تعريفه:
يوجد ارتباط وثيق بين معناه في اللغة وفي الاصطلاح، فهو العلم الذي لا شك فيه.
وعرفه الجنيد ﵀ بقوله: "اليقين هو استقرار العلم الذي لا ينقلب ولا يحول ولا يتغير في القلب" (^٤).
وعرفه شيخ الإسلام ﵀ بقوله: "أما اليقين فهو: طمأنينة القلب، واستقرار العلم فيه" (^٥).
من أدلة الكتاب والسنة على اليقين:
لقد اعتنى القرآن الكريم بهذا العمل القلبي العظيم، فذكر اليقين في آيات كثيرة، ومن ذلك:
• جعله الله من صفات عباده المتقين، فقال تعالى: ﴿وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾ [البقرة: ٤].
_________________
(١) ينظر: حلية الأولياء (٨/ ٩٥)، مدارج السالكين (٢/ ٨٨ - ٨٩) مع بعض التصرف.
(٢) مدارج السالكين (٢/ ٩٢)، البداية والنهاية (١٤/ ١٥٠).
(٣) الفوائد (٤٩).
(٤) مدارج السالكين (٢/ ٣٧٥).
(٥) مجموع الفتاوى (٣/ ٣٢٩).
[ ٢٣ ]
قال السعدي ﵀: "والآخرة اسم لما يكون بعد الموت، وخصه بالذكر بعد العموم؛ لأن الإيمان باليوم الآخر أحد أركان الإيمان، ولأنه أعظم باعث على الرغبة والرهبة والعمل، واليقين: هو العلم التام الذي ليس فيه أدنى شك، الموجب للعمل" (^١).
• وقال تعالى: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [المائدة: ٥٠].
وفي تفسير السعدي لقوله تعالى: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ﴾: "أي: أفيطلبون بتوليهم وإعراضهم عنك حكم الجاهلية، وهو كل حكم خالف ما أنزل الله على رسوله؟!
فلا ثَمَّ إلا حكم الله ورسوله أو حكم الجاهلية، فمن أعرض عن الأول ابتلي بالثاني المبني على الجهل والظلم والغي، ولهذا أضافه الله للجاهلية، وأما حكم الله تعالى فمبني على العلم، والعدل والقسط، والنور والهدى، ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ فالموقن هو الذي يعرف الفرق بين الحكمين ويميز بإيقانه ما في حكم الله من الحسن والبهاء، وأنه يتعين عقلًا وشرعًا اتباعه. واليقين هو: العلم التام الموجب للعمل" (^٢).
• وقال تعالى: ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ﴾ [الروم: ٦٠].
قال الطبري ﵀ في تفسيره لهذه الآية: "يقول تعالى ذكره: ﴿فَاصْبِرْ﴾ يا محمد لما ينالك من أذاهم، وبلِّغهم رسالة ربك، فإن وعد الله الذي وعدك من النصر عليهم والظفر بهم وتمكينك وتمكين أصحابك وتُبَّاعك في الأرض حقّ، ﴿وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ﴾ يقول:
_________________
(١) تفسير السعدي (٤١).
(٢) تفسير السعدي (٢٣٥).
[ ٢٤ ]
ولا يستخفنّ حلمك ورأيك هؤلاء المشركون بالله، الذين لا يوقنون بالمعاد، ولا يصدّقون بالبعث بعد الممات، فيثبطوك عن أمر الله والنفوذ لما كلَّفك من تبليغهم رسالته" (^١).
• وقال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾ [السجدة: ٢٤].
ومن هذه الآية استنبط شيخ الإسلام ﵀ أن الإمامة في الدين لا تنال إلا بالصبر واليقين (^٢).
• وقال تعالى: ﴿هَذَا بَصَائِرُ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [الجاثية: ٢].
قال السعدي ﵀: "أي: ﴿هَذَا﴾ القرآن الكريم والذكر الحكيم ﴿بَصَائِرُ لِلنَّاسِ﴾ أي: يحصل به التبصرة في جميع الأمور للناس، فيحصل به الانتفاع للمؤمنين، والهدى والرحمة. ﴿لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ فيهتدون به إلى الصراط المستقيم في أصول الدين وفروعه، ويحصل به الخير والسرور والسعادة في الدنيا والآخرة، وهي الرحمة؛ فتزكو به نفوسهم، وتزداد به عقولهم، ويزيد به إيمانهم ويقينهم، وتقوم به الحجة على من أصر وعاند" (^٣).
