إن المتأمل في آيات الحج يجد الارتباط العظيم بين التقوى والحج؛ لأن عبادة الحج من أبرز مقاصدها تحقيق التقوى في حياة المسلم، وهذه بعض التي ربطت بين عبادة الحج والتقوى.
١ - قال تعالى عن المواقيت الزمانية للحج: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [البقرة: ١٨٩].
٢ - وقال تعالى في أول آيات الحج من سورة البقرة ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾، ثم ختمها بقوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [البقرة: ١٩٦].
٣ - وقال تعالى بعد ذلك في آيات الحج من سورة البقرة: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [البقرة: ١٩٧].
٤ - وقال تعالى عن أحكام الصيد للمحرم: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ [المائدة: ٩٦].
٥ - وقال تعالى في خاتمة آيات الحج في سورة البقرة: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ [البقرة: ٢٠٣].
٦ - وقال تعالى عن الأضاحي والهدايا المرتبطة بشعائر الحج: ﴿لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ كَذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ﴾ [الحج: ٣٧].
[ ٦١ ]
٧ - وقال تعالى عن تعظيم مناسك الحج ومنها الهدي وغيره من المناسك: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ [الحج: ٣٢] (^١).
وهذه بعض الوقفات تعليقًا على هذه الآيات:
الوقفة الأولى: ماهي التقوى؟
التقوى بعبارة موجزة أن تجعل بينك وبين عذاب الله وقاية بامتثال الأمر واجتناب النهي.
الوقفة الثانية: التقوى عمل قلبي يظهر أثره على الجوارح.
قال تعالى: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ [الحج: ٣٢].
فتعظيم شعائر الله دليل على تقوى القلوب، وأضاف التقوى في الآية إلى القلب لأن حقيقة التقوى فيه، كما قال -ﷺ-: «التَّقْوَى هَاهُنَا» وَيُشِيرُ إِلَى صَدْرِهِ ثَلَاثَ مَرَّات (^٢). والمعظم لشعائر الله يبرهن على تقواه وصدق إيمانه (^٣)، وهذا يدل على أهمية عمل القلوب وأثره على حياة العبد، فإذا حقق العبد التقوى ظهر عليه تعظيمه لشعائر الله تعالى في سره وجهره، ومن أبرز ما يظهر فيه أثر التقوى على العبد مناسك الحج، كما سياتي في الوقفة الآتية:
الوقفة الثالثة: الحج من أعظم العبادات التي تظهر فيها آثار التقوى على سلوك الحاج والمعتمر.
وذلك لأن الحج رحلة شاقة فيها مفارقة للأهل والوطن، وفيها جهد بدني، وبذل مالي، ولا يعين على ذلك إلا التقوى، فحين يقبل الحاج والمعتمر على فعل أمر الله واجتناب نهيه، ابتغاء أن يقيه الله عذاب الدنيا والآخرة، فحينئذ تسهل عليه أداء مناسك حجه وعمرته على أحسن حال يحبه الله ويرضاه.
الوقفة الرابعة: طرق عملية لتفعيل أثر التقوى على الحاج والمعتمر.
وهذه بعض الطرق العملية -على وجه الاختصار- التي تعين الحاج والمعتمر على تحقيق التقوى في حجه وعمرته:
_________________
(١) ينظر: التقوى في آيات الحج، د. إبراهيم الحقيل، موقع الألوكة على الشبكة.
(٢) أخرجه مسلم (٤/ ١٩٨٦) ح (٢٥٦٤).
(٣) ينظر: تفسير القرطبي (١٢/ ٥٦)، تفسير السعدي (٥٣٨).
[ ٦٢ ]
١ - الإخلاص لله تعالى والمتابعة للنبي -ﷺ- في حجه وعمرته كما سبق الكلام عن ذلك، وسيأتي كذلك مزيد بيان لذلك في ثنايا الكتاب.
٢ - الحرص على أن تكون نفقته في حجه وعمرته من مكسب حلال لأن الله طيب لا يقبل إلا طيبًا، ولأن المال الحرام يمنع إجابة الدعاء، قال -ﷺ-: " أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّ اللهَ طَيِّبٌ لَا يَقْبَلُ إِلَّا طَيِّبًا، وَإِنَّ اللهَ أَمَرَ الْمُؤْمِنِينَ بِمَا أَمَرَ بِهِ الْمُرْسَلِينَ، فَقَالَ: ﴿يَاأَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ [المؤمنون: ٥١].
وَقَالَ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ [البقرة: ١٧٢].
ثُمَّ ذَكَرَ الرَّجُلَ يُطِيلُ السَّفَرَ أَشْعَثَ أَغْبَرَ، يَمُدُّ يَدَيْهِ إِلَى السَّمَاءِ، يَا رَبِّ، يَا رَبِّ، وَمَطْعَمُهُ حَرَامٌ، وَمَشْرَبُهُ حَرَامٌ، وَمَلْبَسُهُ حَرَامٌ، وَغُذِيَ بِالْحَرَامِ، فَأَنَّى يُسْتَجَابُ لِذَلِكَ؟ " (^١).
٣ - أن يحرص على الرفقة الصالحة في حجه وعمرته التي تعينه على طاعة الله وتذكره بالله إذا غفل.
٤ - أن يحرص الحاج والمعتمر على امتثال الأحاديث الآتية سلوكًا عمليًا في حجه وعمرته، وفي وسائر أحواله:
- عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ﵄، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «المُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ المُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ، وَالمُهَاجِرُ مَنْ هَجَرَ مَا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ» (^٢).
