ومما يكثر حصوله من بعض الحجاج وغيرهم الغضب لغير الله من أجل الانتقام لنفسه، وهذا يحدث في الحج بسبب الزحام على موارد الماء والطعام، ومكان قضاء الحاجة، وعند زحام الطواف والسعي ورمي الجمار، فتجد من غضب لنفسه وربما يقع في السب واللعن ومد اليد على أخيه الحاج، لأنه بسبب جهل الحاج بحقوق أخيه المسلم فيغضب لنفسه ويظن أن ذلك لا يؤثر على حجه، وهذا الفهم لا شك أنه غلط لورود النصوص في حث المسلم على ترك الغضب لنفسه، وإنما يكون الغضب لله إذا انتهكت محارم الله، ومع هذا يكون الغضب لله برفق ولين، وموعظة حسنة، والحلم على الجاهل.
ولذا جاءت النصوص محذرة من الغضب للنفس؛ لأنه مفتاح للشر عظيم، وباب يترصد عنده الشيطان ليوقع العبد في حفرة من حفر النار بسبب غضبه نسأل الله العافية والسلامة.
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِلنَّبِيِّ ﷺ: أَوْصِنِي، قَالَ: «لَا تَغْضَبْ» فَرَدَّدَ مِرَارًا، قَالَ: «لَا تَغْضَبْ» (^٢).
وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -﵁-، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: «لَيْسَ الشَّدِيدُ بِالصُّرَعَةِ (^٣)، إِنَّمَا الشَّدِيدُ الَّذِي يَمْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الغَضَبِ» (^٤).
_________________
(١) أخرجه أحمد (١١/ ٢٦٠) ح (٦٦٧٧)، والترمذي (٤/ ٦٥٥) ح (٢٤٩٢) وقال: "حديث حسن"، وقال البغوي في شرح السنة (١٣/ ١٦٧) ح (٣٥٩٠): "هذا حديث حسن"، وحسنه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٣/ ١٠٧) ح (٢٩١١) وحسن إسناده شعيب الأرناؤوط في تحقيقه للمسند ح (٦٦٧٧).
(٢) أخرجه البخاري (٨/ ٢٨) ح (١٦١٦).
(٣) وقال في الصحاح (٣/ ١٢٤٣) عن معنى الصرعة: "أي: يصرع الناس كثيرًا".
(٤) أخرجه البخاري (٨/ ٢٨) ح (٦١١٤)، ومسلم (٤/ ٢٠١٤) ح (٢٦٠٩).
[ ١٢٧ ]
وهذه بعض الفوائد من شرح ابن رجب وابن حجر على حديث" لاتغضب".
١ - قال ابن رجب: " فهذا الرجل طلب من النبي ﷺ أن يوصيه وصية وجيزة جامعة لخصال الخير، ليحفظها عنه خشية ألا يحفظها لكثرتها، فوصاه النبي ألا يغضب، ثم ردد هذه المسألة عليه مرارًا، والنبي ﷺ يردد عليه هذا الجواب، فهذا يدل على أن الغضب جماع الشر، وأن التحرز منه جماع الخير" (^١).
٢ - وقال ابن رجب: " والغضب: هو غليان دم القلب طلبًا لدفع المؤذي عند خشية وقوعه، أو طلبًا للانتقام ممن حصل له منه الأذى بعد وقوعه، وينشأ من ذلك كثير من الأفعال المحرمة كالقتل والضرب وأنواع الظلم والعدوان؛ وكثير من الأقوال المحرمة كالقذف والسب والفحش، وربما ارتقى إلى درجة الكفر، كما جرى لجبلة بن الأيهم، وكالأيمان التي لا يجوز التزامها شرعًا، وكطلاق الزوجة الذي يعقب الندم. والواجب على المؤمن أن تكون شهوته مقصورة على طلب ما أباحه الله له، وربما تناولها بنية صالحة، فأثيب عليها، وأن يكون غضبه دفعا للأذى في الدين له أو لغيره وانتقامًا ممن عصى الله ورسوله، كما قال تعالى: ﴿قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُّؤْمِنِينَ، وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ﴾ سجحالتَّوْبَة الآية ١٤ - ١٥].
وهذه كانت حال النبي ﷺ، فإنه كان لا ينتقم لنفسه، ولكن إذا انتهكت حرمات الله لم يقم لغضبه شيء ولم يضرب بيده خادمًا ولا امرأة إلا أن
_________________
(١) جامع العلوم والحكم (١/ ٣٦١ - ٣٦٢).