• ومما ورد في السنة عن اليقين حديث أبي هريرة -﵁-: قال رسول الله -ﷺ-: «فَمَنْ لَقِيتَ مِنْ وَرَاءِ هَذَا الْحَائِطَ يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ مُسْتَيْقِنًا بِهَا قَلْبُهُ فَبَشِّرْهُ بِالْجَنَّةِ».
دل هذا الحديث على أنَّ من شروط كلمة التوحيد اليقينَ.
• وعن شَدَّاد بْنِ أَوْسٍ -﵁-، عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ-: «سَيِّدُ الِاسْتِغْفَارِ أَنْ تَقُولَ: اللَّهُمَّ أَنْتَ رَبِّي لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، خَلَقْتَنِي وَأَنَا عَبْدُكَ، وَأَنَا عَلَى عَهْدِكَ وَوَعْدِكَ مَا اسْتَطَعْتُ، أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا صَنَعْتُ، أَبُوءُ لَكَ بِنِعْمَتِكَ عَلَيَّ، وَأَبُوءُ لَكَ بِذَنْبِي فَاغْفِرْ لِي، فَإِنَّهُ لَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا أَنْتَ»، قَالَ: «وَمَنْ قَالَهَا مِنَ النَّهَارِ مُوقِنًا بِهَا، فَمَاتَ مِنْ يَوْمِهِ قَبْلَ أَنْ يُمْسِيَ، فَهُوَ مِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ، وَمَنْ قَالَهَا مِنَ اللَّيْلِ وَهُوَ مُوقِنٌ
_________________
(١) تفسير الطبري (٢٠/ ١٢٠).
(٢) ينظر: مجموع الفتاوى (٣/ ٣٥٨).
(٣) تفسير السعدي (٧٧٧).
[ ٢٥ ]
• بِهَا، فَمَاتَ قَبْلَ أَنْ يُصْبِحَ، فَهُوَ مِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ» (^١).
دل هذا الحديث على أن من شروط أثر سيد الاستغفار على صاحبه أن يقوله بيقين.
من أقوال العلماء في اليقين:
عن سفيان الثوري ﵀ قال: "لو أن اليقين، استقر في القلب كما ينبغي لطار فرحًا وحزنًا وشوقًا إلى الجنة، أو خوفًا من النار" (^٢).
وقال سهل بن عبد الله التستري ﵀: "حرام على قلب أن يشم رائحة اليقين وفيه سكون إلى غير الله" (^٣).
وقال ابن القيم ﵀: "فإذا باشر القلب اليقين امتلأ نورًا وانتفى عنه كل ريب وشك، وعوفي من أمراضه القاتلة، وامتلأ شكرًا لله وذكرًا له ومحبة وخوفًا" (^٤).
ويقول أيضًا: "فالعلم أول درجات اليقين، ولهذا قيل: العلم يستعملك، واليقين يحملك، فاليقين أفضل مواهب الرب لعبده، ولا تثبت قدم الرضا إلا على درجة اليقين، قال تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [التغابن: ١١]، قال ابن مسعود -﵁-: (هو العبد تصيبه المصيبة، فيعلم أنها من الله، فيرضى ويسلم) (^٥)، فلهذا لم يحصل له هداية القلب والرضا والتسليم إلا بيقينه" (^٦).
_________________
(١) أخرجه البخاري (٨/ ٦٧) ح (٦٣٠٦).
(٢) حلية الأولياء (٧/ ١٧).
(٣) مفتاح دار السعادة (١/ ١٥٤).
(٤) مفتاح دار السعادة (١/ ١٥٤).
(٥) نسبه ابن جرير إلى علقمة، ينظر: تفسير الطبري (٢٣/ ١٢).
(٦) مفتاح دار السعادة (١/ ١٥٥).
[ ٢٦ ]