- وعَنْ أَبِي ذَرٍّ ﵁، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لَهُ: اتَّقِ اللهَ حَيْثُمَا كُنْتَ، وَأَتْبِعِ السَّيِّئَةَ الْحَسَنَةَ تَمْحُهَا، وَخَالِقِ النَّاسَ بِخُلُقٍ حَسَنٍ" (^٣).
- وقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: " مِنْ حُسْنِ إِسْلامِ الْمَرْءِ تَرْكُهُ مَا لَا يَعْنِيهِ " (^٤).
_________________
(١) أخرجه مسلم (٢/ ٧٠٣) ح (١٠١٥).
(٢) أخرجه البخاري (١/ ١١) ح (١٠) واللفظ له، ومسلم بعضه دون قوله: "والمهاجر .. " (١/ ٦٥) ح (٤١).
(٣) أخرجه أحمد (٣٥/ ٢٨٤) ح (٢١٣٥٤)، والدارمي (٢/ ٩٢٥) ح (٢٨٢٠)، والترمذي (٤/ ٣٥٥) ح (١٩٨٧) وقال: " حسن صحيح"، والحاكم (١/ ١٢١) ح (١٧٨) وصححه ووافقه الذهبي، وحسنه الألباني في صحيح الجامع (١/ ٨١) ح (٩٧).
(٤) أخرجه أحمد (٣/ ٢٥٩) ح (١٧٣٧)، والترمذي (٤/ ٥٥٨) ح (٢٣١٧) وقال: "حديث غريب"، وابن ماجه (٢/ ١٣١٥) ح (٣٩٧٦)، وابن حبان (١/ ٤٦٦) ح (٢٢٩)، وصححه الألباني في صحيح الجامع (٢/ ١٠٢٧) ح (٥٩١١) وفي غيره، وقال في صحيح الترغيب والترهيب (٣/ ٩٦) ح (٢٨٨١): "حسن لغيره"، وحسنه بمجموع شواهده الارناؤوط في تعليقه على سنن ابن ماجه (٥/ ١١٩).
[ ٦٣ ]
- يَقُولُ النُّعْمَانَ بْنَ بَشِيرٍ ﵁: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " الحَلَالُ بَيِّنٌ، وَالحَرَامُ بَيِّنٌ، وَبَيْنَهُمَا مُشَبَّهَاتٌ لَا يَعْلَمُهَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ، فَمَنِ اتَّقَى المُشَبَّهَاتِ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وَعِرْضِهِ، وَمَنْ وَقَعَ فِي الشُّبُهَاتِ: كَرَاعٍ يَرْعَى حَوْلَ الحِمَى، يُوشِكُ أَنْ يُوَاقِعَهُ، أَلَا وَإِنَّ لِكُلِّ مَلِكٍ حِمًى، أَلَا إِنَّ حِمَى اللَّهِ فِي أَرْضِهِ مَحَارِمُهُ، أَلَا وَإِنَّ فِي الجَسَدِ مُضْغَةً: إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الجَسَدُ كُلُّهُ، أَلَا وَهِيَ القَلْبُ " (^١).
- عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِنَّ الرَّجُلَ لَيَتَكَلَّمُ بِالكَلِمَةِ لَا يَرَى بِهَا بَأْسًا يَهْوِي بِهَا سَبْعِينَ خَرِيفًا فِي النَّارِ» (^٢).
- عَنْ أَنَسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ، حَتَّى يُحِبَّ لِأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ» (^٣).
٥ - أن يحرص الحاج والمعتمر على التخلق بالخلق الحسن والبعد عن أخلاق السوء، وسيأتي مزيد بيان لذلك.
٦ - أن يحفظ جوارحه من الوقوع في الحرام.
٧ - أن يجاهد نفسه على الخشوع في صلاته (^٤).
٨ - أن يحرص الحاج والمعتمر على وقته في أثناء أداء المناسك فلا يضيعه فيما لا فائدة منه، بل يعمر أوقاته بالعبادة من تلاوة وذكر واستغفار وتوبة مع الحرص أداء المناسك في أوقاتها المحددة شرعًا.
_________________
(١) أخرجه البخاري (١/ ٢٠) ح (٥٢)، ومسلم (٣/ ١٢١٩) ح (١٥٩٩).
(٢) أخرجه أحمد (١٢/ ١٤٩) ح (٧٢١٥)، والترمذي (٤/ ٥٥٧) ح (٢٣١٤) وقال: "حسن غريب"، والحاكم (٤/ ٦٤٠) ح (٨٧٦٩) وصححه ووافقه الذهبي، وصححه الألباني في صحيح (١/ ٣٣٤) ح (١٦١٨)، وصححه محقق مسند أحمد (١٢/ ١٤٩).
(٣) أخرجه البخاري (١/ ١٢) ح (١٣)، ومسلم (١/ ٦٧) ح (٤٥).
(٤) ينظر كتاب أثر عمل القلب على عبادة الصلاة للمؤلف على موقع شبكة الألوكة، من تصميم وإخراج مشروع تعظيم قدر الصلاة بمكة المكرمة.
[ ٦٤ ]
المبحث الرابع: أثر عمل القلب على مناسك الحج، وفيه مطالب.
المطلب الأول: أثر عمل القلب على عبادة الإحرام.
المطلب الثاني: أثر عمل القلب على عبادة الطواف والسعي.
المطلب الثالث: أثر عمل القلب على عبادات يوم التروية.
المطلب الرابع: أثر عمل القلب على عبادة الوقوف بعرفة.
المطلب الخامس: أثر عمل القلب على عبادة المبيت بمزدلفة.
المطلب السادس: أثر عمل القلب على عبادة رمي الجمار.
المطلب السابع: أثر عمل القلب على عبادة الحلق أو التقصير.
المطلب الثامن: أثر عمل القلب على عبادة المبيت بمنى ليالي أيام التشريق.
[ ٦٥ ]