ومن أعظم ما ينبغي أن يحرص عليه المؤمن أشد الحرص علمه بشرط قبول العمل واجتهاده على تحقيق ذلك في كل عبادته، ومن تلك العبادات عبادة الحج والعمرة، فلا تقبل عبادة الحج والعمرة عند الله إلا بشرطين: أولهما: الإخلاص لله تعالى، وثانيهما: متابعة النبي -ﷺ- في الاقتداء به في أداء مناسك الحج والعمرة، ودونك تفصيل هذين الشرطين:
١ - الشرط الأول: الإخلاص لله تعالى في عبادة الحج والعمرة، فيحرص الحاج والمعتمر على سلامة مقصده في عبادته، يقول الله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ ٥﴾ سجحالبَيِّنَة الآية تمجسحج، ويقول -ﷺ-: «إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى، فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى دُنْيَا يُصِيبُهَا، أَوْ إِلَى امْرَأَةٍ يَنْكِحُهَا، فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ» (^١)، وعليه أن يجتهد أشد الاجتهاد في الحرص على سلامة نيته لله تعالى في كل عباداته فينتبه لمقاصده، ويحذر أشد الحذر من مفسدات النية من الرياء، والسمعة، وحب ثناء الناس عليه، وغير ذلك من مفسدات الإخلاص، وقال -ﷺ-: «إِنَّ اللَّهَ لَا يَقْبَلُ مِنَ الْعَمَلِ إِلَّا مَا كَانَ لَهُ خَالِصًا، وَابْتُغِيَ بِهِ وَجْهُهُ» (^٢)، ويقول -ﷺ-: «أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِمَا هُوَ أَخْوَفُ عَلَيْكُمْ عِنْدِي مِنَ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ؟» قَالَ: قُلْنَا: بَلَى، فَقَالَ: «الشِّرْكُ الْخَفِيُّ، أَنْ يَقُومَ الرَّجُلُ يُصَلِّي، فَيُزَيِّنُ صَلَاتَهُ؛ لِمَا يَرَى مِنْ نَظَرِ رَجُلٍ» (^٣)، ويقول -ﷺ-: «قَالَ اللهُ ﵎: أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنِ الشِّرْكِ، مَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشْرَكَ فِيهِ مَعِي غَيْرِي تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ» (^٤).
إنه لمن المحزن جدًا على أحوال بعض الحجاج والمعتمرين ما أحدثته وسائل التواصل الحديثة من خرق كبير وخلل خطير في المقاصد والنيات حتى تحول الحج والعمرة عند البعض إلى رحلة سياحية
_________________
(١) أخرجه البخاري (١/ ٦) ح (١).
(٢) أخرجه النسائي (٦/ ٢٥) ح (٣١٤٠)، وجوَّد إسناده ابن حجر في الفتح (٦/ ٢٨)، وحسنه الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة (١/ ١١٨) ح (٥٢)، وقال في صحيح سنن النسائي (٢/ ٣٨٣ - ٣٨٤) ح (٣١٤٠): "حسن صحيح".
(٣) أخرجه ابن ماجه في كتاب الزهد، باب الرياء والسمعة (٢/ ١٤٠٦) ح (٤٢٠٤)، والحاكم في المستدرك في كتاب الرقاق (٤/ ٣٦٥) ح (٧٩٣٦) وصححه ووافقه الذهبي، وحسن إسناده البوصيري في زوائد ابن ماجه (٤/ ٢٣٦) ح (١٥٠٥)، وحسنه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (١/ ١١٩) ح (٣٠).
(٤) أخرجه مسلم في كتاب الزهد والرقائق، باب من أشرك في عمله غير الله (٤/ ٢٢٨٩) ح (٢٩٨٥).
[ ٤٥ ]
ينقل فيها تحركات الحاج والمعتمر من خلال هذه المواقع ليشاهدها الناس، وهذا يخل كثيرًا بالمقاصد والنيات؛ لأنه بهذا العمل يفتح عليه أبواب الرياء والسمعة والعجب بالعمل، فقد يفسد حجه وعمرته أو ينقص أجره بسبب ذلك، وسيأتي مزيد بيان لهذا في ثنايا الكتاب بحول الله وقوته.
الشرط الثاني لقبول العمل: متابعة النبي -ﷺ- والاقتداء به في مناسك الحج والعمرة، والحذر من الوقوع في البدع والمحدثات التي تكون سببًا في رد العمل وعدم قبوله.
وعن جابر ﵁ يَقُولُ: " رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَرْمِي عَلَى رَاحِلَتِهِ يَوْمَ النَّحْرِ، وَيَقُولُ: «لِتَأْخُذُوا مَنَاسِكَكُمْ، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَحُجُّ بَعْدَ حَجَّتِي هَذِهِ» (^١).