[ ١٢٨ ]
يجاهد في سبيل الله. «وخدمه أنس عشر سنين، فما قال له: " أف " قط، ولا قال له لشيء فعله: " لم فعلت كذا "، ولا لشيء لم يفعله: " ألا فعلت كذا» (^١).
٣ - وقال ابن رجب: "وقول النبي ﷺ: «إذا غضبت فاسكت» يدل على أن الغضبان مكلف في حال غضبه بالسكوت، فيكون حينئذ مؤاخذًا بالكلام، وقد صح عن النبي ﷺ أنه أمر من غضب أن يتلافى غضبه بما يسكنه من أقوال وأفعال، وهذا هو عين التكليف له بقطع الغضب، فكيف يقال: إنه غير مكلف في حال غضبه بما يصدر منه. وقال عطاء بن أبي رباح: (ما أبكى العلماء بكاء آخر العمر من غضبة يغضبها أحدهم فتهدم عمر خمسين سنة، أو ستين سنة، أو سبعين سنة، ورب غضبة قد أقحمت صاحبها مقحمًا ما استقاله). خرجه ابن أبي الدنيا" (^٢).
٤ - وفي جامع العلوم والحكم: "قال جعفر بن محمد: (الغضب مفتاح كل شر). وقيل لابن المبارك: اجمع لنا حسن الخلق في كلمة، قال: (ترك الغضب). وكذا فسر الإمام أحمد، وإسحاق بن راهويه حسن الخلق بترك الغضب" (^٣).
٥ - قال ابن حجر: "لو رأى الغضبان نفسه في حال غضبه لكف غضبه حياء من قبح صورته واستحالة خلقته هذا كله في الظاهر وأما الباطن فقبحه أشد من الظاهر لأنه يولد الحقد في القلب والحسد وإضمار السوء على اختلاف أنواعه بل أولى شيء يقبح منه باطنه وتغير ظاهره ثمرة تغير باطنه وهذا كله أثره في الجسد وأما أثره في اللسان فانطلاقه بالشتم والفحش الذي يستحي منه العاقل ويندم قائله عند سكون الغضب، ويظهر أثر الغضب أيضًا في الفعل بالضرب أو القتل،
_________________
(١) جامع العلوم والحكم (١/ ٣٦٩ - ٣٧٠).
(٢) جامع العلوم والحكم (١/ ٣٧٤).
(٣) جامع العلوم والحكم (١/ ٣٦٣).
[ ١٢٩ ]
٦ - وإن فات ذلك بهرب المغضوب عليه رجع إلى نفسه فيمزق ثوب نفسه ويلطم خده وربما سقط صريعًا وربما أغمي عليه وربما كسر الآنية وضرب من ليس له في ذلك جريمة، ومن تأمل هذه المفاسد عرف مقدار ما اشتملت عليه هذه الكلمة اللطيفة من قوله ﷺ "لا تغضب" من الحكمة واستجلاب المصلحة في درء المفسدة مما يتعذر إحصاؤه والوقوف على نهايته، وهذا كله في الغضب الدنيوي لا الغضب الديني كما تقدم تقريره في الباب الذي قبله" (^١).
٧ - وقال ابن حجر: " ويعين على ترك الغضب استحضار ما جاء في كظم الغيظ من الفضل، وما جاء في عاقبة ثمرة الغضب من الوعيد، وأن يستعيذ من الشيطان كما تقدم في حديث سليمان بن صرد، وأن يتوضأ كما تقدمت الإشارة إليه في حديث عطية، والله أعلم.
وقال الطوفي أقوى الأشياء في دفع الغضب استحضار التوحيد الحقيقي وهو أن لا فاعل إلا الله وكل فاعل غيره فهو آلة له فمن توجه إليه بمكروه من جهة غيره فاستحضر أن الله لو شاء لم يمكن ذلك الغير منه اندفع غضبه، لأنه لو غضب والحالة هذه كان غضبه على ربه جل وعلا وهو خلاف العبودية.
قلت: وبهذا يظهر السر في أمره ﷺ الذي غضب بأن يستعيذ من الشيطان لأنه إذا توجه إلى الله في تلك الحالة بالاستعاذة به من الشيطان، أمكنه استحضار ما ذكر، وإذا استمر الشيطان متلبسًا متمكنًا من الوسوسة لم يمكنه من استحضار شيء من ذلك، والله أعلم" (^٢).