وقال الشيخ ابن عثيمين ﵀ في منسكه عن المبيت بمنى ليالي التشريق ورمي الجمار بعد طواف الإفاضة في يوم النحر: " رجع إلى منى فيبيت بها ليلتي اليوم الحادي عشر والثاني عشر، ويرمي الجمرات الثلاث إذا زالت الشمس في اليومين والأفضل أن يذهب للرمي ماشيًا وإن ركب فلا بأس،
_________________
(١) التحقيق والإيضاح (ص ٤٦).
(٢) التحقيق والإيضاح (ص ٥٢ - ٥٣).
[ ١٠٠ ]
فيرمي الجمرة الأولى وهي أبعد الجمرات عن مكة وهي التي تلي مسجد الخيف بسبع حصيات متعاقبات واحدة بعد الأخرى، ويكبر مع كل حصاة، ثم يتقدم قليلًا ويدعو دعاء طويلًا بما أحب، فإن شق عليه طول الوقوف والدعاء دعا بما يسهل عليه ولو قليلًا ليحصل السنة.
ثم يرمي الجمرة الوسطى بسبع حصيات متعاقبات، يكبر مع كل حصاة، ثم يأخذ ذات الشمال فيقف مستقبلًا القبلة رافعًا يديه ويدعو دعاء طويلًا إن تيسر عليه، وإلا وقف بقدر ما يتيسر، ولا ينبغي أن يترك الوقوف للدعاء لأنه سنة، وكثير من الناس يهمله إما جهلًا أو تهاونًا، وكلما أضيعت السنة كان فعلها ونشرها بين الناس أؤكد لئلا تترك وتموت.
ثم يرمي جمرة العقبة بسبع حصيات متعاقبات يكبر مع كل حصاة ثم ينصرف ولا يدعو بعدها. " (^١).
تنبيه مهم: هذه الأدعية التي مر ذكرها في المناسك تحتاج إلى أن نقف معها بعض الوقفات حول أثر عمل القلب عليها:
١ - الحرص على حضور القلب عند الدعاء مع اليقين بأن الله سيستجيب له، وذلك لأن حضور القلب مع اليقين بالإجابة له أثر كبير في استجابة الدعاء، أما غفلة القلب وعدم حضوره ويقينه يؤثر على قبول الله للدعاء يقول: -ﷺ- «ادْعُوا اللَّهَ وَأَنْتُمْ مُوقِنُونَ بِالإِجَابَةِ، وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَجِيبُ دُعَاءً مِنْ قَلْبٍ غَافِلٍ لَاهٍ» (^٢).
٢ - الشعور بالافتقار إلى الله في الدعاء، يؤدي إلى انكسار القلب بين يدي الله تعالى، وذلك له أثر عجيب في قرب العبد من ربه وسرعة استجابته لدعوته.
٣ - الإلحاح على الله والتضرع إليه، ومن الأسباب العظيمة لاستجابة الدعوة إلحاح العبد على ربه وشدة طلبه وشدة تضرعه، ولأن ذلك دليل على افتقار العبد واحتياجه إلى ربه، وهذا أدعى للإجابة.
_________________
(١) المنهج لمريد العمرة والحج (ص ٢٤ - ٢٥).
(٢) أخرجه أحمد (١١/ ٢٣٥) ح (٦٦٥٥)، والترمذي واللفظ له (٥/ ٥١٧) ح (٣٤٧٩) وقال: «هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه»، والحاكم (١/ ٦٧٠) ح (١٨١٧) وقال: "هذا حديث مستقيم الإسناد تفرد به صالح المري، وهو أحد زهاد أهل البصرة، ولم يخرجاه "، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ١٤٨) ح (١٧٢٠٣): "رواه أحمد، وإسناده حسن". والحديث حسنه الألباني في صحيح الجامع الصغير (١/ ١٠٨) ح (٢٤٥) وذكره في السلسلة الصحيحة (٢/ ١٤١) ح (٥٩٤).