وقال النووي ﵀ في شرح الحديث السابق: " وأما قوله -ﷺ-: (لِتَأْخُذُوا مَنَاسِكَكُمْ) فهذه اللام لام الأمر ومعناه: خذوا مناسككم، وهكذا وقع في رواية غير مسلم وتقديره: هذه الأمور التي أتيت بها في حجتي من الأقوال، والأفعال، والهيئات، هي أمور الحج وصفته، وهي مناسككم، فخذوها عني واقبلوها، واحفظوها، واعملوا بها، وعلموها الناس.
وهذا الحديث أصل عظيم في مناسك الحج، وهو نحو قوله ﷺ في الصلاة: "صلوا كما رأيتموني أصلي"" (^٢).
ولهذا يجب على الحاج أن يتعلم مناسك حجه وعمرته قبل الوصول إلى مواقيت الحج حتى يؤدي عبادته كما أمر النبي ﷺ ولا يقع في البدع والمحدثات فيرد عليه عمله، كما قال ﷺ: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ» (^٣).
وفي الرواية الأخرى في صحيح مسلم عَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَدٌّ» (^٤).
وإنك لتحزن كثيرًا على ما خالف به الناس أمر رسول الله -ﷺ-، واحدثوه من بدع في مناسك الحج والعمرة فهناك بدع في الإحرام، وبدع في الطواف والسعي، والحلق والتقصير، وبدع في الوقوف بعرفة،
_________________
(١) أخرجه مسلم (٢/ ٩٤٣) ح (١٢٩٧) وفي صحيح الجامع للألباني (٢/ ١٣٠٤) ح (٧٨٨٢)، عن جابر ﵁، يقول -ﷺ-: "يَا أَيُّهَا النَّاسُ! خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ فَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَحُجُّ بَعْدَ عَامِي هذا".
(٢) شرح النووي على مسلم (٩/ ٤٥).
(٣) أخرجه مسلم (٣/ ١٣٤٣) ح (١٧١٨).
(٤) أخرجه مسلم (٣/ ١٣٤٣) ح (١٧١٨).
[ ٤٦ ]
وفي المبيت بمزدلفة، وبدع في رمي الجمار وفي غير ذلك (^١)، ولذا يجب على المسلم الذي يريد أداء مناسك الحج والعمرة أن يتعلم هذه العبادة قبل المجيء اليها بفترة طويلة، حتى يتقن ذلك وهذا من العلم الفرض على المسلم الذي لا يعذر فيه، قال -ﷺ-: "طَلَبُ الْعِلْمِ فَرِيضَةٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ" (^٢).
"وسئل الفضيل بن عياض عن قوله -ﷺ-: "طَلَبُ الْعِلْمِ فَرِيضَةٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ"، فقال كل عمل كان عليك فرضًا، فطلب علمه عليك فرض، وما لم يكن العمل به عليك فرضًا، فليس طلب علمه عليك بواجب" (^٣).
وعلى هذا من العلم الفريضة على المسلم الذي لا يعذره الله بجهله أن يتعلم أحكام حجه وعمرته المفروضة عليه قبل أداء النسك، وأن يسال أهل العلم عما يشكل عليه، حتى يؤدي نسكه على بينة من أمره، فانه يلاحظ تساهل الناس في تعلم فرائض دينهم، مما يوقع المسلم في البدع والمحدثات وهو لا يشعر، فيعرض عبادته للرد وعدم القبول، بسبب تساهله في تعلم عبادته، والله المستعان.
_________________
(١) وهناك كتب اعتنت بعرض هذه البدع لتحذير الناس منها، وهي ولله الحمد كثيرة منهم من أفردها بمؤلف خاص ومنهم من ذكرها ضمن منسكه، ودونك أمثلة على ذلك: - التحقيق والإيضاح لكثير من مسائل والعمرة والزيارة، للعلامة ابن باز ﵀. - مناسك الحج والعمرة، للعلامة الألباني ﵀. - مناسك الحج والعمرة والمشروع في الزيارة، للعلامة ابن عثيمين ﵀. - وذكر كثيرًا منها ابن عثيمين ﵀ في كتابه فقه العبادات. - البدع والمخالفات في الحج، لمجموعة من المؤلفين، طبعته وزارة الشؤون الإسلامية بالمملكة العربية السعودية.
(٢) أخرجه ابن ماجه (١/ ٨١) ح (٢٢٤)، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (١/ ١٤٠) ح (٧٢).
(٣) نقله عنه الخطابي في معالم السنن (٤/ ١٨٦).
[ ٤٧ ]