيعَةِ فَقَطَعُوا، وَأَمَرَهُمْ بِالْبُخْلِ فَبَخِلُوا، وَأَمَرَهُمْ بِالْفُجُورِ فَفَجَرُوا» الحديث (^٤).
وكان -ﷺ- يتعوذ كثيرًا من مجموعة من الأخلاق السيئة منها البخل، فعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ -﵁-: أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- قَالَ لِأَبِي طَلْحَةَ: «التَمِسْ غُلَامًا مِنْ غِلْمَانِكُمْ يَخْدُمُنِي حَتَّى أَخْرُجَ إِلَى خَيْبَرَ»، فَخَرَجَ بِي أَبُو طَلْحَةَ مُرْدِفِي وَأَنَا غُلَامٌ رَاهَقْتُ الحُلُمَ، فَكُنْتُ أَخْدُمُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- إِذَا نَزَلَ، فَكُنْتُ أَسْمَعُهُ
_________________
(١) تفسير السعدي (٨٦٨).
(٢) أخرجه مسلم في كتاب البر والصلة والآداب، باب تحريم الظلم (٤/ ١٩٩٦) ح (٢٥٧٨).
(٣) أخرجه أحمد (١٥/ ٤٣٣) ح (٩٦٩٣)، والنسائي (٦/ ١٣) ح (٣١١٠)، وابن حبان في صحيحه (٨/ ٤٣) ح (٣٢٥١)، وصححه الألباني في صحيح الجامع (٢/ ١٢٦٢) ح (٧٦١٦)، وصححه بمجموع طرقه شعيب الأرناؤوط في تحقيقه للمسند ح (٩٦٩٣).
(٤) أخرجه أحمد (١١/ ٢٦) ح (٦٤٨٧)، وأبو داود (٢/ ١٣٣) ح (١٦٩٨)، وابن حبان في صحيحه (١١/ ٥٧٩) ح (٥١٧٦)، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٢/ ٧٠١) ح (٢٦٠٤)، وصحح إسناده شعيب الأرناؤوط في تحقيقه للمسند ح (٦٤٨٧).
[ ١٣٢ ]
كَثِيرًا يَقُولُ: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الهَمِّ وَالحَزَنِ، وَالعَجْزِ وَالكَسَلِ، وَالبُخْلِ وَالجُبْنِ، وَضَلَعِ الدَّيْنِ، وَغَلَبَةِ الرِّجَالِ» (^١).
والبخل والشح لهما خطر على الحاج ويحصل هذا عند حصول خلل في مناسك الحج فتكون على الحاج فدية لجبر الخلل في النسك فبعض الحجاج بسبب شحه وبخله لا يؤدي الفدية ويبحث عن المخارج منها ولو أدى به الأمر إلى عدم القيام بها أو إذا اضطر إلى الفدية مع قدرته المالية أخذ الضعيفة والهزيلة التي تكون بأرخص الأسعار بسبب بخله وشحه، وتجده يتهرب من نسك التمتع الذي هو أفضل الأنساك إلى الصيام مع قدرته المالية على هدي التمتع، وكل ذلك يرجع إلى المرض القلبي شح النفس والبخل، نسأل الله السلامة والعافية.
_________________
(١) أخرجه البخاري (٤/ ٣٦) ح (٢٨٩٣).
[ ١٣٣ ]
المبحث السابع: من مظاهر مرض القلب في عبادة الحج وفيه مطالب.
المطلب الأول: ضعف تعظيم شعائر الله في الحج.
المطلب الثاني: الآفات المهلكة من الرياء، والسمعة، والعجب، وفيه مسائل.
المسألة الأولى: خطر الرياء والسمعة والعجب على عبادة المسلم، وبالذات الحج والعمرة.
المسألة الثانية: من مظاهر الرياء والسمعة والعجب لدى بعض الحجاج والمعتمرين.
المسألة الثالثة: كيف يحافظ الحاج والمعتمر على عبادته من أن تدخلها الشوائب التي قد تفسدها أو تنقص أجرها.
[ ١٣٤ ]