[ ١٠١ ]
٤ - رفع اليدين في الدعاء وتكرار يا رب يا رب، يا ذا الجلال والإكرام، يا حي يا قيوم والثناء على الله مع الصلاة والسلام على النبي -ﷺ- لها أثر في شعور القلب بقرب الله منك ومعيته الخاصة لك، وذلك من أسباب استجابة الله للداعي.
- وفي الحديث القدسي قَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: «إِنَّ اللهَ يَقُولُ: أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي وَأَنَا مَعَهُ إِذَا دَعَانِي» (^١)، وكانت أدعية الأنبياء وعباد الله بقولهم: ربنا.
- وقال -ﷺ-: «إِنَّ رَبَّكُمْ ﵎ حَيِيٌّ كَرِيمٌ، يَسْتَحْيِي مِنْ عَبْدِهِ إِذَا رَفَعَ يَدَيْهِ إِلَيْهِ، أَنْ يَرُدَّهُمَا صِفْرًا» (^٢).
- وقال -ﷺ-: «أَلِظُّوا بِيَا ذَا الجَلَالِ وَالإِكْرَامِ» (^٣).
ومعنى " أَلِظُّوا ": أي الزموه واثبتوا عليه وأكثروا من قوله في دعائكم، وقيل: هو بمعنى الإلحاح على الله بهذه اللفظة (^٤).
- يقول فَضَالَةُ بْنَ عُبَيْدٍ، صَاحِب رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: سَمِعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رَجُلًا يَدْعُو فِي صَلَاتِهِ لَمْ يُمَجِّدِ اللَّهَ تَعَالَى، وَلَمْ يُصَلِّ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «عَجِلَ هَذَا»، ثُمَّ دَعَاهُ فَقَالَ لَهُ: - أَوْ لِغَيْرِهِ - «إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ، فَلْيَبْدَأْ بِتَمْجِيدِ رَبِّهِ جَلَّ وَعَزَّ، وَالثَّنَاءِ عَلَيْهِ، ثُمَّ يُصَلِّي عَلَى النَّبِيِّ ﷺ، ثُمَّ يَدْعُو بَعْدُ بِمَا شَاءَ» (^٥).
_________________
(١) أخرجه مسلم (٤/ ٢٠٦٧) ح (٢٠٦٧).
(٢) أخرجه أبو داود (٢/ ٧٨) ح (١٤٨٨)، وجود إسناده ابن حجر في فتح الباري (١١/ ١٤٣)، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (٥/ ٢٢٦) ح (١٣٣٧)، وصححه شعيب الأرناؤوط في تعليقه على سنن أبي داود (٢/ ٦١٠).
(٣) أخرجه أحمد (٢٩/ ١٣٨) ح (١٧٥٩٦)، والترمذي (٥/ ٥٤٠) ح (٣٥٢٥)، والحاكم (١/ ٦٧٦) ح (١٨٣٦) وصححه وأقره الذهبي، وصححه الألباني في صحيح الجامع (١/ ٢٦٩) ح (١٢٥٠)، وصحح إسناده محقق المسند (٢٩/ ١٣٨).
(٤) ينظر: شرح سنن أبي داود لابن رسلان (١٧/ ٤٤٥)، قوت المغتذي على جامع الترمذي (٢/ ٩٥١).
(٥) أخرجه أحمد (٣٩/ ٣٦٣) ح (٢٣٩٣٧)، وأبو داود (٢/ ٧٧) ح ()، والترمذي (٥/ ٥١٧) ح (٣٤٧٧) وقال: "هذا حديث حسن صحيح"، والحاكم (١/ ٣٥٤) ح (٨٤٠) وصححه ووافقه الذهبي، وصحح إسناده الألباني في صحيح سنن أبي داود (٥/ ٢٢١) ح (١٣٣١)، وصحح إسناده محقق مسند أحمد (٣٩/ ٣٦٣).
[ ١٠٢ ]
المبحث السادس: أثر عمل القلب على أخلاق المسلم في الحج، وفيه مطالب.
المطلب الأول: مكانة الخلق الحسن في دين الإسلام.
المطلب الثاني: مظاهر حسن الخلق في الحج.
المطلب الثالث: سوء الخلق وخطره على الحاج.
[ ١٠٣ ]